; من مائدة النُّبوَّة (355) | مجلة المجتمع

العنوان من مائدة النُّبوَّة (355)

الكاتب عبد الله السند

تاريخ النشر الثلاثاء 21-يونيو-1977

مشاهدات 120

نشر في العدد 355

نشر في الصفحة 37

الثلاثاء 21-يونيو-1977

عن مالك بن الحويرث رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صلوا كما رأيتموني أصلي وإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم» متفق عليه.

هذا الحديث احتوى على ثلاث جمل، أولها أعظمها .

الجملة الأولى قوله: إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، فيه مشروعية الأذان ووجوبه، للأمر به وكونه بعد دخول الوقت، ويستثنى من ذلك صلاة الفجر فإنه صلى الله عليه وسلم قال: «إن بلالًا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن مكتوم فإنه لا ينادي حتى يقال له: أصبحت أصبحت».

وإن الأذان فرض كفاية لا فرض عين؛ لأن الأمر من الشارع أن خوطب به کل شخص مكلف وطلب حصوله فقط بقطع النظر عن الإيمان فهو فرض كفاية. وهنا قال: فليؤذن لكم أحدكم، وألفاظ الأذان معروفة، وينبغي أن يكون المؤذن صيتًا أمينًا عالمًا بالوقت لأنه أكمل لحصول المقصود. 

والحديث يدل على وجوب الأذان في الحضر والسفر، والإقامة من تمام الأذان، فالأذان: الإعلام بدخول الوقت للصلاة، والإقامة: الإعلام بالقيام إليها.

وقد وردت النصوص الكثيرة بفضله وكثرة ثوابه واستحباب إجابة المؤذن، وأن يقول المجيب مثل ما يقول المؤذن، إلا إذا قال: حي على الصلاة- حي على الفلاح فيقول كلمة الاستعانة بالله على ما دعا إليه من الصلاة والفلاح- اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آتِ محمدًا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته- ثم يدعو لنفسه لأنه من مواطن الإجابة التي ينبغي للداعي قصدها.

الجملة الثانية قوله: وليؤمكم.. الإمامة -كما ثبت في الصحيح- يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة وإسلامًا، فإن كانوا متقاربين كما في هذا الحديث كان الأولى منهما أكبرهما، فإن تقديم الأكبر مشروع في كل أمر طلب فيه الترتيب- إذا لم يكن للصغير مزيد فضل- لقوله صلى الله عليه وسلم: «كبر كبر».

وإذا ترتبت الصلاة بإمام ومأموم فإنما جُعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر كبر من وراءه وإذا ركع وسجد ورفع تبعه من بعده، وينهى عن موافقته في أفعال الصلاة، وأمّا مسابقة الإمام، والتقدم عليه في ركوعه أو سجوده، أو خفض أو رفع فإن ذلك حرام مبطل للصلاة، فيؤمر المأمومون بالاقتداء بإمامهم. وينهون عن الموافقة والمسابقة والتخلف الكثير. فإن كانوا اثنين فأكثر فالأفضل أن يصفوا خلفه، والرجل الواحد يصف عن يمين الإمام والمرأة خلف الرجل أو الرجال، وتقف وحدها إلا إذا كان معها نساء فيكن كالرجال في وجوب المصافة، وإن وقف الرجل الواحد خلف الإمام أو خلف الصف لغير عذر بطلت صلاته.

وعلى الإمام تحصيل مقصود الإمامة، من الجهر بالتكبير في الانتقالات والتسميع ومن الجهر في القراءة الجهرية، وعليه مراعاة المأمومين في التقدم والتأخر والتخفيف مع الإتمام.

الجملة الثالثة: وهي الأولى في هذا الحديث قوله: «صلوا كما رأيتموني أصلي» وهذا تعليم منه صلى الله عليه وسلم بالقول والفعل كما فعل ذلك في الحج، حيث كان يقوم بأداء المناسك ويقول للناس: «خذوا عني مناسككم»، وهذه الجملة تأتي على جميع ما كان يفعله ويقوله ويأمر به في الصلاة. وذلك بأن يستكمل العبد جميع شروط الصلاة ثم يقوم إلى صلاته ويستقبل القبلة، ناويًا الصلاة المعينة بقلبه ويقول: الله أكبر، ثم يستفتح ويتعوذ بما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من أنواع الاستفتاحات والتعوذات، ويقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ثم يقرأ الفاتحة. وسورة طويلة في صلاة الفجر وقصيرة في صلاة المغرب وبين ذلك في بقية الصلوات، ثم يكبر راكعًا رافعًا يديه حذو منكبيه، في ركوعه وفي رفعه منه في كل ركعة وعند تكبيرة الإحرام، وإذا قام من التشهد الأول على الصحيح في الصلاة الرباعية والثلاثية، ويقول: سبحان ربي العظيم مرة واحدة واجبة، وأقل الكمال ثلاث مرات فأكثر، وكذلك تسبيح السجود قول: سبحان ربي الأعلى، ثم يرفع رأسه قائلًا- إمامًا ومنفردًا- سمع الله لمن حمده، ثم يكبر ويسجد على سبعة أعضاء: القدمين والركبتين والكفين والجبهة مع الأنف، ويمكّنها من الأرض ولا يبسط ذراعيه ثم يرفع مكبرًا، ويجلس مفترشًا جالسًا على رجله اليسرى ناصبًا رجله اليمنى موجهًا أصابعها إلى القبلة، والصلاة جلوسها كله افتراش إلا في التشهد الأخير فإنه ينبغي له أن يتورك، فيقعد على الأرض ويخرج رجله اليسرى عن يمينه، ويقول بين السجدتين: رب اغفر لي وارحمني واهدني وارزقني واجبرني، ثم يسجد الثانية كالأولى، وهكذا يفعل في كل ركعة، وعليه أن يطمئن في كل رفع وخفض وركوع وسجود وقيام وقعود. ثم يتشهد فيقول: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، هذا التشهد الأول، ثم يقوم إن كانت رباعية أو ثلاثية ويصلي بقيتها بالفاتحة، وأن في التشهد الأخير قال: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد.

اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المسيح الدجال، ويدعو ما أحب ثم يسلم ويذكر الله بما ورد، فجميع الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة من فعله وقوله وتعليمه وإرشاده داخل في قوله: صلوا كما رأيتموني أصلي، وهو مأمور به أمر إيجاب واستحباب بحسب الدلالة.

فما كان من أجزائها لا يسقط سهوًا ولا جهلًا ولا عمدًا قيل له: ركن، كتكبيرة الإحرام وقراءة الفاتحة والتشهد الأخير والسلام. وكالقيام والركوع والسجود والاعتدال عنها.

وما كان يسقط سهوًا ويجبره سجود السهو قيل له: واجب، كالتشهد الأول والجلوس له، والتكبيرات غير تكبيرة الإحرام وقول سمع الله لمن حمده للإمام والمنفرد، وقول ربنا لك الحمد لكل مصلٍّ، وقول سبحان ربي العظيم مرة في الركوع، وسبحان ربي الأعلى مرة في السجود، وقول رب اغفر لي بين السجدتين.

وما سوى ذلك فإنه من مكملاتها ومستحباتها، وخصوصًا روح الصلاة ولبها وهو حضور القلب فيها، وتدبر ما يقوله من قراءة وذكر ودعاء وما يفعله من قيام وقعود وركوع وسجود والخضوع لله والخشوع فيها لله. ومما يدخل في ذلك تجنب ما نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم في الصلاة، كالضحك والكلام وكثرة الحركة المتتابعة لغير ضرورة، فإن الصلاة لا تتم إلا بوجود شروطها وأركانها وواجباتها وانتفاء مبطلاتها التي ترجع إلى أمرين: إمّا إخلال بلازم أو فعل ممنوع فيها كالكلام ونحوه. والله الموفق.

عبد الله السند

الرابط المختصر :