; واقعة أمنية سورية | مجلة المجتمع

العنوان واقعة أمنية سورية

الكاتب محمد الحسناوي

تاريخ النشر الثلاثاء 16-يناير-2001

مشاهدات 82

نشر في العدد 1434

نشر في الصفحة 33

الثلاثاء 16-يناير-2001

منذ إلقاء الرئيس السوري بشار الأسد خطاب القسم، والناس -داخل سورية وخارجها- ينتظرون مرتسم هذه الوعود والأفكار التي أطلقها، هل تتحقق كلها أو بعضها، متى وكيف؟

يختلف المحللون في تقويم ما صدر عن الرئيس من مراسيم وإجراءات داخلية وخارجية اقتصادية وسياسية سبب الاختلاف يرجع في الحقيقة إلى عوامل غير الرغبة بالدعاية أو التهوين، منها قابلية الإجراء الواحد لأكثر من تفسير، مثل قرار إغلاق سجن المزة الشهير- وهو قرار متخذ منذ عهد الرئيس السابق، هذا التنفيذ للإغلاق هل يعد بداية نهج جديد في التعامل مع حقوق الإنسان، تصل إلى حد إلغاء حالة الطوارئ وإطلاق الحريات العامة، والتعددية السياسية وتبييض السجون السياسية كلها، أم هو جزء من تسويق النظام لنفسه بإجراءات تحسينية انفتاحية محدودة محسوبة؟!

وإذا كانت هذه الإجراءات جزءًا من فتح صفحة جديدة في السياسة والاقتصاد والحريات والتعددية والتداول السلمي للسلطة، فلماذا يغلب عليها البطء والتردد ونظام التقسيط أو (الجرعات) وهل للحرس القديم، ومراكز القوى دور في (الفرملة) أو التقسيط أو حتى الإجهاض أو الإحباط؟

أيًا كانت التفسيرات، فلابد من تقويم الخطوات الإيجابية التي حصلت والتشجيع على استكمالها، وطلب التأسيس عليها، وهذا لا يمنعنا من إبداء النقد للمظاهر السلبية أو لفت النظر إلى الأمور التي تستدعي المعالجة أو إعطاء الأولوية لمسائل محددة بعينها قبل غيرها حتى تتم معالجتها والسيطرة عليها، منها قضية «حقوق الإنسان» وهي قضية القضايا التي لا تتأخر، ولا يمكن الانتظار طويلًا من أجل حلها وإزالة آثارها الكارثية.

وفي هذا السياق نعرض واقعة من الوقائع المذهلة، تعين على الاستبصار، وعلى تقدير حجم المشكلة، وعلى مدى خطورة آثارها المحلية والقومية والإنسانية والسياسية، وهي تذكرنا بأن كل ما قيل ويقال عن حقوق الإنسان عامة وفي سورية خاصة.. أقل من حقيقة المعاناة الرهيبة التي يرزح تحت وطأتها المواطن أو الشقيق المعتقل سياسيًا، وأقل من حقيقة الخروق والتجاوزات التي تتحدث عنها الأدبيات والجداول والقوائم التي تصدر عن أطراف المعارضة السورية أو المنظمات المختصة بالدفاع عن حقوق الإنسان لأن الحكي غير الشوف وه الذي يأكل العصي ليس مثل الذي يعدها.

اعتقال حسين بن محفوظ مواطن يمني بتاريخ 26/6/2000م أي بعد وفاة الرئيس حافظ الأسد بستة عشر يومًا، وصل مواطن يمني من صنعاء على طائرة الخطوط الجوية السورية، إلى «دمشق» اسمه الشيخ حسين بن محفوظ، وهذه هي زيارته الأولى للقطر السوري، ولعلها تكون الأخيرة، وفي مطار دمشق تقدم بجواز سفره للتأشير عليه بالدخول، فاستدعي على حدة، ونقل فورًا إلى حيث التحقيق معه في أحد أجهزة المخابرات.

سبب زيارة هذا المواطن اليمني هو العمل بنصيحة بعض الأصدقاء الذين أشاروا عليه بأن في سورية كتبًا ومراجع علمية تفيده في تحضير رسالة الماجستير المكلف بها.

لما طال غياب المواطن اليمني على أهله وعلى رواد مسجده -وهو خطيب ومدرس في أحد مساجد صنعاء- بدأ تململ ذويه وتساءلوا عن مصيره، فتحرك نفر منهم، وقابلوا الشيخ عبد الله الأحمر «رئيس مجلس الشورى اليمني» بصفته وجهًا بارزًا من وجوه السياسة، وهو في الوقت نفسه شيخ مشايخ قبيلة حاشدة التي ينتمي إليها المواطن اليمني المفقود.

طلب الوفد مساءلة القائم بالأعمال في السفارة السورية عن مصير قريبهم، فكان جواب الجهات السورية بعدم وجود حسين اليمني على الأراضي السورية حينذاك طلب الشيخ عبدالله الأحمر من الوفد مراجعة سلطات مطار صنعاء للتأكد من الجهة التي ذهب إليها، فأكدت سلطات مطار صنعاء بأنه سافر إلى دمشق تحديدًا وعلى الطائرة السورية منذ ٣٥ يومًا، فما كان من أهل المواطن المفقود إلا أن حملوا الشيخ الأحمر تهديدًا صريحًا إلى القائم بأعمال السفارة السورية مفاده التهديد بإحراق السفارة السورية في صنعاء أو قتل القائم بالأعمال السوري أو اعتراف المسؤولين السوريين بحقيقة مصير المواطن اليمني خلال مدة حددوها له.

رجع القائم بالأعمال السوري ثانية إلى السلطات المعنية في سورية وأبلغها حقيقة التهديدات وجديتها، فكان أن اعترفت الجهات الأمنية السورية بوجود المواطن اليمني، ووعدت بالإفراج عنه بعد استكمال التحقيقات معه، وفعلًا تم إطلاق سراحه بعد ٣٥ يومًا أخر قضاها في ضيافتها، وكان مجموع أيام الاعتقال ٧٠ يومًا سعيدًا.

ماذا جرى مع الأخ اليمني؟

من خلال اعتقال هذا المواطن اليمني الضيف وإطلاق سراحه.. رشحت بعض المعلومات الجديدة المفيدة عن سجون الرأي والسياسة في سورية:

1-سبب اعتقال الشيخ حسين بن محفوظ -وهو ليس من الإخوان المسلمين- هو أنه تناول في سلسلة خطب له في اليمن المذاهب الإسلامية الباطنية، وضرب مثلًا بإحدى الطوائف في سورية، فأدرج اسمه على الحاسوب في قائمة الأعداء المطلوبين، حتى جاء بنفسه إلى الفخ المنصوب وليس يعفيه كونه مواطنًا غير سوري، لكن بوسعه بعد اعتقاله أن يصحح مزاعمه، وأن يعطي صورة حسنة عن الجنة السورية.

كانت الأيام الأولى من اعتقال المواطن اليمني في زنزانة انفرادية يتعرض يوميًا للتعذيب المبرح، أما النصف الثاني لمدة الاعتقال فقد قضاها في زنزانة جماعية طولها وعرضها 4 × 4 مترًا تضم عشرين مواطنًا سياسيًا معتقلين في إحدى زنزانات سجن (فرع فلسطين).

2-  هؤلاء السجناء السوريون الذين صادفهم المواطن اليمني، كلهم معتقلون حديثًا.

3-     أحد المعتقلين في هذه الزنزانة كان صبيًا عمره ١٢ سنة، ذنبه أنه متهم بتمزيق صورة المرشح لرئاسة الجمهورية الرئيس الحالي.

كان يطلب من الصبي المعتقل أن يعترف بأن والده هو الذي أمره بتمزيق صورة المرشح حتى يطلق سراحه، قال المواطن اليمني المعتقل للصبي: اعترف لهم بأن أباك هو الذي حرضك على ذلك، كي يطلق سراحك، فما كان جواب الصبي إلا أن قال: إذا كنت أنا صبيًا المتهم أتعرض لهذا العذاب، فكيف يكون حال أبي إذا اعترفت عليه؟

إذا كان الرئيس الجديد نفسه أمر -كما قيل- بإنزال الصور والتخلص من هذه المظاهر، فلماذا تعاقب الأجهزة الأمنية طفلًا حصل منه ما يوافق موقف الرئيس نفسه؟!

الرابط المختصر :