; قد أظلكم شهر كريم مبارك | مجلة المجتمع

العنوان قد أظلكم شهر كريم مبارك

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 23-فبراير-1993

مشاهدات 58

نشر في العدد 1039

نشر في الصفحة 8

الثلاثاء 23-فبراير-1993

رمضان: منهج حياة وجهاد

تجدد الإيمان وارتباطه بالقرآن

أظلنا شهر رمضان المبارك بصيامه وقيامه وجهاده والإنفاق فيه وأظلتنا فيه آيات الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البَقَرَةِ 183). ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ (البقرة 185). هكذا يتجدد الإيمان ويزيد كلما أظلنا رمضان واستقبله المسلمون بآلامهم وآمالهم. فهو شهر يعكف فيه المسلمون على كلام الله، يتخذونه بحق منهج حياة وميثاق عقيدة، لا يحيدون عنه قيد أنملة، رغم الفتن التي تفتك بهم، والمحن المتتابعة التي ينسي بعضها بعضًا.. ففيه الهدى إذا ما اختلطت الرؤى وتشابه اليقين والشك.. وهو شهر يتعالى بقرآن الله عن أن يُحبس مع العابدين في المعاكف فحسب أو أن تصار بعض آياته ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله.. أو أن توظف في غير ما يريد الله، بل هو شهر يتغلغل كلام الله فيه في كل مناحي الحياة، في المسجد، والمدرسة وفي المصنع وفي ثكنات الجنود، وفي المتجر والمزرعة، وفي الحرب والسلام هكذا أراد رب العزة أن يكون دينه ﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (البَقَرَةِ: 177) أي قول أجمع لمعاني العزة والصمود أفضل من هذا؟ وأي كلام عن معاني الطهر والإخلاص أحسن من هذا؟ فالطامح لمعنى التقوى بصومه لا يصل إليها دون امتثال مراد الله في معنى البر وهو جماع الدين كله.

الصوم جنة وفرحتان

ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه أبو هريرة رضي الله عنه «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به» والصيام جُنة فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم والذي نفس محمد بیده لَخُلُوفُ فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك للصائم فرحتان يفرحهما إذا أفطر فرح بفطره وإذا لقي ربه فرح بصومه متفق عليه.

معاناة الأمة والفرح الأكبر

صدقت رسول الله بيد أن أبناء أمتك في معظم أصقاع الأرض يتداعى عليهم الأعداء كما تتداعى الأَكَلَةُ على قصعتها.. تواصى الطغاة من البوذيين واليهود والصليبيين على انتزاع مثل هذا الفرح من قلوبهم.. فكيف يفرح المسلمون في الهند وقد دمرت مساجدهم وحبس أئمتهم؟ أم كيف يفرح الصائمون في البوسنة والهرسك وقد اغتُصبت نساؤهم وبيع أطفالهم ودمرت بيوتهم ونهبت أموالهم؟ أم كيف يفرح مسلمو طاجيكستان وقد ظنوا أن كابوس الشيوعية قد انزاح من على صدورهم فراحوا يحتضنون إسلامهم بكل شوق وفرح.. وإذا بأهل الكفر بكل راياتهم ينقضون عليهم في هجمة فاقت في بشاعتها ما جرى لإخوانهم في البوسنة والهرسك؟ فقُتل منهم من قتل وشرد مئات الآلاف، وها هم يصومون في رمضان كما صاموا في رجب وشعبان من شدة الخوف والجوع.. عذرا رسول الله فلا فرح لهؤلاء عند فطرهم ولا فرح لكل من لم يهتم بأمرهم عند فطره «ومن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم»... أما الفرح الأكبر الجامع المانع فهو لمن امتثل معاني البر ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ (البَقَرَةِ: 177). فالمنفق مجاهد من أهل البر الصابر في البأساء والضراء من أهل البر، وإذا لقي ربه فرح بصومه وجهاده فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بشعب فيه عين ماء عذب وأعجبه طيبه فقال: لو أقمت في هذا الشعب واعتزلت الناس ولا أفعل حتى أستأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال «لا تفعل فإن مقام أحدكم في سبيل الله خير من صلاة ستين عامًا خاليًا ألا تحبون أن يغفر الله لكم ويدخلكم الجنة؟ اغز في سبيل الله، من قاتل في سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة». فعزاء إخواننا من المضطهدين في بلاد الله أنهم صابرون على البأساء والضراء، وهذا جهاد وبر، فمن عاش أبدل الله ذله عزة، وضيقه فرجًا ومن استشهد فرح بلقاء ربه وفاز بمغفرته وتخلد في جنته.. فاللهم هب لنا من لدنك رشدًا ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (الممتحنة: 5).


اقرأ أيضا:


رمضان منهج في التغيير

يا باغي الخير أقبل.. ويا باغي الشر أقصر

 

الرابط المختصر :