العنوان محاكمة عظيم فلاسي في يوغسلافيا من سيحميكم بعد الآن أيها المسلمون؟
الكاتب د. عبدالله سليمان العتيقي
تاريخ النشر الثلاثاء 02-يناير-1990
مشاهدات 65
نشر في العدد 948
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 02-يناير-1990
·
صحافة كرواتيا تتهم صربيا بفبركة هذه الفضيحة
للتخلص من الإعانة القوية للمسلمين
· صربيا
مارست ضغوطًا مختلفة على الوحدات الفيدرالية لإقصاء عظيم فلاسي عن قيادة الحزب.
يبدو
أن يوغسلافيا دخلت في السنوات الأخيرة في عهد «المحاكمات الكبرى» التي تهز كل
واحدة الرأي العام لعدة شهور إلى أن تتضح خلفياتها السياسية لتهز الراي العام
ثانية بشكل أعنف.
وهكذا
بعد حوالي ٣٠٠ يوم من بدء محاكمة الرجل القوى في البوسنة فكرت عبديتش يتضح الآن أن
قضية «اغروكومرس» هي فضيحة فعلًا، ولكن للذين فبركوها وليس للذين سقطوا ضحية لها.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذه القضية انفجرت على شكل فضيحة تتعلق بدفع شيكات بدون
رصيد من قبل أحد أضخم المشاريع الزراعية-الصناعية في جمهورية البوسنة «اغروكومرس»،
وأدت إلى استقالة عدد من المسؤولين الكبار في هذه الجمهورية ومنهم نائب رئيس مجلس
الرئاسة في يوغسلاقيا حمدى بوزدراتس الذي كان يفترض أن يكون الرئيس اليوغسلافي
خلال 1988-1989.
فضيحة
مفبركة
وهكذا
يتضح الآن بعد عشرات الجلسات ومئات الشهود وآلاف الساعات من الاتهام والدفاع أن
هذه القضية-الفضيحة مفبركة من الأساس، ولم يبق في هذه الأيام إلا أن نعرف بالضبط
الجهة التي فبركت هذه القضية-الفضيحة ففي هذه الأيام تتبادل صحافة كرواتيا الهجوم
والدفاع (أواخر تشرين الأول وأوائل تشرين الثاني) حول هذه الفضيحة على الشكل
التالي:
صحافة
كرواتيا «فيسنيك ٢٥ تشرين الأول» تتهم صربيًا بفبركة هذه القضية- الفضيحة- للتخلص
من الزعامة القوية للمسلمين «حمدي بوزدراتس وغيره» الحسابات بعيدة المدى.
صحافة
صربيا بوليتيكا اكسبرس ۲
تشرین الثاني «۱۹۸۹» ترد هذه
التهمة وترى أن الذي فبرك هذه القضية-الفضيحة برانكو ميكوليتش رئيس الوزراء السابق
للتخلص من حمدی بوزدراتس لحسابات شخصية.
وإلى
أن يتضح مزيد من التفاصيل في الأيام القادمة لم يعد هناك من شك في فبركة هذه
القضية- الفضيحة التي هزت البوسنة ويوغسلافيا سنتين متتاليتين «۱۹۸۷-۱۹۸۸، وهي الآن (۱۹۸۹) ستهزها أكثر من السابق.
من
يقف وراء الفضيحة؟
وعلى
الرغم من هذا يبدو أن هناك قضية- فضيحة أخرى قد بدأت هذه الأيام «نهاية تشرين
الأول» في متروفيسا تتمثل في محاكمة عظيم فلاسي الزعيم السابق للحزب في إقليم
كوسوفا. وهكذا ستمر شهور وسنوات أخرى قبل أن نكتشف شكليًا الجهة التي تقف وراء
فبركة هذه القضية-الفضيحة الأخرى.
هل
من علاقة بين المحاكمتين؟
بعض
المطلعين على خفايا الأمور يرون صلة وثيقة بين محاكمة البوسنة ومحاكمة كوسافا.
فبعد
وفاة تيتو «۱۹۸۰» تبلور بشكل
تدريجي الاتجاه الصربي المتشدد الذي يعتبر أن المسلمين في عهد تيتو الأخير «١٩٦٦-۱۹۸۰» أخذوا من الحقوق أكثر مما يستحقون على حساب
الصربيين وأن المساواة الجديدة بين الوحدات الفيدرالية حسب دستور ١٩٧٤ تلحق الضرر
بصربيا والشعب الصربي. وبعد أن تكرس هذا الاتجاه في زعامة الحزب أيضًا أخذت صربيا
في تطبيق مخططها التوسعي في اتجاه الوحدتين الفدراليتين للمسلمين «البوسنة
وكوسوفا» التي كانت تسيطر عليهما حتى ١٩٦٦.
صربيا
وراء المؤامرة
وهكذا
يرى البعض أن صربيا هي التي افتعلت قضية-فضيحة «اغروكومرس» لتسقط الزعيم القوى
للبوسنة «حمدى بوزدراتس»، الذي كان رئيسًا للجنة الدستورية في ذلك الحين «۱۹۸۷». فقد أخذت صربيا تطالب حينئذ بتعديل الدستور
اليوغسلاقي لتستعيد سيطرتها السابقة، ولكن هذا كان من الصعب بوجود القانوني
والسياسي القوى حمدى بوزدارتس الذي كان من أقوى المدافعين عن المساواة الحقيقية.
وقد
أكدت الأحداث اللاحقة هذه التوقعات إذ إن بوزدراتس أزيح من منصبه وتمكنت صربيا
بالفعل من تعديل الدستور لتحقق ما تريد! لقد أدت إزاحة بوزدراتس بهذا الشكل إلى
نوع من الذهول والجمود في البوسنة «1987- 1988»،
وقد استغلت صربيا هذا الوضع لكي تنفرد بالوحدة الفدرالية الأخرى للمسلمين في
يوغسلافيا «كوسوفا». وكان سكان هذا الإقليم «مليونان منهم ٩٠٪ من الألبانيين
المسلمين» عندما لمسوا تصميم صربيا على السيطرة على هذا الإقليم قد خرجوا بمئات
الألوف إلى الشوارع في تشرين الثاني ۱۹۸۸
وهم يحملون صور تيتو ودستور ١٩٧٤ ويرددون اسم زعيم الحزب في الإقليم عظيم فلاسي،
الذي كان يمثل حينئذ التثبت بالحكم الذاتي للإقليم والمساواة بين الوحدات
الفيدرالية كما وردت في دستور ١٩٧٤. وقد مارست صربيا ضغوطًا مختلفة على الوحدات
الفدرالية الأخرى لإقصاء عظيم فلاسي عن قيادة الحزب لكي تفرض قيادة موالية لها
«رحمن مورينا» ولما انتشر خبر هذا التغيير المفاجئ اضرب عمال المناجم في تربشا على
عمق ٦٠٠ متر تحت سطح الأرض وتضامن معهم عشرات الألوف من العمال والفلاحين والطلاب
والمثقفين اذار «۱۹۸۹» مطالبين
باستقالة القيادة المفروضة التي لا تمانع في خضوع كوسوفا لصربيا. وقد اعتبرت قيادة
صربيا هذا الانعطاف «ثورة مضادة» ولذلك طالبت بتطبيق الأحكام العرفية واستغلت هذه
الفرصة «منع التجول ومنع التجمهر» لكي تفرض تعديلات دستورية تضمن لها استعادة
سيطرتها على كوسوفا.
ثورة
مضادة
وهكذا
كان أول ما فعلته صربيا بعد مد سيطرتها ثانية على كوسوفا بعد حوالي عشرين سنة من
المساواة «١٩٦٦-١٩٨٩» هو اعتقال عظيم فلاسي وعدة مئات من الكوادر الألبانية
المسلمة بتهمة تنظيم الثورة المضادة أي المظاهرات الجماهيرية التي طالبت باستمرار
المساواة بين الوحدات حسب دستور ١٩٧٤ وهكذا أصبحت هذه المظاهرات التي شاركت فيها
مئات الألوف بصور تيتو ودستور ١٩٧٤ تعتبر الآن ثورة مضادة لأنها تريد التشبث
بالمساواة بين الشعوب في يوغسلافيا.
وعلى
الرغم من أن الصحافة اليوغسلافية في الوحدات الفدرالية الأخرى «كرواتيا سلوفينيا»
انتقدت في ذلك الحين هذه الخطوة واعتبرت اعتقال عظيم فلاسي وتقديمه للمحاكمة سابقة
خطيرة جدًا إلا أن زعيم صربيا سلوبودان میلوشيفيتش يريد في الواقع من هذه المحاكمة
تأديب الزعامة الألبانية بالذات بعد أن «أدب» خلال الشهور السنة الماضية «آذار-تشرين
الأول۱۹۸۹» عشرات الألوف من الألبانيين المسلمين
بالإجراءات القمعية العنيفة «أحكام مختلفة بالسجن اعتقالات لمدد مختلفة لا تتفق مع
القانون فصل من العمل، طرد من الجامعة، منع الصحفيين والمثقفين من الكتابة والنشر...
إلخ.
وفي
الحقيقة أن ميلوشيفيتش لا يفعل شيئًا مفاجئًا إذ أن يوغسلافيا كانت قد شهدت في
أواخر ۱۹۸۸ واوائل ۱۹۸۹ مظاهرات صاحبة لاتباعه وأنصاره، الذين يريدون
منه أن يخلق يوغسلافيا قديمة-جديدة تعترف الصربيا بدور رئيسي، حيث ردد هؤلاء
بانفعال الشعار-التهديد الجديد:
Gde ste Muslimani, nema vise litada
vas brani!
الذي
قد لا يصدق إذا ترجم إلى العربية: أين ستذهبون بأنفسكم أيها المسلمون؟ فلم يعد
هناك تيتو ليحميكم بعد الآن.