; في ذكرى الهجرة | مجلة المجتمع

العنوان في ذكرى الهجرة

الكاتب أبو أيمن

تاريخ النشر الثلاثاء 20-يناير-1976

مشاهدات 67

نشر في العدد 283

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 20-يناير-1976

قال: لي أحد: -ألا تكتب موضوعا بمناسبة الهجرة.؟

قلت: وأي هجرة تعنى؟ أهي هجرة اليهود إلى فلسطين- معززين مكرمين- من بلاد الغرب الذي اتخذه المسلمون صديقًا مخلصًا، ووليًا وفيًا يستقبلون رجالاته بالعناق الحار والقبلات، ويعقدون معهم الاتفاقات ويبادلونهم المشورات، ويستمدون منهم التوجيهات والخبرات. 

أم هجرة المسلمين العرب من بلادهم فلسطين أذلاء منبوذين لا يلوون على شيء يتيهون في الأرض حيارى لا يجدون ملجأ إلا الخيام، ولا قوتا إلا ما تجود به عليهم وكالة غوث اللاجئين. 

أم هي هجرة الصليبية السوداء من بلاد الغرب عضدا للمارونية الحاقدة وسندا للاعتداء الإجرامي الأثيم على المسلمين النائمين الآمنين في لبنان. وفي الحبشة، وفي الفلبين وزنجبار وجنوب السودان وغيرها من بلاد المسلمين؟ 

أم هجرة المسلمين من بلادهم تلك بعدما أسفرت النصرانية عن وجهها المشؤوم وصرحت الكنيسة على لسان مطرانها الخبيث وباباها بأن الحروب الصليبية قد ابتدأت من جديد لسحق الإسلام ومحو القرآن بسلاح رجال الغرب الأصدقاء أم هي هجرة أعداء الإسلام الذين يستترون بستار الخبراء إلى البلاد الإسلامية لتثبيت دعائم الاستعمار فيها من جديد؟

أم هي هجرة الطيبين المخلصين من رجالات العلم والأعمال من بلادهم المسلمة فرارا من ضغط الحكام الآثمين المبغضين لله ورسوله؟ 

أهي هجرة جيوش المبشرين النصارى إلى بلاد المسلمين في آسيا المضطربة وأفريقيا المهيضة تحطيما للإسلام وتنصير للمسلمين؟ 

أم هي هجرة القلب الواعي واللسان الداعي واليد القوية من ضغط الاشتراكية الخؤونة إلى أرض أخرى. 

قال: لا- لا هذه ولا تلك، وإنما أعني هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم

قلت: يا -سبحان الله-، أفي المسلمين اليوم ممن يذكر هذه الهجرة قال: أي والله، بل المسلمون كلهم، قلت: وماذا يقولون عنها؟

قال: إنها هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام لبلدهم مكة العاتية يومئذ، وتركهم الأهل والمال فرارًا إلى الله بدينهم، ولجؤا إلى البلد الطيب يثرب.

 قلت: وماذا فعلوا هناك؟

قال: ألفوا القلوب، ووحدوا الكلمة ثم شدوا عزائمهم وأعدوا قوتهم مخلصين لله في قرآنه، ومطيعين للرسول في سنته، فأعزهم الله بعد ذل وقواهم بعد ضعف، وأغناهم بعد فقر، وملكهم رقاب عدوهم، ومكنهم في الأرض يتبوءون منها حيث شاؤوا.

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (النور:55)  

قلت: وهل نقلوا معهم -في هجرتهم هذه- ما عرفوه في بلدهم الأصلي من عبادة الطواغيت وفساد الضمائر وسوء الأخلاق.

قال: لا.

قلت: ولم؟ أليس هذه مظاهر الحضارة والتمدن، وعنوان الرقي والتقدم، وحرية الشهوات.

قال: بلي- هي كذلك في نظر الجاهلية، ولكنهم بإسلامهم الصحيح- لا المزيف- ووعيهم السليم- لا المنكوس - تطهروا من هذه القاذورات، وترفعوا عن تلك الدناءات، وسموا إلى الإنسانية الحقيقية، بل رفعوا الإنسانية إلى مصافهم، وعمل فيهم الإيمان عمله فكانوا كما شهد لهم الله تعالى بقوله ﴿أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ۚ (الأنفال:4)  ولو فعلوا وجدوا أعوانا الحق ينزلونهم في القلوب والعيون، ويقاسمونهم الأموال والأزواج، ويفدونهم بالدماء، والمهج بل لما نصرهم الله على أعدائهم مع ضعفهم وقلة عددهم وعدتهم، ولما أعادهم إلى مكة فاتحين ظافرين  ووسع لهم دعوتهم في الارض حتى بلغ نداؤهم «الله أكبر» أرجاء السماء والأرض قلت: إذن ذكر إخوانك المسلمين الغافلين أن هجران الفواحش والمنكرات، وسحق المعاصي والفجور، والتخلي عن موالاة الكفار والتوبة إلى الله في السر والعلن والاقتداء بالرسول عليه الصلاة والسلام في المنشط والمكره، وتنقية العقيدة من الخرافات والأباطيل هي أسباب النصر وهذه هي الذكرى في ذكرى الهجرة، بلغ إخوانك أن العبرة بالفعل لا بالادعاء، لقد هب أهل المدينة لنصرة إخوانهم المهاجرين فهل هب المسلمون اليوم لنصرة دين الله وتخليص إخوانهم من براثن الصهيونية والصليبية؟ 

مئة ألف يهودي روسي- من أربع عشرة مدينة روسية- وجهوا نداء إلى الرأي العام العالمي للدفاع عن رجلين يهوديين اعتقلتهما الحكومة الروسية، وأودعتهما سجن بوتيسكا في موسكو لقيامهما بأعمال مخالفة للقوانين الروسية، فأين من رفع صوته من المسلمين حكومات أو شعوبا- استنكارا للاعتداءات الوحشية التي يقوم بها الكفار ضد إخوانهم المسلمين؟ 

لقد أعلن البطريرك الخريش بموافقة البابا بدء الحروب الصليبية ضد المسلمين، فهل أعلنوا هم الجهاد لا نشرًا لدين الله كما يجب عليهم بل دفاعًا عن الأعراض والأطفال على الأقل؟

وماركوس الصليبي يذبح إخوانهم المسلمين ذبح النعاج فمن الذي هدده بالثأر والانتقام؟ 

وفي الصومال المسلم عطل سفاحه الشريعة الإسلامية، وألغى اللغة العربية، وأحرق العلماء المعارضين، ومع ذلك فالمساعدات العربية تتدفق عليه.

وفي إريتريا المسلمة مذابح للمسلمين وكذا في زنجبار وغيرها من الإسلامي والمسلمون بلاد العالم العالم الأم من في البلاد العربية غارقون بالترف، لاهون بالملذات، لاهثون وراء المال مغمورون بالمنكرات، مخالفون لأوامر الله على بصيرة، مستهترون بسنة الرسول على علم موالون للكفار. 

بالأمس طوي عام هجري فطويت به صفحة من سجل حياتنا، واليوم نشر عام جديد فأين التجار الحقيقيون الذين قوموا ميزانية العام المنصرم ورصدوا الأعمال والأموال للعام الجديد أين من حاسب نفسه على إضاعة حق الله، وسلق الناس بالأذى، فذرف دمعة حرة وندم، وعزم على الاستقامة والإنابة. 

الهجرة يا صاح هجرة الفراش الوثير، والطعام الهنيء، واللذة العارمة، هي تصحيح الوضع الفاسد، وتقويم الطبع المعوج ونشل النفس الهاوية في سحيق الدناءة والحضبض. 

أصحاب الهجرة الأولى أسسوا دولة، ونشروا عقيدة، وطبقوا شريعة، ولم تهجع لهم عين حتى استعادوا حقهم واسترجعوا وطنهم وقهروا أعداءهم، فأتوهم طائعين مستسلمين، أما مسلمو اليوم فواحسرتاه عليهم، ينامون مع الخوف ويأمنون على المكر، وينغمسون في الشهوات والترف، وإخوانهم يسامون سوء العذاب اللهم علمنا معاني الهجرة، وقيض لنا سلطانًا يخزنا بالرمح إن أغفينا ويعلونا بالسيف إن تبسمنا، ويجدع أنوفنا إن سهونا ولهونا حتى نعلنها «الله أكبر حي على الجهاد» 

اللهم قد أصبحت أهواؤنا شيعًا، فامنن علينا براع أنت ترضاه راع يعيد إلى الإسلام سيرته يرعى بنيه وعين الله ترعاه 

أخوكم أبو أيمن

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

930

الثلاثاء 17-مارس-1970

ناس.. وقضايا.. وتعليقات

نشر في العدد 2147

137

الثلاثاء 01-سبتمبر-2020

الهجرة النبوية.. من دلالات المشهد