العنوان قوانين تعسفية.. تصدرها حكومة بورما بحق المسلمين وحدهم
الكاتب دين محمد أبو البشر
تاريخ النشر السبت 09-أغسطس-2003
مشاهدات 59
نشر في العدد 1563
نشر في الصفحة 34
السبت 09-أغسطس-2003
قتل وتشريد واضطهاد.. وإجراءات لا سابق لها في التاريخ
دخل الإسلام بورما عن طريق أراكان في القرن الأول الهجري بواسطة تجار العرب وعلى رأسهم الصحابي الجليل وقاص بن مالك رضي الله عنه، ومجموعة من التابعين وأتباعهم، حيث كان العرب يمارسون التجارة، ولأجلها يسافرون إلى قاصي البلاد ودانيها.
تقول الروايات إنه في يوم من الأيام انكسرت سفينتهم أثناء سفرهم للتجارة في وسط خليج البنغال على مقربة من ساحل أراكان، فاضطروا إلى اللجوء إلى جزيرة رحمبي بأراكان، وبعد ذلك تواطنوا في أراكان وتزوجوا من بنات السكان المحليين، وحيث إنهم تلقوا الإرشادات النبوية ووعوا قوله صلى الله عليه وسلم: «بلغوا عني ولو آية»، وقوله صلى الله عليه وسلم «فليبلغ الشاهد الغائب»، بدأوا بممارسة الأعمال الدعوية بين السكان المحليين يدعونهم إلى الدين السماوي الخالد بالحكمة والموعظة الحسنة، فبدأوا يدخلون في دين الله أفواجاً، وقد تردد الدعاة في مختلف مناطق العالم على تلك المنطقة، فزاد عدد المسلمين يومًا فيومًا إلى أن استطاع المسلمون تأسيس دولة إسلامية في أراكان منذ عام 1430م على يد سليمان شاه، استمرت أكثر من ثلاثة قرون ونصف القرن إلى أن هجم عليها البوذيون عام 1784م.
هكذا أنتشر الإسلام في كل مناطق بورما، حتى بلغ عدد المسلمين فيها عشرة ملايين مسلم من بين مجموع سكانها البالغ عددهم خمسين مليون نسمة (أي 20% من السكان) منهم أربعة ملايين في أراكان والبقية منتشرة في كل المناطق، أما في أراكان وحدها فتبلغ نسبة المسلمين (70%) ويشكلون أغلبية فيها ومنهم حوالي أكثر من مليوني مسلم من شعب الروهنجيا يعيشون حياة المنفى والهجرة في مختلف دول العالم.
حاولت بورما منذ سيطرتها على أراكان المسلمة عام 1784م القضاء على المسلمين ولكنها فقدت سلطتها على يد الاستعمار البريطاني عام 1824م، وبعد مرور أكثر من مائة سنة تحت سيطرة الاستعمار نالت بورما الحكم الذاتي عام ١٩٣٨م، فكان أول أمر قامت به هو قتل المسلمين وتشريدهم في كل مناطق بورما حتى في العاصمة رانجون، حيث استشهد عدد كبير واضطر أكثر من خمسمائة ألف مسلم إلى مغادرة بورما، وفي عام 1943م، قام البوذيون المشاغبون بمساعدة السلطة الداخلية بأعمال القتل والدمار الشامل ضد المسلمين في جنوب أراكان، حيث استشهد حوالي مائة ألف مسلم، وبعد أن حصلت بورما على استقلالها من بريطانيا عام 1948م، كانت أولى خطواتها في «برمنة»، جميع الشعوب والأقليات التي التي تعيش في بورما.
وقد نجحت في تطبيق خطتها في خلال سنوات لكنها فشلت تمامًا مع المسلمين لكونهم مستمدين عقيدتهم وهويتهم من النبع الصافي للهداية الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم: «تركت فيكم أمرين لن تضلوا بعدي ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة رسوله»، فلا يوجد واحد من المسلمين أرتد عن الإسلام واعتنق الديانة البوذية أو أي دين آخر.
حين أحست بورما بهذه الحقيقة، غيّرت موقفها وخطتها إلى القضاء على المسلمين وإقتلاع جذور الإسلام عن أرض بورما بقتل ونهب وتشريد المسلمين ومسخ هويتهم وطمس شعائرهم وتراثهم وتغيير معالمهم وثقافتهم ودس السموم في نفوسهم وما إلى ذلك من أساليب الظلم والعدوان، وحين أستولى الجيش على مقاليد الحكم عام 1962م أشتدت المظالم على المسلمين أكثر من السابق؛ ففي عام 1978م شردت بورما أكثر من 200 ألف مسلم إلى بنجلاديش، وفي عام 1982م ألغت جنسية المسلمين بدعوى أنهم متوطنون في بورما بعد عام 1824م عام دخول الإستعمار البريطاني إلى بورما رغم أن الواقع والتاريخ يكذبان ذلك، وفي عام (1991- 1992م) شردت نحو ثلاثمائة ألف آخرين إلى بنجلاديش.
وهكذا نزح المسلمون إلى بنجلاديش ومنها إلى بلاد أخرى؛ لأن الحكومة هيأت أجواء الهجرة، فالوضع الذي يعيشه مسلمو أراكان مأساوي جدًّا فهم محرومون من أبسط الحقوق الإنسانية، وهناك مئات الآلاف من الأطفال يمشون في ثياب بالية وجوههم شاحبة، وأقدامهم حافية، وعيونهم حائرة لما رأوا من مظالم وإعتداءات البوذيين ما يثقل الأجواء بصرخات الثكالى والأرامل اللائي يبكين بدماء العفة يخطف رجالهن ويعلقون على جذوع الأشجار بالمسامير، وتقطع أنوفهم وآذانهم ويفعل بهم الأفاعيل وعشرات المساجد والمدارس تدمر بأياد نجسة.
وفي الأونة الأخيرة تكشفت برامج إبادة الجنس وتحديد النسل فيما بين المسلمين، حيث أصدرت قرارات عدة منها قرار ينص على أن المرأة المسلمة لا يمكن زواجها إلى بعد بلوغ الخامسة والعشرين من عمرها، بينما لا يسمح للرجل بالزواج إلا بعد الثلاثين من عمره، ولا يتم الزواج إلا بعد الحصول على تصريح مكتوب من إدارة قوات الأمن الحدودية (ناساكا) التي لا تعطيه إلا إذا توافرت الشروط، وهي تقديم طلب مع الصور الفوتوغرافية لكل من العريس والعروس إلى (ناساكا)، ثم إحضارهما إلى قاعدة (ناساكا) للفحص والتأكد على عمرهما، وأنهما راضيان ومؤهلان للزواج، وبعد الانتهاء من هذه الإجراءات، فإن ناساكا لا تسمح بالزواج إلا بعد تقديم رشوة بمبلغ كبير لا يقدر الجميع على تسديده كما أنها لا تسمح في سنة كاملة لأكثر من عشرين أسرة بالزواج في القرية التي تتكون من ألفي أسرة على أقل تقدير، فإذا خالف أحد هذا القرار فعقوبته تفكيك الزواج والاعتقال لمدة ستة أشهر وغرامة «خمسين ألف كيات بورمي».
ومن القرارات الجائرة، قرار يهز مشاعر المسلمين، ويهدد كيانهم ووجودهم، ولا يوجد له نظير في تاريخ الإنسانية القرار ينص على إحضار المرأة المسلمة الحامل إلى قاعدة إدارة قوات الأمن الحدودية ناساكا لأخذ صورتها الملونة بعد كشف بطنها كل شهر لحين أن تضع حملها، في كل مرة لا بد دفع الرسوم بمبلغ كبير، وذلك للتأكد -كما تقول السلطة- من سلامة الجنين، ولتسهيل إحصائية المواليد بعد الولادة! ولكن لسان الواقع يقول إن الهدف من هذا القرار هو الاستهتار بمشاعر المسلمين وتأكيد أنه ليس لهم حق العيش في أراكان بأمن وسلام.
وعلى الصعيد السكاني، فإن الحكومة ما زالت تقوم بإحداث تغييرات ملموسة في التركيبة الديمجرافية لمناطق المسلمين، فلا توجد قرية أو منطقة إلا وفيها منازل البوذيين المستوطنين وتكون السلطة في القرية بأيدي البوذيين، ومنذ عام 1988م قامت الحكومة بإنشاء ما يسمى القرى النموذجية في شمال أراكان حتى يتسنى تشجيع أسر الريكاهين البوذيين على الاستقرار في هذه المناطق واستيطان البوذيين الذين ينتقلون من أماكن مختلفة حتى من بنجلاديش إلى هذه القرى النموذجية وتمنح لهم الأراضي وبيوت جاهزة شيدت بأيدي المسلمين بدون أجر، وهكذا فإن مصادرة الأراضي من المسلمين ومنحها إلى الريكاهين البوذيين بهذه الطريقة خلق توترًا شديدًا فيما بين المسلمين.
وفوق ذلك صدر قرار بحظر تأسيس مسجد جديد، وعدم إصلاح وترميم المساجد القديمة وتدمير المساجد التي تم بناؤها أو إصلاحها في خلال عشر سنوات منصرمة في إقليم أراكان، وبموجب هذا القرار فإن السلطة هدمت أكثر من 72 مسجدًا.
وفي الآونة الأخيرة، أصدرت السلطة قرارًا بعدم السماح للعاملين والموظفين في الحكومة بإطلاق لحاهم، وإرتداء الزي الإسلامي في الدوائر الرسمية، وكل من لا يمتثل لهذا الأمر يفصل من الوظيفة وفعلاً أعفي المسلمون من الوظيفة لاقترافهم جريمة عدم الامتثال لأمر السلطة بحلق اللحى وعدم ارتداء الزي الإسلامي.
إن قضية مسلمي بورما تشكل محنة كبيرة، وهي كارثة إنسانية، وجريمة عظيمة في حق المجتمع الدولي، وضد القانون الدولي، وإن إبادة جنس بشري أو فئة معينة داخل بورما لا يعتبر شأنًا داخليًّا يخص بورما وحدها، بل هو يستدعي إهتمام وعناية الجميع في العالم؛ لأنه يتعلق بحقوق الإنسان التي أعلنت الأمم المتحدة وثيقة دولية بشأن حمايتها قبل نصف قرن من الزمان.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل