; أجهزة الأمن لم تعلن إلقاء القبض على أي متهم.. تصفية الكفاءات العلمية في العراق مجدداً.. من المسؤول ؟! | مجلة المجتمع

العنوان أجهزة الأمن لم تعلن إلقاء القبض على أي متهم.. تصفية الكفاءات العلمية في العراق مجدداً.. من المسؤول ؟!

الكاتب محمد واني

تاريخ النشر السبت 23-أبريل-2011

مشاهدات 62

نشر في العدد 1949

نشر في الصفحة 46

السبت 23-أبريل-2011

  • وزارة حقوق الإنسان: ٢٢٤ أستاذًا جامعيا قتلوا خلال الفترة من بداية عام ٢٠٠٤م حتى نهاية عام 2007م!
  • في ٢٩ مارس.. تم اغتيال عميد كلية الطب بالجامعة المستنصرية بعبوة ناسفة في سيارته.
  • وفي اليوم التالي تم اغتيال الطبيب «محمد عدنان» وسط مدينة «كركوك» على يد مجهولين.

على هامش المؤتمر الزراعي الثالث المنعقد بالعاصمة بغداد في ٢٢ مارس الماضي، وبينما كان رئيس الوزراء العراقي «نوري المالكي» يدلي بتصريح لوسائل الإعلام بأن العراق بات البلد الأكثر أمانًا واستقرارًا في المنطقة، بعدما كان يشوبه كثير من الإرباك إلى حد قريب، في إشارة إلى ما تشهده دول المنطقة من تظاهرات.. كشفت مصادر في الوزارات الأمنية عن سقوط ٦٨٩ مواطنًا عراقيًا بين قتيل وجريح في الشهر نفسه فقط، وهي أعلى نسبة قتل خلال الشهور الثلاثة الأولى من العام الجديد.

ومن أبرز عمليات القتل الجماعي التي هزت البلاد، تلك العملية التي تعرض لها مجلس محافظة صلاح الدين في ۲۹ مارس؛ حيث راح ضحيتها ٧٦ شخصًا وخلفت ٩٥ جريحًا، من بينهم ثلاثة أعضاء في مجلس المحافظة.

وفي اليوم ذاته، تعرض «د. محمد حسن علوان» عميد كلية الطب في الجامعة المستنصرية في بغداد لعملية قتل وحشية بعبوة ناسفة تم وضعها في سيارته على يد مجهولين.

وفي اليوم التالي ( ۳۰ مارس)، تم اغتيال «د . محمد عدنان» في وسط مدينة «كركوك» على يد مجهولين، وهو طبيب متخصص في جراحة المسالك البولية.

هذان الحادثان أعادا إلى الأذهان مسلسل الاغتيالات التي طالت العديد من الكفاءات العلمية العراقية في السنوات السابقة التي تلت سقوط بغداد على يد الاحتلال الأمريكي عام ۲۰۰۳م، من أمثال «د. عصام سعيد» العالم الجيولوجي الكبير الذي تم اغتياله عام ٢٠٠٤م ، و «د. غائب الهيتي» أستاذ الهندسة الكيماوية في جامعة بغداد الذي تم اغتياله في العام نفسه، و د. عبد الرزاق النعاس الأستاذ بكلية الإعلام في جامعة بغداد الذي تم اغتياله عام ٢٠٠٦م، وغيرهم من النخب العلمية البارزة التي تعتبر ثروة حقيقية للبلاد .

كان العراق الجديد ينتظر من هؤلاء الخبراء النهوض بمؤسساته العلمية لتصل إلى مستوى الدول المتقدمة، ولكن بسبب استهدافهم المستمر من قبل جهات غير معروفة عن طريق التصفية الجسدية أو التهديد بخطفهم وقتلهم، اضطر الكثيرون منهم إلى الهجرة إلى خارج البلد، أو النزوح إلى المحافظات الشمالية الثلاث - «أربيل» و«دهوك» و«السليمانية» – في إقليم كردستان العراق، الذي يتمتع باستقرار نسبي مقارنة بباقي المحافظات العراقية الأخرى. 

ووفق بيانات حصلت عليها «المجتمع» من المكتب الصحي في «أربيل» كبرى محافظات الإقليم، فإن المدينة استقبلت ٧٠٪ من الكفاءات العلمية النازحة من مختلف أنحاء العراق إلى المناطق الشمالية، وفتحت لهم أبواب الأمل من جديد، ووفرت لهم فرص العمل ضمن مؤسساتها العلمية برواتب مغرية.

وقد أوضحت «د . شيماء الرفاعي»، وهي طبيبة من بغداد تعمل بأحد المستشفيات في «أربيل»، هذه الحقيقة لوكالة «أكانيوز» الإخبارية، قائلة: «إن أربيل لم تغلق بابها أمام الكفاءات الطبية العراقية، بل استقطبتهم وقدمت لهم العديد من الامتيازات». وأضافت: «إن الواقع الصحي لإقليم كردستان أفضل بكثير من المناطق العراقية الأخرى؛ بسبب لجوء عدد كبير من الأطباء العراقيين إلى الإقليم جراء الواقع الأمني المتدهور في بغداد». ومن جانبه، أوضح «د. ناظم عبد الحميد قاسم»، نقيب الأطباء العراقيين، الحالة الطبية المزرية التي وصلت إليها بغداد، قائلا : إنه «في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي كان المرضى من كردستان يأتون إلى بغداد للعلاج، والآن انقلب الوضع، وأصبح أهالي بغداد ينضمون لغيرهم من العراقيين من مدن مضطربة في التوافد إلى كردستان بحثًا عن العلاج».

 إحصاءات وأرقام 

ومن جهة أخرى، قام باحثون وبعض الجهات المعنية ومنظمات المجتمع المدني بإجراء دراسة إحصائية أظهرت أن نسبة ٥٠٪ من العقول المهاجرة هم من الأطباء المتخصصين، بعضهم يدرس في كليات الطب ومعاهده، ونسبة ٢٣ من المهندسين بكافة الاختصاصات الهندسية فيما شملت نسبة %۲۷ التخصصات العلمية الأخرى التي تمثل البنية الأساسية للبلد . وأشارت دراسة أخرى إلى أن ثلاثة آلاف أستاذ جامعي اضطروا إلى مغادرة العراق بعد احتلاله عام ۲۰۰۳م، وأن نسبة 10% من إجمالي عدد الأطباء في العراق – البالغ عددهم ٣٢ ألفًا – هاجروا في تلك الفترة. 

ونشرت وزارة حقوق الإنسان العراقية, بالتعاون مع وزارات الدفاع والداخلية والصحة إحصائية جاء فيها «أن ٢٢٤ أستاذًا جامعيًا قتلوا خلال الفترة من بداية عام ٢٠٠٤م حتى نهاية عام ۲۰۰۷م، وتم اختطاف ٦٩ من أعضاءهيئات التدريس بالجامعات، كما لقي ٢٦٩ صحفيًا مصرعهم، بينهم 197 قتلوا في بغداد وحدها.. وقتل ۲۸۱ طبيبًا بينهم أساتذة في كليات الطب».. كما أظهرت الإحصائية أن ٩٥ محاميًا و٢١ قاضيًا و٤٤٦ طالبًا جامعيًا قتلوا خلال تلك الفترة. وما زاد الأمر سوءًا أن الميليشيات المسلحة شرعت في الآونة الأخيرة باستخدام مسدسات كاتمة للصوت في عمليات الاغتيال للتخلص من هؤلاء العلماء.

من يقف وراءها؟

لاشك أن الغرض الأساسي من استهداف العلماء والأكاديميين وأصحاب الأقلام النبيلة والكفاءات والاختصاصات العلمية النادرة هو إيقاف عملية البناء الجارية في العراق وضرب مؤسساته العلمية والثقافية، ووضع العراقيل أمام تقدمه ونهوضه من جديد .

ومن المؤكد أن ثمة مؤامرة كبيرة تحاك خيوطها لتدمير البلد وتخريب بنيته التحتية وهناك مصالح الأطراف عديدة في إثارة القلاقل من هذا النوع في العراق.. وقداعترف وزير التعليم العالي «علي الأديب» بهذه الحقيقة، قائلا : «إن هناك مؤامرة لتصفية العقول العراقية وتدمير التعليم؛ حيث قامت جهات مختلفة في البلاد بتنفيذ خطة لتصفية الكفاءات والكوادر العلمية».

ولم يحدد الوزير ولا أي مسؤول عراقي آخرالجهة التي تقف وراء عمليات القتل المنظمة للكفاءات العلمية العراقية، كما لم تتبن أي جهة المسؤولية عن هذه العمليات حتى الآن. والغريب في الأمر أن الجهات الأمنية العراقية، حتى يومنا هذا، لم تعلن أنها ألقت القبض على أحد بتهمة قتل العلماء، وليس هناك أحد تم إيداعه السجن بهذه التهمة أبدًا!

وهذا يدعونا للتساؤل: من يقوم بالتخطيط والتمويل والتنفيذ لهذه الأعمال العدوانية التي تستهدف العراق أولًا وأخيرًا ؟ من يجرؤ أن يقتل الناس في وضح النهار، ويتحدى الأجهزة الأمنية للحكومة التي تقف عاجزة تماما عن منع حدوث هذه الجرائم؟

آراء مختلفة

وقد تباينت آراء المحللين والمراقبين السياسيين حول هذه الظاهرة المتفاقمة فمنهم من يرى أن «المؤسسات الأمنية تم اختراقها من قبل عملاء مرتبطين بقوى استعمارية وصهيونية عالمية؛ لتفكيك العراق وجعله بلدا ضعيفا غير قادر على تمرير المخططات التوسعية في المنطقة»، ومنهم من يرى «أن عمليات القتل المنظمة للعلماء لها صلة مباشرة بالنزاعات الطائفية الجارية في البلاد، وهي نتاج طبيعي لهذه الصراعات المحتدمة»، ومنهم من يلقي بمسؤولية ما يحدث على عاتق «بعض الدول المجاورة للعراق التي لا تريد خيرًا للبلاد، ومنهم من يٌنحي باللائمة على تنظيم «القاعدة» والمجاميع المنضوية تحت لوائه ومسؤوليته. 

وفيما تحتدم النقاشات حول تحديد الجهة التي لها مصلحة في استهداف العقول العراقية النيرة، وتريد أن يبقى العراق في الحضيض، فإن ماكينة القتل المنظمة تستمر في حصد البقية الباقية من العقول العلمية التي ارتضت أن تبقى في العراق، وتتحمل العواقب المنتظرة وهي عواقب وخيمة بالتأكيد!

الرابط المختصر :