; النبي صلى الله عليه وسلم مع خلفائه الراشدين (٦) سنة الخلفاء الراشدين المهديين | مجلة المجتمع

العنوان النبي صلى الله عليه وسلم مع خلفائه الراشدين (٦) سنة الخلفاء الراشدين المهديين

الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي

تاريخ النشر السبت 23-مايو-2009

مشاهدات 57

نشر في العدد 1853

نشر في الصفحة 56

السبت 23-مايو-2009

  • الخلفاء الأربعة خير الأمة وأبرها قلوبًا وأعمقها علمًا وأقلها تكلفًا.. اختارهم الله لصحبة نبيه ونقل دينه.
  • متبعون لا مبتدعون شهدوا نزول الوحي....وأخذوا من العلم عن النبي ما يؤهلهم للاجتهاد.
  • لا يجوز تجاوز الحد في حب الصحابة وإطرائهم كما لا يجب التعصب لبعضهم أو التعرض لأحدهم بالسب واللعن.

اقتضت حكمة الله تعالى أن يفضل بعض الناس على بعض ويرفع بعضهم درجات، وهو سبحانه حكيم ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (1)﴾(الأنبياء: الآية 23)، فجعل منهم الأنبياء والمرسلين وفضل بعض النبيين على بعض، ﴿تلك الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُم مِّن كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ درجات .. ﴾ (البقرة :الآية 253)، وكان أفضلهم هو النبي الخاتم الذي كان له أصحاب شهدوا بعثته وعاشوا نبوته وتعلموا منه ونهلوا من فيض رسالته، وتفاوت منهم الجد والسعي في نيل حظهم من القرب منه والفوز برضاه، فكان أفضلهم الخلفاء الأربعة من بعده.

إلا أنه يشهد الله تعالى أن أصحابه جميعًا ما قصروا في حمل الأمانة ونصرة النبي ﷺ ونشر الرسالة، ففعلوا جهدهم ونالوا نصيبهم الأوفى من حبه وتفضيله لهم، واستحقوا صفة الخيرية إلى يوم الدين، إذ يقول ﷺ:

 «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» (البخاري في فضائل الصحابة).

ويذكر النبي ﷺ فضائل بعض أصحابه فيقول: أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في دين الله عمر وأصدقهم حياء عثمان وأقضاهم علي بن أبي طالب، وأقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأفرضهم زيد بن ثابت، ألا وإن لكل أمة أمينًا وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بنالجراح» (ابن ماجه).

سنة واجبة

وقد دعا النبي أمته لاتباع سنته وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده فقال: «.... فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ» (ابن ماجه).

وقيل : هم الأربعة رضي الله عنهم، فهم في الحقيقة متبعون لا مبتدعون، فقد شهدواتنزل الوحي، وأوتوا من الإيمان، وأخذوا من العلم مشافهة، وتلقوا عن النبي ﷺ ما يؤهلهم للاجتهاد فيما استجد في زمنهم من أمور، ويجعلهم أهلاً لأن يتبعوا أخرج أبو نعيم عن عبدالله بن مسعود قوله: «من كان مستنا فليستن بمن قد مات، أولئك أصحاب محمد ﷺ كانوا خير هذه الأمة، أبرها قلوبا وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ ونقل دينه فتشبهوا بأخلاقهم وطرائقهم، فهم أصحاب محمد كانوا على الهدى المستقيم والله رب الكعبة»..

أبو بكر أفضل الصحابة والخلفاء

ومع تلك الخيرية العامة كان بعض الصحابة أفضل من بعض، وهم جميعًا في النهاية نجوم هداية وسبيل اقتداء وسنة متبعة.

فكان أبو بكر الصديق مرة أفضلهم على الإطلاق، فهو أحب الناس إلى رسول الله ﷺ حيث قال: «أحب الناس إلي عائشة، ومن الرجال أبوها» (متفق عليه)، وقال: «أبو بكر خير الناس؛ إلا أن يكون نبي» (الطبراني في - الكبير).

وهو أول من أمن من الرجال، وهو الصديق ثاني اثنين في الغار، وصاحب رسول الله ﷺ - ارتضاه لدين الناس فأمره بالصلاة بهم وهو - بين أظهرهم لم يمت بعد، وهو الذي لم يأل - جهدًا ولم يحبس مالا أو يصرف وقتا أو يلفظ قولاً إلا وقد جعله وقفًا في سبيل الله نصرة للنبي ، وقد شهد الصحابة بخيرية أبي بكر ، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «كنانخير بين الناس في زمن النبي ﷺ فنخير أبا بكر ثم عمر بن الخطاب ثم عثمان ابن عفان رضي الله عنهم» (البخاري). وشهد علي بن أبي طالب بخيرية أبي بكر، فعن محمد ابن الحنفية (ابن علي) قال: «قلت لأبي: أي الناس خير بعد رسول الله ؟ قال : أبو بكر. قلت: ثم من؟ قال: ثم عمر، وخشيت أن يقول: عثمان، قلت: ثم أنت؟ قال: ما أنا إلا رجل من المسلمين» (البخاري).

ليلة من أبي بكر ويوم.. خير من عُمْر عُمَر

وأخرج البيهقي عن ضبة بن محصن العنزي عن عمر بن الخطاب ر في قصة ذكرها، قال: فقال عمر : والله لليلة من أبي بكر ويوم خير من عُمر عمر، هل لك أن أحدثك بليلته ويومه؟ قال: قلت: نعم يا أمير المؤمنين، قال: أما ليلته فلما خرج رسول الله ﷺ مهاجرًا من مكة فتبعه أبو بكر فجعل يمشي مرة أمامه ومرة خلفه ومرة عن يمينه ومرة عن يساره، فقال له رسول الله ﷺ: «ما هذا يا أبا بكر ما أعرف هذا من فعلك؟». قال: يا رسول الله أذكر الرصد فأكون أمامك وأذكر الطلب فأكون خلفك، ومرة عن يمينك ومرة عن يسارك لا أمن عليك، قال: فمشى رسول الله ﷺ ليلته على أطراف أصابعه حتى حفيت رجلاه، فلما رأها أبو بكر قد حفيت حمله على كاهله، وجعل يشتد به حتى أتى به فم الغار فأنزله، ثم قال: والذي بعثك بالحق لا تدخله حتى أدخله، فإن كان فيه شيء نزل بي قبلك، فدخل فلم ير شيئًا فحمله فأدخله، وكان في الغار خرق فيه حيات وأفاعي، فخشي أبو بكر أن ينزل منهن شيء يؤذي رسول الله ، فالقمه قدمه فجعلن يضربنه ويلسعنه - الحيات والأفاعي وجعلت دموعه تتحدر ورسول الله ﷺ يقول له : «لا تحزن إن الله معنا»، فأنزل الله سكينته الاطمئنانية لأبي بكر، فهذه ليلته.

وأما يومه، فلما توفي رسول ﷺ وارتدت العرب فقال بعضهم: نصلي ولا نزكي، وقال بعضهم: لا نصلي ولا نزكي، فأتيته ولا آلوه نصحًا، فقلت: يا خليفة رسول الله تألف الناس وارفق بهم، فقال: جبار في الجاهلية خوار في الإسلام، فبماذا أتألفهم؟ مفترى؟ قبض النبي ﷺ منعوني عقالا مما كانوا يعطون رسول الله ﷺ  لقاتلتهم عليه، قال: فقاتلنا معه فكان والله رشيد الأمر من أبشعر مفتعل أم بشعر ب وارتفع الوحي، فوالله لو فهذا يومه.

فضل عمر وبقية الخلفاء

وفضل عمر لا ينكره مؤمن، فكثيرًا ما كان النبي يثني بذكر عمر بعد ذكر أبي بكر، فيقول: خيرأمتي بعدي أبو بكر وعمره ابن عساکر» (صححهالسيوطي). ويقول: 

«اقتدوا باللذين من بعدى أبي بكر وعمر»(أحمد، صححه السيوطي). ويقول: «أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين إلا النبيين والمرسلين» (أحمد). ويقول: «إن أهل الدرجات العلى ليراهم من تحتهم كما ترون النجم الطالع في افق السماء، وإن أبا بكر وعمر منهم وانعماء» (الترمذي)..

وروى البخاري عن ابن عمر كنا تخير بين الناس في زمان رسول الله ﷺ فتخير ابا بكر ثم عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان وأخرج أحمد عن ابن عمر قال: «كنا نقول في زمن رسول الله و رسول الله خير  الناس ثم أبو بكر ثم عمر، ولقد أعطى بن أبي طالب ثلاث خصال لأن يكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم زوجه رسول الله ابنته وولدت له وسد الأبواب إلا بابه في المسجد، وأعطاه الراية يوم خيبر».

واجبنا نحوهم

أخرج أبو داود الطيالسي عن عبد الله علية قال: «إن الله عز وجل نظر في قلوب العباد فاختار محمدا فبعثه برسالاته وانتخبه بعلمه، ثم نظر في قلوب الناس بعده فاختار له أصحابه، فجعلهم أنصار دينه ووزراء نبيه ﷺ» والمعروف عن طريقة أهل الحديث أن كل مسلم رأى رسول الله ﷺ فهو من أصحابه كما قال البخاري في صحيحه: «من صحب النبي أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه».

وحب الصحابة واجب على كل مسلم، فهم الذين اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه ونشر رسالته وقد رضي عنهم وأرضاهم، قال تعالى: ﴿والسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصار والَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظيم(100)﴾ (التوبة: الآية 100)، فأوجب الله بذلك علينا حبهم جميعًا والترضي عليهم الرضاه عز وجل عنهم.

إياكم والغلوّ...

وقد نهانا النبي ﷺ عن الغلو بصفة عامة، فلا غلو في الدين ولا تقطع، فرسول الله ﷺ يقول: «هلك المتنطعونَ» قَالَهَا ثلاثًا (مسلم). وهم المتعمقون المغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم، والغلو هو : التجاوز في الحد وقد نهى النبي ﷺ عن الغلو في إطرائه فقال: «ولا تطروني، كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبده، فقولوا عبد الله ورسوله» (البخاري).

والإطراء هو: الإفراط في المديح و مجاوزة الحد فيه. وقيل: هو المديح بالباطل والكذب فيه، فليس لنا تجاوز الحد في حب الصحابة والإطراء عليهم ورفعهم درجة فوق درجتهم التي بينها لنا النبي ﷺ و كان ترفعهم إلى درجة الأنبياء والنبوة، كما علينا الا نتعصب لبعضهم فتنتسب لهذا ونترك ذاك أو نسب أحدهم من أجل الآخر، وإن كان عدم الغلو فيهم واجبًا، فمن باب أولى عدم سبهم أو لعنهم أولى، فمهما فعلنا نحن من خير فلن تطاولهم في عليائهم، فكلهم أصحاب رسول الله ﷺ.

الرابط المختصر :