العنوان بين البنوك والربا وتوظيف الأموال
الكاتب على النحاس
تاريخ النشر الثلاثاء 24-يناير-1989
مشاهدات 57
نشر في العدد 901
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 24-يناير-1989
- البنوك هي السبب في إقامة شركات توظيف الأموال لأنها لم
تفتح قنوات شرعية لاستثمار الأموال بعيدًا عن الربا.
- الربا محرم في نصوص العهد القديم والعهد الجديد.
قرأنا في جريدة الأهرام بعددها الصادر في 11\12\1988، مقالًا للمستشار محمد سعيد العشماوي يحاول التشكيك فيه بحرمة الربا، إذ يقول إن حرمة الربا من مجمل القرآن الذي لا يتضمن أحكامًا ثابتة ومحددة وقاطعة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبينه، ويدعي أن نظام الفائدة التي تتعامل به البنوك ليس من قبيل الربا، ويتصور أن هناك مخططًا لتدمير اقتصاد مصر أو تقويض نظامها لمجرد أن يقوم دعاة مخلصون يطالبون بتصحيح مسار الاقتصاد المصري، ليتفق مع الشريعة الإسلامية، التي نص دستور مصر أنها المصدر الرئيسي للقوانين أو عندما ينادون بتعديل القوانين التي لا تتفق مع الشريعة، فأصبح هؤلاء عنده متآمرين مخططين لتدمير مصر، وربما كانوا متصلين بمخطط عالمي هدفه تدمير النظام السياسي أو القانوني أو الاقتصادي في مصر، وكنا نود أن يتحرى السيد المستشار العدالة وهو منوط بها في ساحة القضاء بدلًا من أن تثيره الشكوك والاتهامات التي ألقيت حول بعض شركات توظيف الأموال، ليترك العدالة تأخذ مجراها ضد المتهمين، وأن تكون كتابته مدروسة مستندة إلى أدلة صحيحة قبل أن يصدر حكمًا خطيرًا يتهم فيه العلماء والفقهاء بالسلبية لأنهم لم يتبنوا رأيه الذي يقصر فيه الربا على نوع واحد وهو ربا الفضل، ويتغافل عن ربا النسيئة.
أنواع الربا:
فالربا نوعان: ربا الفضل هو بيع النقود بالنقود، والطعام بالطعام مع الزيادة.
أما ربا النسيئة فهو الزيادة المشروطة التي يأخذها الدائن من المدين نظير التأجيل، وهذا النوع - أي ربا النسيئة - هو النوع الذي كانت العرب في الجاهلية تمارسه، وهو الذي كان شائعًا بينهم.
فذكر المستشار ربا الفضل وحده وساق حديثا في تحريم ربا الفضل والحديث بلفظه الذي ذكره، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم «الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر «القمح» والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح، مثلًا بمثل يدًا بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربي، الآخذ والمعطي فيه سواء» فهو رواية البخاري ومسلم وأحمد عن أبي سعيد الخدري، وليس عن عبادة بن الصامت، أما رواية عبادة بن الصامت فقد رواها مسلم وأحمد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلًا بمثل سواء بسواء يدًا بيد، فإن اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد».
وقد ذكر أنه من أحاديث الآحاد، ولم يتواتر به القول عن عدد كبير من الصحابة، ومع أن الحديث رواه عبادة بن الصامت وسعيد الخدري وأبو هريرة وأبو بكر وفضالة بن عبيد وعمر بن الخطاب ومعمر بن عبد الله وأنس بن مالك مع اختلاف في بعض الألفاظ والأصناف، وكلها في تحريم ربا الفضل، وذكر الأحاديث الدالة على حرمة ربا الفضل البخاري ومسلم وأحمد والنسائي وأبو داود وابن ماجه والدارقطني مما لا يدع مجالًا للطعن في صحتها - والأحاديث دالة على حرمة بيع النقود بالنقود والطعام بالطعام بالزيادة، ولا ندري من أين أخذ المستشار قوله الذهب والفضة باعتبارهما «بضائع لا نقدًا» ليوهم القارئ أن الأوراق النقدية لا يجري فيها الربا، وقد أجمع العلماء وقررت مجامع البحوث الفقهية في مصر والسعودية وغيرها من بلاد العالم الإسلامي أن الأوراق النقدية تعتبر نقدًا قائمًا بذاته كقيام النقدية في الذهب والفضة وغيرهما من الأثمان، فلا تسقط فيها الزكاة إذا بلغت نصابًا ويحرم فيها الربا سواء ربا الفضل أو ربا النسيئة - أما عن الأصناف الستة التي يجري فيها الربا، والمذكورة في الحديث فليست محددة على سبيل الحصر - كما قرر العلماء فيلحق بالذهب والفضة الأوراق النقدية «البنكنوت» كما قررناه وبإجماع الفقهاء على ذلك، وقد قرر الإمام مالك في كتاب المدونة باب «الصرف» قوله «ولو أن الناس حازوا بينهم الجلود حتى يكون لها سكة وعين «مثل الدراهم» لكرهتها أن تباع بالذهب والورق «الفضة» «نسيئة».
وبقية الأعيان ألحق بها الشافعي كل مطعوم، وألحق مالك المدخر للقوت، وألحق بها أبو حنيفة كل موزون، وقال أحمد العلة في التحريم إنها مطعومة أو موزونة أو مكيلة فألحق بها كل مطعوم أو مكيل أو موزون.
«شرح مسلم للنوري و جــ 11، ص 9,8».
ربا العرب:
أما ربا النسيئة وهو الزيادة المشروطة على رأس المال نظير الأجل فلم يذكره المستشار مع أنه الربا الذي كان سائدًا عند العرب ونزل القرآن بتحريمه حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «لا ربا إلا في النسيئة»، والحديث متفق على صحته رواه البخاري ومسلم عن أسامة بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ومعناه كما يقول الفقهاء التشديد والتهديد والوعيد على هذا النوع من الربا وكأنه هو المحرم وحده نظرًا لشيوع هذا النوع من الربا - وإنما حرم ربا الفضل حتى لا يتخذ ذريعة إلى ربا النسيئة - والمقصود بقوله صلى الله عليه وسلم «لا ربا» الربا الأغلظ الشديد التحريم المتوعد عليه بالعقاب، كما تقول العرب «لا عالم في البلد إلا زيد مع أن فيها علماء غيره «فتح الباري، وجـ 4، ص 382» وروى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «لا تبيعوا الدرهم بدرهمين فإني أخاف عليكم الرماء» أي الربا، وقوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي سعيد وأبي عبادة يدًا بيدًا يدل أيضًا على حرمة ربا النسيئة في النقود والطعام.
ربا النسيئة محرم:
وقد أحالنا المستشار إلى تفسير القرطبي وتفسير الفخر الرازي للتأكد من صحة رأيه.
وعن الرجوع إلى المصدرين نجد أن كلًا من العالمين الجليلين يذهبان إلى ما ذكرناه من حرمة ربا النسيئة وحرمة ربا الفضل على السواء، قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ۚ﴾ (البقرة: 275) إن الألف واللام في الربا هي لام العهد أي الربا الذي كانت العرب تفعله فحرم الله تعالى الزيادة عن حلول الأجل آخرًا، فإن العرب كانت لا تعرف الربا إلا في ذلك، فكانت إذا حل دينها قالت للغريم إما أن تقضي وإما أن تربي أي تزيد فحرم الله الربا، وقال نزلت الآية في ثقيف، وكانوا عاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم أن مالهم من الربا على الناس فهو لهم وما للناس عليهم فهو موضوع عنهم، فلما جاءت آجال رباهم بقوا في مكة لاستقصاء الديون، وقال بنو المغيرة لا نعطي شيئًا فإن الربا قد رفع فلما علمت ثقيف أن الربا قد رفع تخلت عن المطالبة بالدين، وهذا يدلنا على أن التعامل لم يكن يدًا بيد متفاضلًا وإنما كان دينًا مؤجلًا، والقرطبي الذي أحالنا المستشار إلى تفسيره للاستدلال بصحة رأيه قد ذكر الحديث الذي أنكره المستشار، وادعى أن البعض يتحلونه للترهيب من الربا.
أما تفسير الفخر الرازي الذي أحالنا إليه المستشار فهو يثبت عكس ما قرره تمامًا، فقال الإمام الفخر الرازي في الجزء السابع من تفسيره، ص 85، عند قوله تعالى ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا ﴾: أعلم أن الربا قسمان ربا النسيئة وربا الفضل، أما ربا النسيئة فهو الأمر الذي كان مشهورًا متعارفًا في الجاهلية لأن الواحد منهم كان يدفع ماله إلى غيره إلى أجل مسمى على أن يأخذ منه كل شهر قدرًا معينًا ورأس المال باق بحاله، فإذا حل «الأجل» طالبه برأس ماله فإذا تعذر عليه الأداء زاد في الحق والأجل، فهذا هو الربا الذي كانوا في الجاهلية يتعاملون به، فأي توضيح أصرح من هذا عن الربا الذي كان في الجاهلية ونزل القرآن بتحريمه.
اليهود والربا:
وفي أوائل العهد المدني نعى على اليهود أكلهم الربا بعد أن علموا أنه محرم عليهم وقصروا تحريم الربا فيما بينهم أما مع غير اليهودي فهو حلال فقال تعالى: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ (النساء: 161)، فليس الإسلام وحده هو الذي حرم الربا وإنما هو محرم في نصوص العهد القديم والعهد الجديد جاء في سفر الخروج «إذا أقرضت مالًا لأحد أبناء شعبي فلا تقف منه موقف الدائن لا تطلب ربحًا لمالك» 22 : 25، وليس الإسلام وحده هو الذي حرم الربا فلقد حرم في شريعة موسى.
كما جاء التحريم في المسيحية وفي إنجيل الوفا «إذا قرضتم لمن تنتظرون منه المكافأة فأي فضل يعرف لكم ولكن افعلوا الخيرات واقرضوا غير منتظرين عائدتها وإذن يكون ثوابكم جزيلًا» (6 : 34، 35) ولم يفرق في التحريم هنا بين النصارى في تعاملهم مع بعضهم ولا تعاملهم مع غيرهم كما فعل اليهود، وهكذا جاء الإسلام: ﴿مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ﴾ (المائدة: 48).
وصية الرسول:
ويقف النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع خطيبًا فقال «وربا الجاهلية موضوع وأول ربا أبدأ به ربا عمي العباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله» فبدأ بربا عمه العباس ووضعه ليكون ذلك أدعى للتأثير والإقناع والقدوة الحسنة في منع الربا كله.
ولم يكن العباس يتعامل بربا الفضل وهو ما يقع مقايضة بين متماثلات كما ذكر المستشار، ولكن كان يفعل ما تفعله البنوك الآن وهو الإقراض بفائدة على رأس المال نظير الأجل.
قال الطبري شيخ المفسرين «جامع البيان في تفسير القرآن، ج 3، ص 67، وما بعدها» عن قوله تعالى ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ «نزلت في العباس ورجل من بني المغيرة» «وسماه غيره من المفسرين خالد بن الوليد» كانا شريكين في الجاهلية يسلفا في الربا إلى أناس من ثقيف من بني عمرو فجاء الإسلام ولهما أموال عظيمة في الربا، ثم ذكر تعريف الربا الذي نزل القرآن بتحريمه ووصفه النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع «يكون للرجل على الرجل الدين فيقول لك كذا وكذا وتؤخر عني فيؤخر عنه» وقال في تفسير وحرم الربا «حرم الزيادة التي يريدها رب المال بسبب زيادة غريمه في الأجل وتأخير دينه عليه».
تجار مكة:
يروي التاريخ أن مكة كانت مركزًا لنشاط تجاري عظيم تقوم فيه قريش برحلة الشتاء والصيف التي ذكرها القرآن، وكانوا يلجأون إلى تمويل القوافل بالاقتراض من كبار الأغنياء مثل العباس وخالد بن الوليد وعثمان بن عفان، وكان هؤلاء يقومون بدور البنوك الآن في الإقراض للمشروعات التجارية بفائدة ربوية، وكان التجار يقومون بشراء السلع في إحدى الرحلتين ثم يبيعونها في الرحلة الأخرى ويدفعون إلى الممولين رءوس أموالهم التي اقترضوها بالإضافة إلى الربا المتفق عليه «المعاملات المصرفية المعاصرة ورأي الإسلام فيها، للدكتور محمد عبد الله العربي ص 6,5، فليس الربا المحرم هو القرض الذي يستغل فيه حاجة الفقير أو ما يسمى بالقروض الاستهلاكية بل كان يشمل القروض الإنتاجية كتمويل المشروعات التجارية، وليس الربا المحرم هو ربا الفضل وحده وإنما يشمل ربا النسيئة فهو محرم أيضًا، بل إن معظم التعامل كان بربا النسيئة «الأجل».
ولا يقال إن آيات الربا من مجمل القرآن الذي لا يتضمن أحكامًا محدودة وثابتة وقاطعة في التحريم، فقد ورد في القرآن آيات مجملة مثل الأمر بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة فإن القرآن لم يبين شروط الصلاة وكيفيتها ولا أنواع الأموال التي تجب فيها الزكاة ونصاب كل منها وإنما بينت ذلك السنة من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحرم القرآن الربا واللام للعهد كما بينا فيشمل كل ما كان التعامل به سائدًا في مجتمع الجاهلية فحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث في عبادة وسعيد الخدري وغيرهما ربا الفضل - وحرم ربا النسيئة في حديث أسامة عنه صلى الله عليه وسلم «لا ربا إلا في النسيئة» - كذا في خطبة عام حجة الوداع أشار إلى ربا العباس وكان ربا نسيئة - وهو الزيادة على رأس المال نظير الأجل.
وما ذكره المستشار عن الإمام الشافعي رحمه الله أن الآية من مجمل القرآن لا يغتر به فيفهم منه إباحة الربا على مذهبه، فقد قرر في كتابه الأم تحريم الربا بنوعيه جميعًا ومذهب الإمام الشافعي في الاحتجاج بحديث الواحد معروف ذكره في الرسالة، واحتج له بأن أحد الصحابة ذهب إلى مسجد جماعة فوجدهم يصلون إلى بيت المقدس فأخبرهم أن القبلة حولت إلى الكعبة فاستداروا في الصلاة واتجهوا للكعبة في نفس المسجد الذي يعرف في المدينة اليوم باسم مسجد القبلتين ولم ينتظروا حتى يفرغوا من الصلاة ليطلبوا منه شاهدا أو شاهدين لإثبات قوله فالصحابة كلهم عدول، وقد استدل المستشار بحرمة ربا الفضل بحديث عبادة بن الصامت وذكر أنه حديث آحاد، فلماذا لم يستدل بحديث أسامة في تحريم ربا النسيئة، بل لماذا لم يستدل بخطبته صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع على تحريم ربا النسيئة الذي كان يمارسه عمه العباس.
أما ما ذكره المستشار عن عمر رضي الله عنه وساقه ليشكك في تحريم الربا أو عدم وضوح التحريم بقول عمر «إن آية الربا من آخر ما نزل من القرآن وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبينه، وقوله لقد خفت أن نكون زدنا في الربا عشرة أضعاف مخافته».
لقد ثبت في الصحيح أن عمر رضي الله عنه روى بنفسه أحاديث تحريم الربا منها ما اتفق على صحته البخاري ومسلم عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «الذهب بالورق ربا الإهاء وهاء البر بالبر ربا الإهاء وهاء والشعير بالشعير ربا الإهاء وهاء والتمر بالتمر ربا الإهاء وهاء» ومعنى هاء وهاء خذ وهات: أي التقايض في المجلس، فهو يروي هنا تحريم الفضل المذكور في حديث إلى عبادة وروى البخاري ومالك في الموطأ أن مالك بن أوس التمس بمائة دينار، قال فدعاني طلحة بن عبد الله فتراوضنا حتى اصطرف مني، وأخذ الذهب يقلبها في يده ثم قال حتى تأتيني في الغابة وعمر بن الخطاب رضي الله عنه يسمع فقال عمر والله لا تفارقه حتى تأخذ منه ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الذهب بالورق ربا الإهاء وهاء، الحديث السابق» فكيف يقال إنه لم يسمع بحديث عبادة بن الصامت في تحريم ربا الفضل.
والمستشار قد اختلط عليه الأمر فالذي لم يسمع هو معاوية، فقد روى مسلم في صحيحه أن عبادة بن الصامت حدث بحديثه السابق ذكره فقام معاوية منكرًا وذكر أنه لم يسمع بالحديث، فأعاد عبادة الحديث وقال لنحدثن بما سمعنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كره معاوية أو قال وإن رغم، ما أبالي إلا أصحبه في جنده ليلة سوداء.
«انظر صحيح مسلم باب الربا».
فعمر رضي الله عنه علم تحريم الربا ولكن كان يود أن يوضح رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض المسائل التي فيها شائبة الربا وتختلف فيها وجهة نظر الفقهاء مثل اختلاف العلماء في إلحاق المطعومات أو الموزونات بالأصناف المذكورة في حديث الربا بدليل قوله رضي الله عنه «ثلاث وددت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلينا فيهن عهدًا: الجد والكلالة وأبواب من أبواب الربا» «تفسير ابن كثير، حــ 1، ص 327» وقد أجمعت كلمة العلماء قديمًا وحديثًا على تحريم الفائدة التي تعطيها البنوك أو تأخذها نظير رأس المال المدفوع إلى أجل مسمى باعتباره من ربا النسيئة المحرم والذي لا يفترق عن الربا الذي كان في الجاهلية ونزل القرآن بتحريمه.
البنوك وشركات توظيف الأموال:
وما روي عن الشيخ شلتوت رحمه الله من إباحة فائدة صناديق التوفير قد رجع عنه بشهادة الشيخ محمد أبو زهرة رحمهما الله «انظر مشكلات الاقتصاد والإسلامي للدكتور عبد الحليم عويس ص 48» - وكل أحد يؤخذ من قوله ويرد عليه إلا الرسول المعصوم صلوات الله وسلامه عليه، وقديمًا قالوا لا تعرف الحق بالرجال ولكن اعرف الحق تعرف أهله، فهل من الممكن أن يقال بعد هذا إن شركات توظيف الأموال هي السبب في تدمير الاقتصاد المصري أم يقال إن البنوك هي السبب في إقامة شركات توظيف الأموال لأنها لم تفتح قنوات شرعية لاستثمار الأموال بعيدًا عن الربا المحرم فاتجه الناس إلى هذه الشركات التي أعلنت عن برامج الاستثمار فيها على نظام المضاربة طبقًا للشريعة.
إن المجتمع كله ينفر من الربا لأنه محرم في الإسلام والمسيحية واليهودية على السواء فلماذا لا تقوم البنوك بتوظيف الأموال على غرار ما أعلنته شركات توظيف الأموال بدلًا من أن تفسح المجال لكل من حسنت نيته أو ساء قصده، صدقوني لو قامت البنوك بتوظيف الأموال حسب الشريعة الإسلامية بعيدًا عن الربا لأقبل الناس عليها معرضين عن الشركات الخاصة بتوظيف الأموال لأن البنوك المدعمة من الدولة ستكون أضمن طريق لاستثمار المال لو قامت بذلك بعيدًا عن الحرام والشبهات.
ولنا في بنوك الادخار تجربة رائدة في الستينات وأسوة حسنة، لقد بدأت في مركز ميت غمر ثم انتشرت فروعها في مصر وكان الإقبال عليها منقطع النظير وحققت أرباحًا عالية، وكان لها أطيب الأثر في انعاش كثير من المشروعات الاقتصادية وتنمية روح الادخار خاصة بين الطبقة الكادحة ولكن لم يقدر لها الاستمرار لمخالفتها المنهج الاقتصادي الذي اختارته الحكومة في ذلك الوقت - ثم هذه مصانع الشريف وغيرها من شركات توظيف الأموال التي لم نسمع عنها حوادث ابتزاز وتحقق أرباحًا كبيرة والإقبال عليها ينبع من روح الشعب المصري الذي تأصلت روح الدين فيه فهو يرفض الربا ولا يقبله مهما صور له أنه فائدة أو أن هناك فتاوى بإباحته - وإن كانت هناك جرائم أو اتهامات حول بعض شركات توظيف الأموال فلندع العدالة تأخذ مجراها وليس لنا أن نتهم نظام توظيف الأموال برمته بتدمير الاقتصاد المصري خاصة بعد أن صدر القانون الذي نظم تلقي واستثمار الأموال في هذه الشركات، وعلى البنوك أن تتحرك من جمودها لتسهم في مشروعات التنمية للاقتصاد القومي وانعاش المشروعات الحيوية - بدلًا من استقرارها في هيكل محوره الإقراض بفائدة والاقتراض بفائدة أقل لتحصيل الربح بالفرق بين الفائدتين - على البنوك أن تستفيد من تجربة استثمار الأموال في بنوك الادخار وبنك فيصل والبنوك الإسلامية في الخليج العربي والبنوك الإسلامية المنتشرة في أوربا وكلها لا تتعامل بالربا وتبني معاملاتها على أسس الشريعة الإسلامية بدلًا من أن تفتح البنوك لدينا نافذتين تكتب على إحداهما فرع المعاملات الإسلامية والأخرى للمعاملات غير الإسلامية والكل يعلم أن الوعاء واحد والاستثمار ربوي.
إن الذين يحاولون تصحيح مسار الاقتصاد المصري ليتمشى مع الشريعة الإسلامية التي هي المصدر الرئيسي للتشريع كما نص دستور مصر لا يقال لهم إنكم دمرتم الاقتصاد كما قال الملأ من قوم فرعون عن موسى والمؤمنين معه: ﴿أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ (الأعراف: 127) ولا يقال عنهم إنهم أصحاب الإسلام السياسي أو أصحاب الإسلام الاقتصادي وإنما دين الإسلام منهج شامل ينظم شئون العبادة كما ينظم شئون الحياة كلها سواء في مجال الاقتصاد أو الاجتماع أو المعاملات الدولية أو السياسية أو سلوك الأفراد خلقيًا وهو دين شامل منه تنبع القوانين والتشريعات وهو يحكم عليها ولا تحكم القوانين عليه، إن أصحاب الإسلام هم المؤمنون حقًا الذين يخضعون لحكم الله وحده ويرتضونه منهجًا ولا يخضعون الناس لأهوائهم ولا يضلونهم بافتراءات مزيفة ليحلوا ما حرم الله.
﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (القصص: 50).
- البنوك هي السبب في إقامة شركات توظيف الأموال لأنها لم
تفتح قنوات شرعية لاستثمار الأموال بعيدًا عن الربا.