; أوروبا الشرقية.. الكل يريد الديمقراطية | مجلة المجتمع

العنوان أوروبا الشرقية.. الكل يريد الديمقراطية

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 26-ديسمبر-1989

مشاهدات 59

نشر في العدد 947

نشر في الصفحة 6

الثلاثاء 26-ديسمبر-1989

لم يكن الزلزال السياسي الذي تشهده دول أوروبا الشرقية ناتجًا عن قرار لحاكم أو إمبراطور من أباطرة حلف وارسو، ولم يكن ذلك الزلزال الذي أسقط عددًا من الحكومات الديكتاتورية منعكسًا عن نظرية غورباتشوف في «البروستيرويكا» بقدر ما يمكن اعتبار بروز تلك النظرية تابعًا لسببية أخرى محورها فشل الديكتاتورية السياسية، وسقوط النظرية الماركسية، وفشل حكم المجموعة الواحدة المتمثلة بحزب سياسي ديكتاتوري في تطوير حياة الشعوب، ومن الواضح أن حنين شعوب أوروبا الشرقية المتعطش إلى حكم ديمقراطي تتمثل فيه الفئات الشعبية المختلفة جعل عواصم حلف وارسو.. بل معظم مدنها وأريافها تشهد هبة ساخنة من رياح التغيير العاجل باتجاه الديمقراطية بعد أن بدأت تلك التغييرات في موسكو بؤرة الديكتاتورية الشيوعية.

على أن مجمل التغييرات الحاصلة، والتي مازالت تتماوج لإسقاط كافة أشكال الديكتاتوريات المتعنتة کشفت عن عدد من الحقائق العقدية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية وغير ذلك، مما ترتب وجوده السلبي السيئ في دول أوروبا الشرقية بسبب الحكم الديكتاتوري للمجموعة الشيوعية التي كانت وعلى مدى عدة عقود تتحكم بعقائد الشعوب وموارد البلاد وثقافاتها بل وفي التركيبة الاجتماعية للمواطنين، مما أحدث خللًا في الموازنة الاجتماعية وشرخًا في كل ما يخص المجتمع من عادات وتقاليد حتى شمل ذلك معتقدات الناس أيضًا، وإذا استعرضنا في هذه العجالة بعض صفحات الزلزال السياسي الهائل الذي تشهده مجموعة المعسكر الشرقي لبرز أمامنا عدد من الأوزار التي ارتكبت في غياب الرقابة الديمقراطية التي من شأنها العمل على تصحيح كل خلل وانحراف في الدولة.

- ففي الاتحاد السوفيتي اعترف غورباتشوف في عدد من تصريحاته بأن حكم المجموعة الواحدة في غياب المشاركة الشعبية لا يمكن أن ينقل البلاد واقتصادها إلى ما يدفع بها نحو التطور الهائل الذي تشهده شعوب العالم، ولذلك فإن غورباتشوف يميل بوضوح إلى ضرورة إيصال تحكم الفئة الواحدة بالبلاد، والتي جعلت الحزب الشيوعي يحكم كافة البلاد من خلال رأي واحد، وسياسة واحدة، واتجاه واحد.

- وفي ألمانيا الشرقية كان أبرز ما كشفه زلزال التغيير احتكار السُلطة المتفردة للمال العام، ولعل فضيحة الرئيس الألماني الشرقي «هونيكر» كانت حقيقة شاخصة على إدانة حكم المجموعة الشيوعية وتفردها بالسُلطة مع غياب الديمقراطية، وانتهازيتها الصارخة في الوصاية على أموال الشعب ثم الاستيلاء عليه بطرق شتى وتحت أسماء مختلفة!

- وفي بولندا أثبت التغيير أن المجموعة الحاكمية باسم الحزب الشيوعي لم تكن تمثل أماني الشعب، بل إن الفئوية الشيوعية لم تستطع تمثيل أحد حتى فئة العمال التي طالما تغنى الشيوعيون بالتعبير عن طموحاتها وأمانيها وتطلعاتها، وكانت النتيجة أن أعطى شعب بولندا صوته لـ «ليخ فاليسا» وهو الرمز الشعبي المتمرد على الحكم الديكتاتوري للحزب الشيوعي الذي كان سائدًا قبل شهور في بولندا.

- وفي بلغاريا أطاحت المظاهرات الشعبية التي انطلقت للمطالبة بالحرية السياسية بقمة الهرم السياسي المتمثل برئيس الجمهورية «جيفكوف» ومازالت بلغاريا تعبر المخاض لتصل بشعبها إلى شاطئ الأمان وتتطلع الأقلية الإسلامية في هذا البلد إلى نسمات الحرية عبر الديمقراطية المرتقبة لتريح نفسها من ذل الحكم الفردي للشيوعية، والذي طال الشخصية الإسلامية لأفراد الأقلية المسلمة بحيث أصر على تغيير صفة الإنسان وعقيدته واسمه.. بل وملابسه أيضًا!

- وفي رومانيا.. خرج الشعب في المدن الرومانية ليواجه ديكتاتورية الدبابات والأسلحة الثقيلة بالصدور، ليدفع الثمن الباهظ للحرية السياسية التي كان الحاكم الشيوعي شاوشيسكو يصادرها وهو يستمتع في السباحة عكس التيار الذي تجاوزه مؤخرًا ليغرق في بِرك الدماء التي فجرها.. ولينسحب كرسي الديكتاتور من تحته يوم الجمعة الماضي، ولعل هناك في أحداث رومانيا مفارقة لا بد من الإشارة إليها وهي أن هزيمة الديكتاتورية على يد الشعوب لا تؤدي إلى سفك الدماء وقتل الأبرياء واضطهادهم كما حصل في بولندا وألمانيا الشرقية مثلًا، بينما تؤدي مواقف الحكم الديكتاتوري المتصلبة إلى قتل الآلاف، وذلك كما حدث في رومانيا حيث سارت الدبابات على الجثث في الشوارع محطمة كل حقوق الإنسان لحساب الحكم الديكتاتوري الشيوعي، ومع ذلك فقد انتصرت رغبة الشعب إلى ممارسة الحرية السياسية لينهزم أمام رياح الحرية أشد أباطرة أوروبا الشرقية عنفًا.

نعم.. إن الأمثلة والعِبر كثيرة.. وإن الزلازل التي تحدث في أوروبا الشرقية ليست إلا تعبيرًا عن الظمأ الشعبي إلى الحرية السياسية والمشاركة في صناعة القرار السياسي، أما النتيجة فهي حتمًا سقوط الشيوعية کمبدأ.. وكمنصب اقتصادي.. وكأيديولوجية سياسية وإلى الأبد إن شاء الله، وإذا كنا نريد لكافة شعوب أوروبا الشرقية وشعوب العالم كله بما فيها شعبنا العربي المزيد من الرفاه والحرية والمشاركة، فإننا لا نعتقد أن النظام الرأسمالي وديكتاتورية رأس المال بأفضل من الديكتاتورية الفئوية للشيوعية، فشرور النظام الرأسمالي الغربي لا تخفى، ولعل معاناة الدول الغربية في أوروبا وفي قارة أمريكا وغيرهما غنية عن البيان في هذا المقام.. وإذا كانت الحرية السياسية المطلوبة الآن لشعوب أوروبا الشرقية هي مرحلة أولى تأتي بعد سقوط الشيوعية العالمية على أنها نظام فئوي ديكتاتوري، فإن المأمول أن تكون الحريات السياسية التي تمارسها الآن بعض شعوب أوروبا الشرقية مدخلًا لعدالة إنسانية، وتلك العدالة المُثلى لن يجدها على وجه الأرض أحد غير العرب والمسلمين.. لأنها عدالة السماء في الحكم وفي نظام الرأي المتعدد الذي تتطلع إليه أيضًا شعوب المنطقة وهي تراقب الزلزال الذي يحصل الآن في أوروبا الشرقية من أجل ترسيخ مفهوم الحريات السياسية في مواجهة الديكتاتورية الفئوية المتمثلة بالأحزاب الشيوعية..

الرابط المختصر :