العنوان إجماع المعارضة بكل فصائلها: أسوأ انتخابات برلمانية في تاريخ مصر
الكاتب حلمي محمد علي بدر
تاريخ النشر الثلاثاء 12-ديسمبر-1995
مشاهدات 76
نشر في العدد 1179
نشر في الصفحة 29
الثلاثاء 12-ديسمبر-1995
- الخارجية الأمريكية تطالب مبارك بإجراء تحقيق فوري حول تجاوزات الحكومة في الانتخابات
أحدثت وقائع ونتائج الانتخابات البرلمانية المصرية التي جرت يومي الأربعاء 29\11 و 6\12\1995م صدمة كبيرة وشعورًا عامًا بالإحباط لدى قطاع كبير من المراقبين السياسيين الذين يتابعون التطور الديمقراطي في مصر، كما أصيبت قيادات المعارضة والقوى السياسية بالأسى والمرارة، في الوقت الذي يعيش فيه الشارع المصري حالة من التوتر والغضب العام، إثر التجاوزات والتدخلات السافرة التي شابت العملية الانتخابية طوال مراحلها وحتى نهايتها، مما أدى إلى فشل مرشحي أحزاب المعارضة و الإخوان المسلمون في الحصول على أي مقعد في الجولة الأولى، وسقوط معظم الرموز الفاعلة، بينما شارك حوالي ٦٠ معارضًا فقط في الجولة الثانية التي أجريت يوم الأربعاء الماضي للتنافس على 306 مقاعد أي أقل من %۲۰ من المقاعد المتبقية.
"المجتمع" عاشت داخل المعركة الانتخابية. ورصدت أهم الوقائع في يوم الأربعاء الحزين الذي أثار ضجة واسعة على كافة الأصعدة، مما دفع بالخارجية الأمريكية إلى الإعراب عن قلقها البالغ إزاء ما يحدث في مصر، وطالبت الرئيس مبارك بتشكيل لجنة تقصي حقائق بشكل فوري للتحقيق في وقائع التزوير الواسعة، والاعتداءات الوحشية التي تعرض لها خصوم الحكومة. ونقلت شبكة سي- إن- إن الأمريكية عن مصدر أمريكي قوله إذا كانت الإدارة الأمريكية تغاضت عن الانتهاكات التي تقوم بها بعض حكومات المنطقة، مقابل الحفاظ على مصالحها. فإنها تجد نفسها مضطرة إلى التصدي لهذه التجاوزات الخطيرة التي تحدث في مصر، نظرًا لأن مصر ثاني دولة تحصل على أكبر نصيب من المساعدات الأمريكية، لذا تجد نفسها مضطرة إلى وضع الانتهاكات بحق الديمقراطية وحقوق الإنسان في مصر في المرتبة الأولى.
ويمكن تلخيص أهم الوقائع فيما يلي:
أولاً : التضييق على مرشحي المعارضة والإخوان بشكل خاص
ويفيد التذكير هنا بأن التهمة التي أحالت السلطة ٨٢ من رموز الإخوان بسببها كانت عقد اجتماع للإعداد لخوض انتخابات مجلس الشعب، وتصاعدت الضغوط بشكل كبير مع اقتراب موعد الانتخابات سواء من حيث زيادة أعداد المعتقلين الذين بلغوا عدة آلاف (حوالي ثلاثة آلاف لا يزال بعضهم رهن الحبس حتى الآن)، إضافة لاستمرار الحملات الإعلامية والهجوم من جانب السلطة من خلال الإذاعة والتليفزيون والتصريحات والأحاديث الصحفية وافتعال القضايا للهجوم على الإخوان مثل تنظيم السويس... إلخ، وبلغ الموقف ذروته بالنسبة للإخوان، وهم أكبر قوة شعبية تواجه الحكومة. عندما أقدمت السلطة على إغلاق مقرهم قبل خمسة أيام من الانتخابات، ولم تسمح السلطة بالمؤتمرات الانتخابية أو المسيرات أو أية وسائل دعاية، وكثيرًا ما اعتقلت المرشحين وأنصارهم. وتعرض سيف الإسلام حسن البنا للاعتقال أكثرمن مرة أثناء تجواله في دائرة الدرب الأحمر.
ثانيًا: التزوير قبل يوم الانتخاب
واتخذ ذلك أكثر من صورة منها تسجيل أسماء ناخبين بأعداد كبيرة دون وجه حق. مثلما حدث من مرشح الحزب الوطني د عبد المنعم عمارة في دائرة مدينة نصر، حيث أضاف ۲۷ ألف صوت انتخابي مخالف للقانون، وهو ما أهدرته محكمة القضاء الإداري قبيل الانتخابات بأيام قليلة، وفي دائرة المنيل اكتشف الدكتور عبد الحميد الغزالي وجود ستة آلاف صوت مكرر واعترض، وتم إلغاء ٩٠ %منهم، وتكرر هذا السلوك بشكل كبير في معظم الدوائر من قبل مرشحي الحكومة، أيضًا اكتشف المستشار مأمون الهضيبي في دائرة الدقي أن الدكتورة أمال عثمان - وزيرة الشؤون الاجتماعية. والمرشح المنافس له قد استخرجت ۱۳۰۰ بطاقة انتخابية لموظفي الوزارة دون سند من القانون، وفي الثامنة من صباح الأربعاء كان هؤلاء الموظفون يقفون أمام اللجان الانتخابية للإدلاء بأصواتهم، وفي دائرة المنيل بالقاهرة حدث نفس الشيء، ولم يستطع وكلاء المرشحين أن يفعلوا شيئًا لأن الإجراءات في ظاهرها سليمة ومن صور التزوير أيضًا أن مرشحي الحكومة حصلوا على أسماء المقيدين في جداول الناخبين قبل فترة طويلة. مما مكنهم من الاستفادة منها دون بقية المرشحين، وأعطت الحكومة جميع مرشحيها رمزي (الجمل والهلال)، وهي أول الرموز بينما لم يحصل أي حزب أو اتجاه على رموز موحدة، حيث كان يطمع حزب الوفد في رمز النخلة التي عرف بها، والنجمة للعمل وهكذا.
ثالثًا: التزوير يوم الانتخاب
منذ الثامنة صباحًا بدأت أجهزة الأمن في شن حملة اعتقالات واسعة ضد مندوبي مرشحي المعارضة وبخاصة مندوبي مرشحي الإخوان، ففي دائرة المستشار الهضيبي تم إلقاء القبض على العشرات من مندوبي الدعاية، ومنعت الشرطة والإدارة المندوبين والوكلاء من التواجد داخل اللجان في الوقت الذي سمحت فيه لمندوبي الحزب الوطني بالتواجد.
وفي دائرة المطرية رفضت معظم اللجان السماح لوكلاء المرشحين الآخرين بالتواجد داخل اللجان حتى الثانية عشرة ظهرًا، مما دفع بالمرشح الإخواني مختار نوح إلى تقديم إنذار لرئيس اللجنة العامة للانتخابات بالدائرة، وبعد جهد تم السماح للمندوبين بالدخول لكنهم فوجئوا بأن أوراق التصويت قد انخفضت أعدادها إلى النصف.
وفي دائرة الدرب الأحمر افتعل الأمن قصة طريفة حول وجود قنبلة وتم إخراج جميع المندوبين، وقام بعض رؤساء اللجان ومندوبي الحزب الوطني بالتسوية لصالح مرشحي الحكومة، وبعد انتهاء المهمة أعلنت الشرطة عن وجود قنبلة.
وفي كثير من الدوائر كانت أقسام الشرطة ترفض منح التوكيلات، وإذا أعطت توكيلات لمرشحي المعارضة قامت بإلقاء القبض على الوكلاء قبيل الانتخابات كما حدث في دائرة مدينة بني سويف حيث ألقت أجهزة الأمن القبض على جميع وكلاء ومندوبي الحاج حسن جودة، مما أدى إلى الإعلان عن الانسحاب قبل يوم واحد احتجاجًا على موقف الشرطة والأمن.
وفي الثالثة عصرًا، وقبيل ساعتين من إغلاق الصناديق كان الموعد العام على مستوى الجمهورية لاقتحام اللجان تحت أي دعوى وملء البطاقات لصالح مرشحي الحكومة في ظل حماية الشرطة والبلطجية الذين كان لهم أكبر الأثر في الحوادث التي وقعت في هذا اليوم. وأدت إلى مقتل حوالي ٣٠ شخصًا وإصابة المئات في حوادث متفرقة على مستوى الجمهورية ففي دائرة الجيزة.
وفي الرابعة والنصف قبيل المغرب دخل الدكتور أحمد جويلي لجنة البساتين والري، ومعه عدد من كبار رجال الأمن وقام أعوانه بالتزوير، لكنه مع ذلك لم يتمكن من الفوز وله إعادة في الجولة الثانية.
وفي المحلة الكبرى حاصرت أجهزة الأمن محفوظ حلمي - مرشح الإخوان. وألقت القبض على ١٢٦ من أنصاره، ودفعت بعدد من البلطجية لمحاولة الاعتداء عليه وعلى أنصاره، وفي القرى والمناطق الريفية بشكل عام كانت عمليات تقفيل الصناديق، ومنع الناخبين تحدث منذ الثامنة صباحًا، وكان طبيعيًا أن يحصل كل مرشح على أبناء قريته، وهذا ساهم بدرجة كبيرة في تفتيت الأصوات وعدم حصول معظم المرشحين على النسبة المطلوبة لإعلان فوزهم (٥٠%+ صوت)، وحصل ١٣٦ فقط على هذه النسبة.
رابعًا: التزوير في الفرز
جرت عملية فرز الأصوات في أجواء درامية فعندما تشعر أجهزة الإدارة بأن مرشحي الحكومة في موقف ضعيف، تقوم بطرد المندوبين والوكلاء. أو تقوم بنقل الصناديق إلى أماكن أخرى لفرزها، وهنا يحدث الهرج والمرج مثلما حدث في دائرة الجيزة، ودائرة المطرية بالقاهرة والعديد من دوائر الوجه البحري، ولا يستطيع أحد أن يؤكد الرقم الذي حصل عليه حتى إن وزارة الداخلية كانت تعلن عن فوز البعض ثم تعود إلى قولها أنه يخوض الإعادة، ثم في النهاية تؤكد عدم حصوله على أصوات تؤهله للمنافسة في الإعادة، مثلما حدث مع المهندس إبراهيم شكري، وخالد محيي الدين رئيس حزب التجمع، ومع الدكتور أحمد عبده سلامة - مرشح الإخوان في دمياط وهكذا، ولذلك ازدادت بشكل كبير جدًا الطعون المقدمة أمام محكمة القضاء الإداري حول جميع الاجراءات التي شابت عملية الانتخابات وضرورة التحفظ على الصناديق، وإعادة فرزها من جديد. أمر آخر عند الفرز لاحظ بعض المرشحين أن هناك أوراقًا موجودة داخل الصناديق دون أن تكون مطوية، بمعنى أنها وضعت أثناء فتح الصندوق، وعندما طلب المرشحون من القضاة إلغاء هذه الصناديق استجاب بعضهم ورفض البعض الآخر، ففي دائرة المستشار الهضيبي الدقي تعادلت الأصوات بينه وبين الوزيرة حتى الصندوق رقم ١٠٤ وبقي ١٤ صندوقًا مطعون فيها، لكن المستشار رئيس اللجنة اعتمدها حتى تحصل الوزيرة على النسبة المطلوبة لفوزها، حيث كانت الأصوات الموجودة تكفي وزيادة. وعقب تأكد أجهزة الأمن من دخول أكثر من ثلاثين مرشحًا من الإخوان في جولة الإعادة، شنت حملة اعتقالات ضارية ضد أنصارهم ووكلائهم، ومندوبيهم حتى تساهم في إضعاف مواقفهم، بالرغم من كل الضغوط السابقة، ويتردد في أوساط السياسيين أن الحكومة سوف تبذل قصارى جهدها لمنع مرشحي الإخوان من الفوز بأي مقاعد، وعندما سألن المستشار الهضيبي قال إنه لا يستطيع التنبؤ بنتيجة انتخابات الإعادة، لأن المسألة ليست انتخابات، وإنما هي تزوير الدولة بسلطاتها وإمكانياتها الكبيرة، ومهما كانت مقومات مواجهة التزوير، فإنها لا يمكن أن تواجه الإمكانات الحكومية.
خبير سياسي أكاديمي قال له المجتمع ما حدث في الانتخابات من جانب السلطة هو جزء من أزمتها العامة، يضاف إلى حالة التخبط والفشل التي تدور فيها، لكن الرؤية المنطقية للأوضاع تشير إلى استحالة بقاء الحال على ماهو عليه خلال المرحلة المقبلة.