العنوان الانفجار الإسلامي بعد تيتو
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 27-مايو-1980
مشاهدات 87
نشر في العدد 482
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 27-مايو-1980
- يشعر المسلمون بالغبن الفادح بسبب التفرقة في المعاملة.
- أفادت التقارير من بلغراد بأن حركة المد الإسلامي وصلت إلى هناك!
- ارتبطت شخصية يوغوسلافية بشخصية تيتو أول ملك شيوعي !
- يوغوسلافيا.. لوحة من الفسيفساء
الآن... وبعد أن غاب تيتو بسلطته الفردية المطلقة، عن المسرح السياسي في يوغوسلافية، تتطلع أنظار العالم كله إلى ذلك البلد الذي يشبه لوحة من الفسيفساء، لكثرة ما يحوي من تناقضات فهو مؤلف من: ست جمهوريات وخمس قوميات «أوصلها بعض الدارسين إلى ثماني عشرة قومية!!» ويدين بأربعة أديان، ويتكلم ثلاث لغات ويكتب بنوعين من الحروف الهجائية. ويحيط به سبع دول!
واذا كان مستقبل يوغوسلافية مهمًا لنا، فان الأهم منه وضع المسلمين اليوغسلاف ومستقبلهم هناك.
لقد دخل الإسلام إلى يوغوسلافية عن طريق الأتراك في القرن الرابع عشر الميلادي وفي سنة ١٤٥٩ أصبحت بلاد الصرب التي تعتبر أساس يوغوسلافية- إذ يبلغ عدد سكانها 9 ملايين من أصل ٢٢ مليونًا وعاصمتها بلغراد التي هي عاصمة الدولة الاتحادية أصبحت عثمانية.
وبعد أن ضعفت دولة الخلافة تنازلت عنها للإمبراطورية النمساوية المجرية في عام ١٨٧٩م بعد حكم استمر ما يقارب ٤٤٠ عامًا.
وعلى الرغم من أن الإسلام انتشر في تلك البلاد طواعية فإن اضطهاد المسلمين بدأ منذ تخلي العثمانيين عن بلاد العرب واستمر الاضطهاد حتى بعد قيام الدولة اليوغوسلافية الحديثة بعد الحرب العالمية الأولى، فهاجر قسم كبير منهم إلى تركيا وألبانيا. وصمد الباقون وأسسوا الحزب الإسلامي عام ۱۹۱۹ برئاسة الدكتور محمد سباهو واستمر الحال على هذا الوضع إلى الحرب العالمية الثانية حيث بدأ اسم «تيتو» بالظهور لأنه قاد مفارز الأنصار «وهي مجموعات تحرير شعبية شكلت في حزيران ١٩٤١م لتحرير يوغوسلافية من الألمان».
بروز يوغوسلافية على يد تيتو:
هنا لا يمكن إغفال الدور الذي قام به تیتو فقد عمل في المرحلة الأخيرة من الحرب على تأمين الاعتراف الدولي بيوغوسلافية الجديدة ومنع الحلفاء الغربيين من إعادة حكومة المهجر والنظام الملكي وفي عام ١٩٤٦ وبعد التحرير انتخب تيتو رئيسًا للجبهة الشعبية وشكل الحكومة بعد صدور أول دستور للجمهورية الشعبية الفيدرالية وفي ١٩٥٣ أصبح أول رئيس للجمهورية. وجدد انتخابه رئيسًا مدىالحياة!! في عام ١٩٧٤.
حامل الألقاب... ماذا فعل؟!
ارتبط التاريخ الحديث ليوغوسلافية بشخصية تيتو هذا الذي حمل عدة ألقاب مختلفة. أولها «تيتو» وهو اسمه الحركي خلال نضاله السياسي و«التحريفي والمراجع» عندما انشق عن ستالين واتهم بالخروج على الماركسية أو مراجعتها بما يغير من محتواها وفي الخمسينات لقب «أبا الحياد الإيجابي» ولقبه الغرب بـ«أول ملك شيوعي!!» نظرًا لحبه الرفاهية وسلطته الدائمة ولقد بدأت شهرته عندما عارض ستالين وخرج ببلاده عن دائرة الفلك السوفياتي وابتدع شيوعية خاصة بها سميت فيما بعد «التجربة اليوغوسلافية» أما شعبه فيلقبه «بالزنبقة البيضاء» لوسامته وأناقته!!
التوجه العالمي لتيتو:
لقد طمح تيتو إلى إقامة اتحاد فيدرالي بين دول البلقان وألبانيا وبلغاريا ولكنه أخفق في تحقيق هذا الحلم، فانكفأ إلى الداخل حيث أنشأ صناعة ثقيلة لبلاده وقوّى جيشها... وعمل على جمع كل السلطات تحت قيادته الفردية المطلقة مستغلًا وضعه كزعيم منتصر، ولكن طموحه في الزعامة لم يقف عند حد فأراد التعويض عن إخفاقه في توصيد دول البلقان، فابتدع سياسة عدم الانحياز مع بقية الأقطاب المعروفين «نهرو -سوكارنو -عبد الناصر -شوان لاي» وكان الاجتماع الأول في باندونغ ١٩٥٥ حيث الحرب الباردة بين القوتين العظميين في العالم، تعرض للخطر مستقبل الدول الضعيفة والصغيرة، وفي هذا المؤتمر الأول أرسيت سياسة «الحياد الإيجابي»التي حولها تيتو إلى «عدم الانحياز» في بلغراد عاصمته عام ١٩٦١. ولكنه لم يمت حتى رأى إخفاق هذه السياسة في المؤتمر السادس بكوبا عام ۱۹۷۹ حيث انكشف الانحياز التام وخاصة في سياسة كاسترو...
- والآن.. إلى أين المصير؟!
كل ما فعله تيتو لم يستطع أن يلغي حقيقة بسيطة يتغافل عنها كل حاکم فرد مستبد وهي أن الفناء غاية كل شيء ولكن الحقائق -مهما كانت بسيطة- فإنها تفرض نفسها أخيرًا، وهكذا بدأ تيتو يميل إلى التقليل من تدخله الشخصي في إدارة الدولة وخاصة بعد إقرار دستور عام ١٩٧٤ ليعطي الفرصة للقيادة الجماعية التي شكلت بموجب الدستور للتدريب على ممارسة السلطة بشكل يضمن استقلال يوغوسلافية وسلامتها بعد وفاته، وليطمئن أكثر استحصل من الاتحاد السوفياتي عام ١٩٧٦ على تعهد بعدم التدخل بعد رحيله في شؤون بلاده وحصل بالمقابل على تعهد أميركي -أوربي بمقاومة أي تدخل سوفيتي- وصرح قائلًا بعد هذا:
«الآن.. يمكنني أن أموت وأنا مرتاح إلى أن الأمور ستبقى على ما هي عليه الآن» فهل يا ترى سيتحقق حلم أسد يوغوسلافية العجوز الذي مات عن سبعة وثمانين عامًا مبتور الساق، مهترئ الجسم لكثرة الأمراض؟
والآن... ما هي احتمالات المستقبل؟!
إن الإجابة عن السؤال السابق تستدعي الكلام في العناصر التالية:
- موقف الروس تجاه يوغوسلافية
- موقف أمريكا وحلفائها.
- الوضع الداخلي من ناحيتين:
- التشكيل القومي المتنافر لمجموعة شعوب يوغوسلافية.
- التكوين العقائدي والثقافي لهذه الشعوب.
وفي هذه الفقرة سنؤجل الحديث عن الفقرتين الأوليين لأن الكلام فيها أقرب إلى التوقعات وسنتكلم عن الوضع الداخلي ليوغوسلافية مبرزين دور المسلمين فيه. فما هي قصة المسلمين اليوغسلاف كاملة!؟..
المسلمون اليوغسلاف واقع وحقيقة :
من أصل ۲۲ مليون يوغوسلافي يبلغ المسلمون أكثر من ثلاثة ملايين نسمة متفرقين في خمس جمهوريات من أصل ست وينتمون إلى ثلاثة أصول عرقية وهم البوشناق «وأصلهم سلافي ويشتركون مع الصرب والكرواتيين في اللغة» والألبانيون والأتراك أما توزيعهم فهو كما يلي:
- مليون ونصف من جمهورية الصرب وعاصمتها بلغراد من أصل تسعة ملايين هم مجمل السكان في هذه الجمهورية.
- مليون ونصف في جمهورية البوسنة والهرسك وعاصمتها سيراجيفو من أصل 4 ملايين و٣٠٠ ألف.
- ٤٠٠ ألف مسلم في جمهورية مقدونية وعاصمتها سكوبيا من أصل مليون و۷۰۰ ألف.
- ١٠٠ ألف مسلم في جمهورية الجبل الأسود من أصل ٦٠٠ ألف.
- عشرة آلاف مسلم في جمهورية كرواتيا وعاصمتها زغرب من أصل خمسة ملايين.
الأصول التاريخية للاضطهاد الديني:
قلنا إن المسلمين تعرضوا للاضطهاد منذ تخلى العثمانيون عنهم ومنذ سقوط الخلافة ۱۹۱۸م أصبح للصرب -وهم العرق الأكثر عددًا- سيطرة سياسية على البلاد، وعندما سقطت يوغوسلافية إبان الحرب الثانية وأعلن استقلال كرواتيا. أعمل الصرب في المسلمين تقتيلًا. فقتل ۱۲۰۰۰ اثنا عشر ألف مسلم من البوسنة والهرسك مع أن هؤلاء قد ساعدوا تيتو في نهاية الحرب، ولكن هذه المساعدة لم تمنع قتل المسلمين وهدم مساجدهم ومدارسهم الدينية.
ففي هذه الولاية نفسها كان عشرات الآلاف من المساجد. وعلى سبيل المثال كان في بلغراد عاصمة الاتحاد «۲۷۰» مسجدًا أزيلت كلها ماعدا واحدًا ومن جملة من قتل مفتي مدينة زغرب حيث شنق على باب جامعه الذي حول إلى متحف!!. طبعًا ليس هذا مستغربًا من الشيوعية التي تعتبر نقيضًا كاملًا للإسلام.. ولكن في بداية الخمسينات استعاد المسلمون حقوقهم -ثم اعترف بهم على أنهم قومية متميزة!!
- العودة إلى الاضطهاد:
لعل بعض المتابعين يذكرون حادث الطائرة الذي قتل فيه جمال بيجيديك رئيس الوزراء -وهو شيوعي من أصل مسلم- عام ١٩٧٧ ومن وقتها لم يعد أحد يمثل المسلمين في مجلس الرئاسة، ولقد أثير أكثر من تساؤل وقتها عن أسباب الحادث الغامض، ولكنه يبقى في النهاية إشارة إلى حرب خفية ضد المسلمين، وفي الواقع أن حركة النهضة الإسلامية الشاملة التي تعم العالم كله لم تكن قاصرة في يوغوسلافية نفسها، ولذلك بدأت من أشهر، حملة مضادة منظمة في صحف بلغراد وسيراجيفو لقطع الطريق على هذه الحركة، شملت الهجوم على زعماء المسلمين وعلمائهم وسجن عدد منهم بتهم مختلفة منها:
- نشر دعايات مغرضة.
- تعكير جو الأخوة والوحدة بين شعب يوغوسلافية.
- استغلال الشعائر الدينية لإلقاء خطب سياسية معادية للحزب الشيوعي اليوغسلافي.
- التأثر بأفكار الخميني؟!
ولقد تمادت أجهزة الإعلام في حملتها، ضد الحضارة والثقافة الإسلامية، حتى أنها وصفت زعماء المسلمين بأنهم قطاع طرق وقوم بلهاء!!! وقد قادت حملة تشهيرية ضد الدكتور محمد حاجي جاهيش لتأليفه كتاب «الإسلام والمسلمون في البوسنة والهرسك» وانتقدت العلماء بسبب استغلال المشاعر الدينية في حديث مثير للذكريات ومؤيد للإخوان المسلمين!! كل هذا دعا تيتو قبل وفاته لزيارة البوسنة وهناك حذر المسلمين -من خلال مدح الزعماء الجمهوريين على ما قاموا به من عمل ضد «بعض الدوائر الدينية ذات النشاطات الهدامة!!».. وتحدث عن «إجراءات مشددة في مواجهة أية محاولة من المساجد لربط الدين بالقومية» وقال: إن هذه التصرفات من شأنها إثارة حزازات خطيرة قديمة.
مصير لوحة الفسيفساء:
هناك غير الإسلام ثلاثة أديان أخرى. وهي المسيحية الأرثوذكسية والكاثوليكية واليهودية، وهناك غير الصرب الكرواتيون والسلوفاك والألبان والأتراك والمجر وحتى الغجر!!
هذا الخليط المتناقض مرشح للانهيار عند أول هزة وما وفاة تيتو إلا الضربة الأولى التي تقرع باب الزلزال الكبير، لم يكن تيتو إلا الخيط الذي يلم العيدان المختلفة في حزمة واحدة، والآن قد انحل الخيط ولم يبق إلا أن ننتظر انفراط الحزمة.
هناك عاملان أساسيان في الموضوع: عامل خارجي وآخر داخلي. ويشمل العامل الخارجي موقف كل من روسيا وأمريكا. أما الأولى فإن وضعها المحرج في أفغانستان يجعل تدخلها المباشر بعيد الاحتمال، كذلك أمريكا المشغولة الآن بوضع خططها العسكرية الخاصة بمنطقة الخليج لمواجهة أزمة الرهائن.
يبقى العامل الداخلي وهو الأكثر أهمية وخطورة والقوى الضاغطة فيه ثلاثة:
- الجيل الجديد من الشباب المتعلمين الذين سافروا إلى الخارج، يطمح إلى إيجاد مجتمع أكثر حرية وديمقراطية وأقرب إلى مجتمعات أوربة الغربية وأن التحول عن النظام السابق المتسم بالجمود عبر تنظيم الحزب الواحد، قد بدأ فعلًا قبل وفاة تيتو.
- المناطق الجنوبية ذات الأغلبية المسلمة، تشعر بالغبن لأنها مناطق زراعية رئيسية ومع ذلك فإن الشمال يحوي أغلب الصناعات وفيه وسائل مواصلات أفضل... وللتخلص من هذا الوضع لابد من التخلص من النظام الذي أوجده مضافًا إلى ذلك التناقض العقائدي بطبيعة الحال.
- الحالة الاقتصادية المتردية بسبب السرعة في إنجاز برنامج التصنيع مما أرهق الاقتصاد. ونشأ عن هذا الوضع اعتماد على الاستيراد أدى إلى وجود عجز كبير في ميدان المدفوعات فلجأت إلى الاقتراض من البنك الدولي. وهكذا أمست يوغوسلافيا مرتهنة للغرب في الوقت نفسه الذي تعتبر فيه أكبر سوق لصادرات الاتحاد السوفياتي، مما يجعلها منطقة شد وجذب بين الجبارين.
- ...على مفترق الطرق
هل يشكل المسلمون وحدهم عنصر الانفجار في يوغوسلافيا؟! قد يرد هذا التساؤل على الذهن ولكن العوامل كما لاحظنا كثيرة ولكن يبقى المسلمون هم العامل الأكبر في عملية الانفجار القادمة إن حصلت، فرغم كافة معطيات المساواة والاستقلال الذاتي فهناك من هم مفعمون بالغضب وراء الستار، إن الشعور بالغبن والظلم عارم وعنيف لدى المسلمين، وهم ليسوا مرتاحين لوضعهم هذا في قلب أوروبا المسيحية التي لا تثق بهم. أضف إلى ذلك الأحقاد التي ما خمدت بعد مجيء تيتو. وإن كانت قد سكنت إلى حين. إن التقارير الواردة من بلغراد تشير إلى أن حركة المد الإسلامي قد وصلت إلى هناك ولا يستبعد المراقبون خروج «آية الله جديد» في سيراجيفو عاصمة المسلمين؛ تلك المدينة التي أشعلت نار الحرب الكونية الأولى بعد اغتيال الأمیر فردیناند ولي العهد النمساوي فيها. فهل ستكون شرارة الحرب الثالثة منها أيضًا!؟.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل