; الخلافات الزوجية.. العلاج بالتسامح | مجلة المجتمع

العنوان الخلافات الزوجية.. العلاج بالتسامح

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر السبت 26-ديسمبر-2009

مشاهدات 65

نشر في العدد 1882

نشر في الصفحة 59

السبت 26-ديسمبر-2009

قال رجل للعالم الزاهد التقي ابن السماك رحمه الله: «غداً نتعاتب»، فرد عليه قائلا: «بل غدًا نتغافر».  إن التغافر والتسامح من أهم الحصون الواقية للبيت المسلم من التصدع، وبالتسامح نحافظ على ألفة القلوب التي هي من أجل نعم الله تبارك وتعالى على عباده. قال تعالى ممتنا على عباده مخاطبًا رسول الله ﷺ: ﴿وألفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلْفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (الأنفال:٦٣).

وإذا ذكر التسامح طارت الألباب والقلوب إلى خلق رسول الله ﷺ، فكلنا يذكر موقفه مع سيدنا حاطب بن أبي بلتعة عندما أفشى سرًا عسكريا، فأخبر قريشًا بأن النبي ﷺ سيقابلهم، وأنه يتجهز لذلك، وهنالك قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- مقولته المعروفة: «نافق يا رسول الله، دعني أضرب عنقه» غير أن رسول الله ﷺ رد على عمر قائلًا: «وما يدريك يا عمر، لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم»، وعندها ذرفت

عينا عمر وهو يقول: «الله ورسوله أعلم».  لقد عذر رسولنا الرحيم العظيم ﷺ سيدنا حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه ذاكرا تضحياته وجهاده في غزوة بدر.  وما أروع مواقفه ﷺ في التسامح مع زوجاته تلك المواقف التي إن فقهناها وعملنا بها لكفينا أنفسنا شر النكد والبؤس والشقاء! وما أجمل قول

الشاعر في خلق التسامح: سامح صديقك إن زلت به قدم                 فليس يسلم إنسان من الزلل

وما أروع قول الإمام الشافعي يرحمه الله: وعاشر بمعروف وسامح من اعتدى وفارق ولكن بالتي هي أحسن إنك عندما تقرأ مفهوم «التسامح» قراءة نفسية تدرك أن التسامح شعور إيجابي، يشع تعاطفاً ورحمة وحناناً دون كره ولا غضب.. إنه -أي التسامح- إحساس بالسلام الداخلي مع النفس ومع الآخرين، وهو دليل على الصحة النفسية فلقد أكدت الدراسات النفسية والتربوية أن الشخص غير المتسامح إنما هو شخص قلق مضطرب، لم يجرب لذة العفو، ولقد أعلى الله عز وجل من شأن التسامح وحث عليه، لما فيه من خير يعود على المتسامح ومن سامحهم.. فقد نصح الله تعالى نبيه قائلًا: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (الأعراف:١٩٩). وقال أيضًا: ﴿... وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (النور: ۲۲). وقال سبحانه: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (المائدة).

وقد بين الله تعالى أنه يتولى إثابة المتسامحين ومنحهم الأجر -وهو الكريم- وذلك من قبيل التحفيز والترغيب، يقول عز وجل: ... فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى الله ﴾ (الشورى: ٤٠).  ومن هدي رسولنا الكريم الرحيم ﷺ قوله: ما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا (رواه مسلم).

ومن أقوال علي بن أبي طالب : «أولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة. وهذا عبد الله بن المقفع يدعو إلى التسامح والعفو مهما كبرت الإساءة، حيث يقول: «أحسن العفو ما كان من عظيم الجرم»، كما رغب سيدنا عبد الله بن مسعود في التسامح بقوله: «من يغفر يغفر الله له، ومن يعف يعف الله عنه . ولقد بين كثير من الحكماء والقادة عظمة التسامح ودعوا إليه، ومن هؤلاء:

- «غاندي»؛ حيث يقول: «إذا قابلت الإساءة بالإساءة، فمتى تنتهي الإساءة»، وهو هنا يريد أن يقول: إنك بذلك أدخلت نفسك في دائرة مغلقة من الإساءة والكدر، لا تنتهي أبداً إلا بالتسامح».

- «نهرو»؛ إذ يقول: «النفوس الكبيرة وحدها تعرف كيف تسامح». 

- «ساكي»؛ حيث يقول: «العفو عن الإساءة انتقام رقيق».

هل التسامح يكتسب؟

إن التسامح -مثله مثل سائر الأخلاق الإيجابية- يمكن اكتسابه، فقد بينت السنة المطهرة ذلك وأكدته، وذلك ما نجده في قول النبي ﷺ: «إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم»، كما أن الله عز وجل يثيب المتسامحين، ومحال عليه عز وجل أن يثيب على سلوك لا يستطيع العبد تنفيذه.

أثر التسامح في السعادة الزوجية

اختلف زوجان الزوجة تطالب بحقوق مادية وتتهم زوجها بالبخل، والزوج يشكو تقصير زوجته في أداء واجباتها نحوه، ولما سمعت منهما تبين لي أن نقاط الاختلاف عادية، برغم تصعيدهما المشكلة إذ رفعت الزوجة قضايا على زوجها، ولا أحد منهما عنده استعداد المسامحة الآخر!  أخذت أذكرهما بقدسية الحياة الزوجية وخطورة المشكلات على حياة الأسرة والأولاد. 

وذكرت الزوج بموقف أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، عندما جاءه رجل يشكو ارتفاع صوت زوجته وإيذاءها له بلسانها، فإذا بالرجل يسمع صوت زوجة سيدنا عمر وقد ارتفع عليه، فيرجع الرجل، ويفطن عمر إليه، ويسأله : ما لك؟ فيجيب: يا أمير المؤمنين، جئتك أشكو امرأتي فوجدتك على هذه الحال.. فماذا عساي أن أقول؟

فقال له سيدنا عمر -رضي الله عنه-: إنها أم أولادي وطباخة طعامي، وغاسلة ثوبي، ثم ذهب يسرد فضل النساء على الرجال.

وذكرت الزوجة بعاقبة الاستمرار في خصومتها، وظللت أذكرها بفضل الزوج وإيجابياته وأنه لا يمكن أن يسعد زوج مع زوجته ويعيشان تحت سقف بيت واحد وهي تقاضيه في المحاكم والمخافر لكنها أصرت وكانت عنيدة في إصرارها، فهل يفيق الزوجان ويتغلبان على الشيطان؟ نسأل الله ذلك.  إن التسامح داخل الأسرة يظلل الأسرة بظلال الإيمان، ويحل بالبيت السلام، ويملأ قلوب أفراده بالوئام، ويحقق بين القلوب التآلف والانسجام ويمنح الأولاد صحة نفسية، ويجنب أفراد الأسرة الاضطرابات الشخصية والنفسية، ويكفي الأسرة شر الصراعات والأحقاد والأضغان.

كيف نشيع التسامح في بيوتنا؟

  1. أن يكون كلا من الزوجين قدوة للآخر وللأولاد في العفو والتسامح.
  2. مدارسة الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تدعو إلى التسامح. 
  3. مدارسة شخصيات تاريخية عرفت بالعفو والتسامح. 
  4. الاستماع إلى العلماء والخبراء في هذا المجال.
  5. تشجيع أفراد البيت المسلم على هذا الخلق.
  6. توضيح الأمر الإيجابي للتسامح، على مستوى الفرد والأسرة والمجتمع.
  7. تدريب النفس على العفو والتسامح والتحلي بالصبر.
الرابط المختصر :