; قراءة جديدة لواقع الحركات الإسلامية في آسيا الوسطى (1 من 6)- مقدمات النشأة.. وعوامل الصعود | مجلة المجتمع

العنوان قراءة جديدة لواقع الحركات الإسلامية في آسيا الوسطى (1 من 6)- مقدمات النشأة.. وعوامل الصعود

الكاتب عاطف عبدالحميد

تاريخ النشر السبت 31-ديسمبر-2005

مشاهدات 67

نشر في العدد 1683

نشر في الصفحة 36

السبت 31-ديسمبر-2005

للحركات الإسلامية جذور بعيدة في تاريخ الاستعمار القيصري للمنطقة إلا أن تطورها الحديث بدأ مع التاريخ السوفييتي للمنطقة

ستالين اتخذ سياسة النفي والإبعاد عملًا بمبدأ إعادة التوزيع السكاني لخلخلة التجمع الإسلامي

الجهود الضخمة التي بذلتها العلمانية الشيوعية لـ «سفيتة» الشعوب الإسلامية لم تفلح في القضاء على جذوة الارتباط بالإسلام الضارب بجذوره في المنطقة

ميراث العلمانية السوفييتية.. سقوط الشيوعية.. الاستبداد السياسي والتغلغل الأمريكي من أهم الظروف التي أدت لصعود الحركات الإسلامية

لم تكن منطقة آسيا الوسطى قريبة من عالمنا العربي بقدر ما هي اليوم، ورغم معاناتها من الانعزال الجغرافي والحضاري عن التواصل مع بقية العالم الإسلامي بحكم القبضة التي أطبقت عليها جراء السيطرة الروسية القيصرية ثم السوفييتية، إلا أنها تعود اليوم إلى خريطة السياسة الدولية محتلة لمقعد مهم في تطور الأحداث.

ولأن دول آسيا الوسطى الخمس قد حصلت على استقلالها فجأة ودون مقدمات فإنها قد عانت من اضطرابات عديدة نتيجة المشاحنات التي نشبت على أراضيها بذرائع عرقية وقومية ودينية وحدودية، ولم تكن هذه الدول مستعدة بأي مستوى من التدابير أو المعالجة، وبينما بقي الإسلام في العهد الشيوعي حالة ثقافية عزل فيها عن لعب أي دور سياسي، فإن السنوات التي تلت الاستقلال قد شهدت ظهور عديد من الحركات والقوى التي تهدف إلى إقامة حكم إسلامي.

وتتشابه هذه الحركات –والتي تعرف في الإعلام ومراكز الأبحاث الغربية باسم حركات الإسلام السياسي-، مع نظيرتها في عديد من مناطق العالم الإسلامي، وخاصة في منطقة الشرق الأوسط وجنوب آسيا، وجنوبها الشرقي، وهناك كثير من العلائق التي تربط هذه الظاهرة بنظيرتها في منطقة الشرق الأوسط بناء على اشتراك المبادئ وتشابه الشعارات وتماثل ظروف البناء السياسي الداخلي. 

وهو ما يحتاج إلى دراسة ظروف نشأتها التاريخية، والقادة الذين أثروا في صياغتها، والمبادئ الفكرية التي تستند إليها. والوسائل التي تتخذها لنشر ما لديها من مفاهيم، وكذلك الصدامات التي وقعت بينها وبين القوى المركزية المحلية.

ويتبع ذلك من ظهور معالجات بديلة لهذه الحركات تعرف بحركات اللاعنف التي تسميها مراكز الأبحاث الإقليمية والدولية بالإسلام الثقافي غير المنشغل بالمشروعات السياسية. هذا وتتألف آسيا الوسطى من خمس وحدات سياسية تشمل كازاخستان وأوزبكستان وتركمنستان وقرغيزيا وطاجيكستان.

الأهمية الجغرافية: تبلغ إجمالي مساحة المنطقة أربعة ملايين كم٢ وإن كانت تتباين بين طاجيكستان بمساحة ٠.١٤ مليون كم وكازاخستان بمساحة ٢,٧ مليون كم. 

ويعيش في المنطقة ٦٠ مليون نسمة يتفاوت عددهم بين ٥ ملايين نسمة في تركمنستان و٢٧ مليون نسمة في أوزبكستان. ويبلغ متوسط نسبة المسلمين لإجمالي السكان في هذه الدول نحو ۷۸%، وأكبر هذه النسب في طاجيكستان «۹۰%» وأقلها في كازاخستان «٤٧%». 

وتضم دول المنطقة خليطًا مختلفًا من الأعراق، وتبلغ أعلى نسبة للقومية الرئيسة في تركمنستان «٨٥% من التركمان» وأقلها في قرغيزيا وكازاخستان حيث لا تزيد نسبة القومية المسماة الدولة بها على ٦٤%.

وقد اختلفت الأسماء التي أطلقت على هذه المنطقة عبر العصور، فقد عرفت في التاريخ الوسيط وفي عصور الحضارة الإسلامية باسم بلاد ما وراء النهر «نهر جيحون المعروف اليوم باسم أموداريا وعرفت في القرون التالية باسم التركستان بشطريها تركستان الشرقية «إقليم» سينكيانج اليوم في غرب الصين وتركستان الغربية والذي يشمل قرغيزيا وطاجيكستان وأوزبكستان وترکمنستان دون أن يشتمل مسمى التركستان على كازاخستان، وحينما ضم السوفييت المنطقة قاموا بتوحيد إمارات التركستان الغربية في جمهورية عرفت باسم التركستان السوفييتية، وأخرجت من هذا المسمى كازاخستان وهناك جملة من الملابسات والظروف أدت إلى صعود الحركات الإسلامية في آسيا الوسطى أهمها ميراث العلمانية السوفييتية والاضطراب الذي شهدته المنطقة عند سقوط الشيوعية والاستبداد السياسي، والتغلغل العسكري الأمريكي، وتأخر المستويات الاقتصادية والاضطرابات العرقية. 

ورغم أن جذورًا بعيدة للحركات الإسلامية يمكن أن نجدها في تاريخ الاستعمار القيصري للمنطقة. إلا أن التطور الحديث للظاهرة قد بدأ مع التاريخ السوفييتي للمنطقة.

قيود على الإسلام

فمع نشوب ثورة ۱۹۱۷ واضطراب الأحوال السياسية في آسيا الوسطى وغيرها من المناطق التي كانت خاضعة للسيطرة القيصرية تنافست قوى سياسية مختلفة على السيادة كما سعى البلاشفة إلى استمالة سكان المنطقة بإغراءات ووعود للمهادنة «١». 

وحينما استتب الأمر للشيوعيين وأخمدوا ثورة البسماتشي تعرض الإسلام لقيود متعددة.

ولقد بدأت ثورة البسماتشي في عام ١٩١٦ خلال الحرب العالمية الأولى، وقد صنفتها المصادر الروسية باعتبارها حركة للإسلاميين التقليديين جنبًا إلى جنب مع السفاحين والغوغاء وقد أطلق على هؤلاء مسمى العصابيين المهاجمين تعمدًا لازدراء الحركة وتشويه سمعتها، رغم أن كثيرًا ممن شاركوا فيها كانوا من الفلاحين والرعاة الذين انتفضوا ضد الاستعمار الروسي في المنطقة والزحف الشيوعي عليها. وقد شملت الثورة كثيرًا من أرجاء التركستان تحت قيادة الزعيم التركي الأصل أنور باشا أحد قادة حزب العدالة والترقي الذي كان يسعى إلى إقامة الاتحاد الطوراني بدعم ثورة البسماتشي «۲»

وكانت الشرارة التي أشعلت ثورة البسماتشي هي إعلان القيصر الروسي في ٢٥ يونيو ١٩١٦ التجنيد الإجباري للشباب التركستاني في الجيش الروسي خلال الحرب العالمية الأولى، وذلك بعد مسلسل من التململ والاحتقان بسبب تحويل وادي فرغانة إلى زراعة القطن لخدمة القيصرية الروسية، ومن ثم انكمشت زراعة الحبوب التي كان يعيش عليها السكان وانتشر العوز.

 ولذا فإن الثورة كانت ذات دافع للتحرر القومي ضد الاستعباد والاضطهاد خاصة وأن الذاكرة القومية والدينية لم تكن قد نسيت بعد المذبحة التي أرتكبها القياصرة عام ۱۸۸۱ بحق المقاومة التركمانية في الإقليم «۳».

وقد ارتبط زعماء الثورة في تركستان بزعماء الحركة الإسلامية المقاومة للاستعمار البريطاني في البنجاب بالهند وكذلك في أفغانستان، وهو ما جعلها حركة ذات ارتباطات إقليمية وإن اختلفت القوى الاستعمارية التي کافحت ضدها «٤». 

وبالتالي فمن الصعب فصل لونها الإسلامي عن مرجعيتها القومية. غير أن تحولًا مفاجئًا في قوة البسماتشي وقع حينما انزلق قادتها إلى اشتباكات بينية سرعان ما أضعفت قوتها، وهو ما يسر للسوفييت قمعها في عام ١٩٢٦م من خلال عمليات قاسية أجبرت عشرات الآلاف لهجرة وطنهم إلى خارج الإقليم، فوصل الفارون إلى مناطق نائية في غربي الصين. 

كما استسلم البعض تحت وعود شيوعية بإصلاح السياسة المتبعة تجاه احتكار ملكية الأرض الزراعية والاضطهاد الديني ليبدأ التاريخ السوفييتي للإقليم «٥».

وخلال المرحلة السوفييتية تعرضت مفاهيم التوحيد الإسلامية للتشويه عبر عمليات متتابعة من غسيل الأدمغة. 

ونجحت القبضة الحديدية في وأد أي محاولات لإنعاش الإسلام في المناطق التي خضعت لروسيا في آسيا الوسطى، مما أدى إلى خلو الأدبيات الأيديولوجية والسياسية الإسلامية في العهد السوفييتي من أي إشارة إلى الإسلام السياسي، فمثل هذه المفاهيم لم تخرج للنور إلا في منتصف الثمانينيات «٦».

وتنقل أغلب الدراسات التي تناولت السياسة السوفييتية تجاه الإسلام ممارسات قاسية شملت الاستمالة والوعود التي سرعان ما تبين زيفها مع سياسة منظمة لسفينة الشعوب الإسلامية بتقسيم المجتمعات الإسلامية إلى وحدات إدارية انفصالية وإحلال الأبجدية اللاتينية ثم السيريلية محل العربية «۷». إضافة إلى ذلك كان النفي والإبعاد، خاصة في عهد ستالين، عملًا بمبدأ إعادة التوزيع السكاني لخلخلة التجمع الإسلامي بسحب عشرات الآلاف من سكان الإقليم وتوزيعهم على مناطق أخرى كالأقاليم الشرقية لتعمير سيبيريا وفي ذات الوقت زرع سكان من أصول سلافية في الإقليم وفي المدن الكبرى والعواصم ومنح السلافيون الوظائف الإدارية الحيوية على حساب سكان المنطقة. ولقد عانت جمهورية مثل قرغيزيا من مثل هذه الأوضاع حتى بعد استقلالها «۸».

الخلل الديموجرافي

كما لعب هذا الخلل الديموجرافي المتعمد دورًا مهمًا بعد الاستقلال، إذ ربط البعض «۹» بين هجرة السلافيين مع توتر الأوضاع السياسية في أعقاب تفكك الاتحاد السوفييتي بتفريغ المدن من نسبة معتبرة من سكانها وإحلال الشباب القادم من الريف محملًا بالأفكار الدينية التي كانت بعيدة نسبيًا عن أعين السلطة المركزية. 

هذا فضلًا عما تركته الحروب الأهلية بعيد الاستقلال من أثر على الاختلال الديموجرافي والتوتر في دول الإقليم «١٠».

ولعل مثل هذه النتائج تؤكد لنا أن الجهود الضخمة التي بذلتها العلمانية الشيوعية ومحاولات سفينة الشعوب الإسلامية في آسيا الوسطى لم تفلح في القضاء نهائيًا على جذوة الارتباط بهذا الدين الضارب بجذوره القرون طويلة في المنطقة، وربما يرجع ذلك إلى:

مستوى الأمية وتدني حالة التعليم بين سكان المنطقة. وهو ما ساعد في أن تبقى كثيرًا من المفاهيم الماركسية وما لحق بها من تعديلات إضافية، فيما عرف بالماركسية اللينينية بعيدة عن عقول سكان المنطقة. وفي المقابل كانت الأفكار البسيطة التي تطرحها الرؤية الدينية قريبة من القناعة والقبول.

إن الصورة التي جرى بها التعامل مع الإسلام بين سكان المنطقة من قبل مستعمر سابق في العهد القيصري ومستعمر تال في العهد السوفييتي وما له من تاريخ قاس في قمع الثورات والاعتراض، قد جعل الارتباط بالأفكار الدينية تحتفظ لنفسها بحق الدفاع كجزء مميز للهوية القومية والثقافية في مقابل سياسات استعمارية لا توجد لها أسس من الثقة أو التعاطف مع السكان.

إن غالبية الحركات الإسلامية التي ظهرت بعد الاستقلال قد جاءت من منطقة وادي فرغانة الذي يعد نموذجًا حقيقيًا لمجتمع زراعي «سخر لزراعة القطن» وهو مجتمع يتسم في ذات الوقت بالقبلية ويعاني من تأخر التنمية الاقتصادية. 

إن ست سنوات «۱۹٨٥-۱۹۹۱» من الحرية الدينية في فترة البيروسترويكا كانت فترة مرتبكة غابت فيها السلطة المركزية ورفعت خلالها كل الشعارات الدينية والقومية، وهو ما جعل المنتمين للتيارات الدينية يستغلون الفرصة أفضل استغلال في وقت كانت قد فشلت فيه الأيديولوجيات السوفييتية العلمانية.

 لم يكن هناك منافس للأيديولوجية الدينية سوى الأيديولوجيا القومية، ولم تحقق القومية نجاحًا يذكر بسبب تنوع الخريطة العرقية وتشابكها في المنطقة في وقت كانت فيه الشعارات والمشروعات الإسلامية السياسية في المنطقة ترفع نداء أن الإسلام دين فوق القوميات، وبالتالي كانت أكثر قدرة على الوصول إلى قطاعات أكبر من السكان.

إذا أخذنا هذه الملابسات في الاعتبار يمكننا فهم كيف نشأت الحركات الإسلامية في المنطقة، وهو ما نتناوله في معالجة مستقلة.

المراجع:

«۱» من أشهر تلك المحاولات نداء لينين الشهير لهم ولمسلمي روسيا بالانضمام إلى الثورة حينما قال في ٧ ديسمبر ۱۹۱۷، أيها المسلمون في روسيا.. أيها التتر على شواطئ الفولغا وفي القرم.. أيها القرغيز والسارتيون في سيبيريا والتركستان أيها التتر والأتراك في القوقاز.. أيها الشيشان... أيها الجبليون في أنحاء القوقاز. أنتم يا من انتهكت حرمات مساجدكم وقبوركم واعتدى على عقائدكم وعاداتكم وداس القياصرة الطغاة الروس على مقدساتكم ستكون حرية عقائدكم وثقافاتكم مكفولة منذ اليوم، لا يطغى عليها طاغ ولا يعتد عليها معتد.. هبوا إذن فابنوا حياتكم القومية كيف شئتم فحقوقكم تحميها الثورة بكل ما أوتيت من عزم وقوة «عن عبد الرحمن النقيب «۱۹۹۹» أثر الثقافة السوفييتية على الأقلية المسلمة بالاتحاد السوفييتي – دراسة حالة في أعمال الندوة العالمية للشباب الإسلامي الأقليات المسلمة في العالم ظروفها المعاصرة الأمها وآمالها دار الندوة العالمية للطباعة والنشر الرياض.

«۲» انظر الفصل الخامس من كتاب كريفيشييف «۲۰۰۱» روسيا والاتحاد السوفييتي في حروب القرن العشرين الخسائر العسكرية تحليل إحصائي. دار أولما بريس « باللغة الروسية وتوجد نسخة كاملة من الكتاب على الموقع التالي على شبكة الإنترنت:

 www.soldat.ru/doc/casualties/book

«3» Paksoy.H «1991» Basmachi: Tur- kistan national liberation move- ment. 1916-1930s. published in the "Modern Encyclopedia of religons in Russia and The Soviet Union.

 «4»Paksoy.H «1995» Basmachi move- ment from within: account of Zeki Velidi Togan. Published in "Na- tionalalities Papers" Vol. 23, No 2. June 1995.

«5» U.S. Library of Congress «2003» The Basmachi. Electronic edition «http://countrystudies.us»

«٦» راجع المزيد من التفاصيل جونسن لينا وايسينوف مراد «۱۹۹۹» مكانة الإسلام السياسي في النزاعات الأوراسية دورية آسيا الوسطى والقوقاز العدد الرابع السنة ۱۹۹۹ «الإصدار الإليكتروني باللغة الروسية»

«۷» سليم محمد السيد «۱۹۸۲» الإحياء الإسلامي دراسة في حالة المسلمين السوفيت. مجلة العلوم الاجتماعية الكويت العدد الأول.

«۸» راجع في ذلك الأوضاع الديموغرافية في الدراسة التالية:

Anderson J«1999» Kyrgyzstn Central Asia's island of democracy? Harwood ac-Ademic publ. Amesterdam. 

(9) الشيشاني مراد بطل «۲۰۰۲» الحركة الإسلامية في الشيشان والصراع الشيشاني الروسي «۱۹۹۱- ۲۰۰۰». مركز القدس للدراسات السياسية عمان.

«۱۰» راجع للتفاصيل

Mukomel. V «2001» Demographic conse- quences of ethnic and regional conflicts in the CIS. Russian Review. vol.42.no 3. May-June 2001.

(*) باحث في شؤون الأقليات الإسلامية

الرابط المختصر :