العنوان التعليق الأسبوعي: الانحراف اليسَاري بين السلم وَالاستسلام
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 17-أكتوبر-1978
مشاهدات 83
نشر في العدد 416
نشر في الصفحة 6
الثلاثاء 17-أكتوبر-1978
من النتائج الخطرة التي قد تتمخض عنها قرارات مؤتمر كامب ديفيد وردود الفعل المعارضة لها أن تدفع الشعوب العربية إلى مزيد من التحطم النفسي، وعدم القدرة على التفاعل مع الأحداث وفقدان الثقة سواء بالأنظمة الحاكمة، أو بما يسمى بالقوى الوطنية المتمثلة بالحركات اليسارية القومية والناصرية بما قد يجرها إلى أحد أمرين:
- الاستسلام الكامل والاكتفاء بمتابعة الأعداء، وهم يلعبون لعبتهم في ابتزاز خيرات الأمة والسيطرة عليها.
- أو الانقياد بدون وعي خلف الذين، تملي عليهم مصالحهم استنزاف قوة الأمة عن طريق البلابل الداخلية، وإثارة الفتن وتحويل المنطقة إلى ساحة للصراع الداخلي؛ بهدف السيطرة عليها.
فالصيحات قد تعالت عقب صدور قرارات مؤتمر كامب ديفيد من قبل دول الصمود والتحدي بوجوب الالتحام بالمسيرة السوفيتية لمواجهة المؤامرة الأمريكية، وقامت القوى اليسارية في المنطقة لاستغلال ردة الفعل الشعبية ضد المؤامرة الأمريكية الصهيونية في توجيه الشعوب لقبول الحل اليساري، وتعزيز الوجود اليساري في المنطقة.
لذا فإن دراسة مبسطة لخط التغلغل السوفيتي اليساري في المنطقة العربية وموقفه من الصراع العربي الإسرائيلي ستكشف لنا عن وجه الخطورة في التوجه اليساري الحالي، وردة الفعل العنيفة لدى الشعوب التي ستكتشف أنها وقعت مرة أخرى فريسة لعبة قد تكون أشد مكراً في نهب خيرات الأمة وثرواتها، فالوجود السوفييتي اليساري في المنطقة العربية وموقفه من الصراع العربي اليهودي كان تحكمه دائماً المصالح السياسية والاقتصادية:
◘ ففي سنة (۱۹۲۸م) قام السوفييت بمناهضة الصهيونية، وشنوا هجوماً عنيفاً عليها لاعتبارين كليهما داخل في دائرة مصالحهم الاقتصادية والعقائدية:
الأول- اعتماد الحركة الصهيونية على اليهود في روسيا وتأثيرها عليهم.
الثاني- اعتبارهم أن الصهيونية حركة وطنية قومية، وبالتالي فهي غير تقدمية حسب وجهة نظرهم العقائدية.
◘ ونظراً للصراع القائم بين السوفييت وبين الألمان والإيطاليين، ونظراً لتأييد الألمان والإيطاليين للثورة العربية ضد البريطانيين واليهود فقد تحول التأييد الروسي للثورة العربية في فلسطين إلى استحسان للتعايش بين العرب واليهود، والتعاون بينهما، بل ولقد أعلنوا استنكارهم لحركة المفتي الحسيني -عليه رحمة الله-، واتهموه بأنه عمل فاشستي.
◘ بعد ذلك تحول مجرد الاستحسان للتعايش بين العرب واليهود إلى تأييد مطلق لإسرائيل، وتأييد لمشروع تقسيم فلسطين، وتم اعتراف الاتحاد السوفييتي بدولة الصهاينة قبل اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بها، وما ذلك إلا لأنهم أخذوا يتطلعون إلى فلسطين كموقع خلفي لمصالحهم، كما عبر عن ذلك المحللون السياسيون الدارسون لطبيعة العلاقة السوفيتية اليهودية.
◘ تأييد السوفييت للقضية الفلسطينية لم يكن إلا استغلالاً للمعركة الطاحنة التي كانت بين جمال عبد الناصر والعراقيين والسوريين؛ لكسب المواقف القومية الزائفة، والتي كان على رأسها المزايدة بالقضية الفلسطينية، والعمل الفدائي الفلسطيني.
◘صفقة السلاح الروسي سنة (١٩٥٥م) التي استطاعت أن تدخل الروس إلى قلب المنطقة العربية، وبالذات في مصر تشهد الأحداث أنها لم تكن سوى نموذج من نماذج العلاقات الأمريكية السوفيتية، بقدر ما هي سوفيتية عربية، ففي تلك الأثناء كان القلق ينتاب موسكو بصورة متزايدة حيال التحركات الأمريكية لتطويق الاتحاد السوفيتي، كإنشاء حلف بغداد الذي يضم تركيا، والعراق، وإیران، وباکستان، وبريطانيا، والولايات المتحدة كعضو مراقب.
أما ما يدل على أنها لم تكن سوى نموذج من نماذج العلاقات الأمريكية السوفيتية واستغلال الثغرات في السياسة الغربية للدخول كطرف منافس في الدول العربية أمران، هما:
- رفض الولايات المتحدة لطلب جمال عبد الناصر بتزويده بكميات محدودة من السلاح مما دفع الاتحاد السوفيتي إلى عقد اتفاقية مع عبد الناصر لتزويده بما قيمته (250) مليون دولار تقريباً أسلحة.
- نوعية الأسلحة البالية التي تعد من مخلفات الحرب العالمية الثانية، والتي جعلت منها صفقة تافهة ليست ذات قيمة لولا ما نتج عنها من التغلغل الروسي في المنطقة.
بعد هذا الاستعراض السريع لمواقف اليسار السوفييتي تجاه القضية العربية والصراع العربي اليهودي:
* هل نستغرب إذا أصر اليساريون على أن أحد أركان حل القضية الفلسطينية إقامة الدولة العلمانية الفلسطينية لضمان استيعاب الفلسطينيين، وضمان كسب ود اليهود السياسي في حالة إعادة التغلغل السوفييتي في المنطقة عن طريق القوى اليسارية، حتى ولو كان ذلك عن طريق التصريح بأن التعايش بين اليهود والعرب ممكن إذا كانوا يهود الثمانية والأربعين؟
* وهل تستغرب إذا عمد السوفييت إلى إشعال نار الحرب الأهلية في جنوب الجزيرة والخليج عن طريق القوى اليسارية، وإثارة أذنابهم اليساريين في باقي الدول لاستغلال حالة الرفض لتحقيق مصالحهم، ولضمان دفع الهجمة الأمريكية المتمثلة في السيطرة الأمريكية الرهيبة على مقدرات المنطقة، وخاصة تلك التي تتيحها لها معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل؟
* ثم هل تستغرب أن يرفض اليساريون الاستسلام للعدو اليهودي؛ لأن فيه تفويتاً لمصالحهم في المنطقة؟
بينما نراهم يباركون- السلم- المتمثل في قيام الدولة الفلسطينية العلمانية المزعومة، وبقاء اليهود في فلسطين المحتلة في حدود ما قبل حرب (٦٧)؛ وذلك لضمان مصالحهم السياسية والاقتصادية من قبل الطرفين العربي، واليهودي.
إن تعقيدات الأحداث السياسية وانقسام اليساريين إلى موالين لموسكو، وآخرين للصين قد لا يسمح للخط اليساري أن يأخذ طريقه المرسوم إذا قدر له ذلك، ولكن مع ذلك تبقى القوى اليسارية في المنطقة مصدر خطر وتضليل للشعوب الإسلامية قد يصرفها عن الطريق السليم للمطالبة بحقوقها المشروعة؛ لذلك لا بد من التنبيه، ولا بد من كشف الانحراف اليساري بين السلم والاستسلام.
تعتذر أسرة تحرير المجتمع للأستاذ الداعية أحمد جوزي على التغيير الذي حدث في اسمه؛ حيث نزل اسم أحمد فوزي، بدلاً من اسمه؛ بسبب تشابه الأسماء، وذلك في المقال المعنون بـ "كيف وصلت القاهرة للاعتراف بإسرائيل؟"، صفحة (٢٥) من العدد السابق.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل