العنوان رسالة مفتوحة إلى ولاة الأمور في العالم الإسلامي
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 30-سبتمبر-1986
مشاهدات 49
نشر في العدد 785
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 30-سبتمبر-1986
المسلم ليس حريصًا كما يزعم بعض الناس على استخدام القوة المسلحة
في سبيل الوصول إلى السلطة والصراع على الحكم، لأن الوصول إلى السلطة ليس هدفًا في
حد ذاته وأنه يمكن له حتى في أعنت الأوضاع السياسية تأدية جزء من رسالته في التوعية
والتثقيف ورفع مستوى الفهم لدى الشعب وتوسيع القاعدة المستعدة لتقبل الأحكام الإسلامية
وأمثالها، ويكون هناك حينئذ تطور طبيعي شعبي نحو الحكم الإسلامي من داخل الصف أو من
خارجه أو على الأقل محاولات متتالية لاسترضاء الشارع المسلم وتياره الجماهيري من جانب
السلطة نفسها.
فما لا يمكن تحقيقه اليوم سيحقق غدًا، وما لا يمكن تحقيقه بالعمل
الدعوي المنظم يمكن تحقيق جزء منه بالدعوة الفردية، وإن لم يكن توجيه وسائل الإعلام
وإدارة المؤسسات الوطنية بالاتجاه الإسلامي، فإنه يمكن خلق ذهنية شعبية تدفع الحاكم
في هذا الاتجاه وتقدم قادة الفكر الإسلامي للمناصب القيادية والتوجيه، ومالم توجد قابلية
الشعب لتقبل حكم الإسلام لا يمكن تطبيقه بالمراسيم والسجون والسلاح.
هذه الأوضاع غير الصحيحة، وهذا العنف الواقع على بعض المسلمين في
بعض البلدان ليس مدعاة لقلب الأوضاع وسفك الدماء طالما بقي باب الإصلاح لم يوصد.
ورغم كل هذا لا نؤمن بأن العنف هو السبيل الوحيدة لاسترداد الحقوق
لأننا نعلم يقينًا أن النصر مع الصبر، ولهذا فإننا نصبر ونصابر إلا أن نتقي منهم تقاة
«ويحذركم الله نفسه» فاتقوه يا أولي الألباب.
الإسلام أيها السادة -إن كنتم لا تفهمونه- ولا أخالكم كذلك- يتسم
بالتكافل والتوازن والاعتدال، ويمنع الخلو والتشنج والتطرف وهو يحرم السلاح إلا نشرًا
لعقيدة الإسلام ودفاعًا عن العقيدة والأهل وقول كلمة الله، ردًّا للظلم ودفعًا عن حمى
الإسلام، فعندها يكون الجهاد فرض عين على الشيخ والرجل والمرأة والصبي وما دونه من
وسائل السياسة لهو ولعب.
هؤلاء الذين جعلتموهم سكان السجون ونهب الكلاب الجائعة وفدية الصفقات
السياسية في بعض أنحاء العالم الإسلامي هم أخلص الناس لأوطانهم.
هؤلاء الذين تريدون لهم الانزواء للعبادة ودعوة الناس لـ«الإسلام
المسيحي» هم بناة الجد وأصحاب الأيادي البيضاء، وهم الذين أوصلوكم للسلطة عندما حرموا
هذه الأرض الطيبة على المستعمر الغاشم.. هم أصحاب الفضل في إيقاف وإعاقة الانحدار الرهيب
في هذا الزمن الذي صنعتموه بأيديكم ثم أسميتموه «الزمن الرديء» وهم اليوم وحدهم الذين
يحمون أرضكم وسماءكم إذا جد الجد وحمى الوطيس.. فارجعوا إلى حروبنا مع إسرائيل وانظروا
أين هي مضاجعنا وأين هي آثار الذين ركبوا عل كل ضامر ليلحقوا بالعاصمة قبل توزيع الرتب
والنياشين ويظفروا بإحدى الوزارات.
هؤلاء الذين شردتم نساءهم وأطفالهم ومنعتم الصدقة عليهم، هم الذين
أوقفوا المد الشيوعي أن يصيبكم وحذروكم- ببصيرتهم السياسية- من واقعكم الذي أنتم فيه،
وجعلوا لكم رهبة في العالم أجمع.. والعالم أيها السادة لا يخاف جيوشكم ولا أموالكم
ولا ثرواتكم بل يخاف الإسلام فيكم.. فلماذا تتعاونون معهم على اغتياله؟
المسلمون يا سادتنا لا يخيفونكم لأنكم منهم، دماؤكم حرام عليهم،
والسمع والطاعة أيها السادة ما التزمتم حدود الله.. فمم أنتم خائفون؟
يا ولاة أمورنا اسمعوا منَّا بما تفهمون:
إن لكل فرد في بلادنا -كائنًا من كان- حقوقًا أساسية تقوي صلته بالدولة
«سلطة وشعبًا وأرضًا» وإنه صاحب هذه الصلة والدافع عنها.
وحين يحرم حقه في التخطيط أو التنفيذ أو المراقبة يُدفع إلى التذمر
والتمزق والتمرد.
وإن الأصل في السلطة أنها من أجل الناس، فإن كانت كذلك فمن غير المعقول
أن تجري ممارستها بعيدة عن أعينهم، وإلا كانت نزوة أو هوى من أهواء الممارسين لها.
وإن السلطة هي سلطة الدولة التي نقر بها.
وإننا نفهم كما تفهمون أن تنسيق جوانب الحياة السياسية بين السلطة
والشعب في إطار النظام الإسلامي لن يشكل أي حيف على أحد الجانبين.
فاذا تم هذا التنسيق ضاق مجال السرية السياسية وأسقط الصراع بين
الحاكم والأمة، وشعرت الأمة أنها جزء من الدولة في إطار مجتمع متوازن ووفق وسائل العمل
السياسي المتعارف عليها، ونقصد بها الإقناع وليس الإكراه والتهديد والعقاب الجماعي.
نعم.. تعالوا ندعو للسلم ونبذ العنف والأخذ بالعفو والأمر بالعرف
ونعرض عن الجاهلين.
-
تعالوا إلى إصلاح أمورنا ونصح ولاتنا وبناء مجتمعنا.
- تعالوا إلى إيقاف الانحدار وإنهاء الارتكاس ونبذ الارتجال والتلقائية
التي لا تعطي إلا مفهومًا عابرًا أو مجتزءًا لا يربي شعبًا ولا ينظم مجتمعًا.
-
لا تمارسوا علينا عبارات ثورية مثلًا دون غيرنا من الناس خداعًا وغطاء
لأنواع القهر والظلم والاستغلال، ولا نمارس معكم إلا الحوار الذي يقصد اكتشاف الحقيقة
عبر التناقضات تحت مظلة العدالة والوصول إلى سلوك أخلاقي في التعامل، هذا السلوك الأخلاقي
يقتضي إمكانية الاتصال بكم بهدوء وسهولة وحيوية ووفق قنوات نظيفة عابرة تصلكم عن طريقها
مقترحاتنا وأفكارنا لتأخذ مكانها على طاولة الحق والممكن والمؤجل والمرفوض.
وقناعتنا بوجود الحقيقة والعدالة وإمكانية الاقتراب منها، وقناعتنا
أن فيكم ثقة بالإنسان وقدرة على الحوار معه، وثقتنا بأن التعامل الفكري بين بني البشر
هي أنجع الوشائج بين رواد الحضارة تجعلنا لا نتنازل عن هذه الحقوق، ناشدين السلامة
لنا ولكم، قاطعين الطريق على المتفلتين والمنافقين والمتاجرين.. أفبعد كل هذا تدعوننا
للتغريب في أوطاننا؟
وفي الختام.. لا نملك إلا أن نذكر بقول خولة بنت حكيم[1]
-رضي الله عنها- التي سمع الله قولها من فوق سبع سموات وهي تجادل رسول الله صلى الله
عليه وسلم في زوجها وتشتكي إلى الله، إذ استوقفها عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذات
يوم فقالت: يا
عمر: عهدي بك وأنت تسمى عميرًا تصارع الفتيان في سوق عكاظ، فلم تذهب الأيام حتى سميت
عمرًا، ثم لم تذهب حتى سميت أمير المؤمنين.. فاتق الله في الرعية.. واعلم أن من خاف
الموت خشي الفوت!
[1] تصويب: المرأة التي نزل فيها
الآيات الأولى من سورة المجادلة هي خولة بنت ثعلبة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل