العنوان الانتخابات الإسرائيلية أم العربية؟!
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 11-يونيو-1996
مشاهدات 178
نشر في العدد 1203
نشر في الصفحة 41
الثلاثاء 11-يونيو-1996
هناك انتخاب ذو شجون، وهناك انتخابات أخرى ذات سجون، كما عبر عن ذلك أحدعلمائنا الأفاضل.
هناك ديمقراطيات تُحترم فيها حقوق الإنسان وآراؤهم وتوجهاتهم.
وهناك ديمقراطيات تتشرف بنسف الحقوق، وكتم الأنفاس، وقتل التوجهات، وفتح المعتقلات، وتفتخر بالأحكام العرفية والاستثنائية، وإنشاء السجون، والمحاكم العسكرية، والضرب في المليان، وتزهو بضرب الدستور بالحذاء، وأحكام القضاء بالصرمة القديمة، وتصرخ بالفم المليان في الأمة: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ (سورة غافر: 29).
هناك ديمقراطيات تعرف تداول السلطة، ويرحب حاكمها باختيار الشعب، وتفسح المجال للخصم أو للمعارضة بالمناظرة والمنازلة، وباستعمال وسائل الإعلام المختلفة لشرح أهدافه، وتوضيح برنامجه الانتخابي، وخطته في الإصلاح، وعقد الندوات، وإقامة التجمعات، والاتصال بالناس، ونقد الحكومة والدولةوخطتها وأعمالها وتوجهاتها.
وهناك ديمقراطيات يجلس الحاكم فيها إلى أبعد الأجلين «وعلى قلبها إلى طولون» ينوب الحاكم فيها عن الشعب، وينتخب له، ويتكلم باسمه، ويوقع عنه، ولا تفسح مجالًا للرأي الآخر، لأنه إرهابي، أو أصولي، أو متطرف، أو انتهازي، أو وصولي، أو يريد الحكم، أو يزدري الحكم، أو يريد أن يكون حزبًا، أو عنده توجهات، أو نيات، أو تطلعات، أو له عباءة يختبئ فيها الإرهاب، أو حتى «جاكته!»، كما لا يسمح فيها للمعارضة بالنقد أو إظهار الفساد، أو «اللهف»، أو بيع البلاد والعباد، ولا مناظرات تقام، أو مساجلات تعقد، ولا انتخابات قمة أصلًا، لأن الرئيس هو الأوحد في الأمة وهو الأفضل، وهو الأعظم، وهو الذي لم تنجب غيره الأمة، فكيف يترشح أحد أمامه، ولكن لا بد من أخذ رأي الشعب أيضًا، ويظل يجري كفرس واحد في سباق منفرد، ولكنه والحق يقالسريع جدًّا كالسلحفاة.
وأما عن استعمال وسائل الإعلام للخصم، فالحق يقال إنه ليس له حق في ذلك، لأنها ملك الدولة، وليست ملك المعارِض ولا ملك أبيه.
وأما عن عقد الندوات والتجمعات، فهذا محرم بالقانون، فكيف يخالف المعارض القانون، وممكن للدولة أن تخالف القانون، وتعقد الاجتماعات، وتقيم السرادقات، لأنهاهي صاحبة القانون، وهي التي يحق لها أنتتمتع به، إذًا يا صديقي أريد أن أعرف منك: أي الديمقراطيات خير مكانًا وأحسن نديًّا؟
إننا يا صديقي نعيش في زمن العجائب الديمقراطية، والمتحدث عن الديمقراطيات، أو عن الحريات، أو عن المجتمع المدني، أو عن الشورى، أو عن حقوق الإنسان في كثير من مجتمعاتنا إنما يتحدث عن العنقاء، أو عن الخل الوفي كما يقولون.
إننا يا أخي أول من حكم بالشورى في العالم، وأول من علمها الإنسانية، وأول من جعلها قانونًا واجب النفاذ حتى زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، حيث قال ربنا: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (سورة آل عمران: 159)، ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾ (سورة الشورى: 38). كما كانت الشورى تستند إلى ممارسات الرسول صلى الله عليه وسلم، حيث كان صلى الله عليه وسلم يقول: «أشيروا عليَّ أيها الناس» في معرض التفاعل مع المسلمين، وكان الرسول صلى الله عليه وسلمكرئيس لدولة المدينة مأمورًا بالشورى، وكان التطبيق العملي من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما لا وحي فيه يؤكد وجوب الشورى لأنها خير وسيلة لتربية الأمة وإعدادها للقيادة الرشيدة، وتدريبها على حمل التبعات، وقد شاور الرسول صلى الله عليه وسلمأصحابه في الخروج لمواجهة تجارة قريش قبل غزوة بدر، وشاورهم في ملاقاة قريش عندما خرجت تدافع عن تجارتها، وشاورهم في مكان المعركة، ثم شاورهم في أسرى بدر، ثم شاور الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه في غزوة أحد، وكان يرى البقاء في المدينة، ولكنه نزل على رأي الأغلبية التي رأت الخروج، وشاور الرسول صحابته في غزوة الخندق في حفر الخندق، وفي مصالحة الأحزاب حول المدينة، ورأت الأنصار عدم مصالحتهم فنزل على رأي الأنصار، وهكذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم كما يقول أبو هريرة: «أكثرنا مشاورة لأصحابه»، لأنه كان يعلِّم أمته ويريد الله بالمشاورة رحمة الله من نير الخلاف والافتراق، فيعلمهم كيف يستثمرون الآراء ويستفيدون من أصحاب العقول.
يروي ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزلت ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ قال صلى الله عليه وسلم: «أما إن الله ورسوله لغنيان عنها، ولكن جعلها الله رحمة لأمتي، فمن استشار منهم لم يعدم رشدًا، ومن تركها لم يعدم غيًّا».
فمن يا ترى الذي استعمل الشورى عندنا اليوم ورشد؟ ومن تركها وغوى؟ ومن الذي اقتدى برسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ونحن نرى اليوم الشعوب التي تأخذ بالشورى واحترام الرأي الآخر ترشد وتقوى وتسود، والشعوب التي لا تأخذ بالشورى ولا تحترمها تعيش في ضنك وغواية وضعف وهوان وضياع.
إن الانتخابات الإسرائيلية هذه الأيام تدعو إلى التأمل، كيف استطاع شعب صغير تجمَّع من شذاذ الآفاق -كما يقولون- أن يبني نفسه؟ إنها الديمقراطية الصحيحة التي تحترم الإنسان وتطلق طاقاته، وتراعي توجهاته، وتراقب التصرفات، وتجدد الدماء، وتستفيد من كل طاقة وإبداع في الإنسان. وأعجب للصوت العربي في إسرائيل لأنه يُحترَم، كيف يُحتَرم الصوت العربي في إسرائيل ولا يُحترم في الدولة الفلسطينية التي يرأسها عرفات؟! ماذا يقول عرفات الذي يسفك حقوق الإنسان، بل ودم الإنسان العربي وعرضه، ويفتح المعتقلات للمجاهدين والصحفيين والمعارضين من أول يوم حل فيه غزة؟ ماذا يقول لعرب إسرائيل؟ وبماذا يعدهم؟ أليست هذه كارثة؟ وماذا يقولون له؟ ألا يقولون له سحقًا سحقًا، وبعدًا بعدًا، إن حجم الاعتقالات مهول، وتعذيب المعتقلين بالأيدي العرفانية لم يسبق له مثيل، وتحدث عنه القاصي والداني، وما هذا إلا لأن شرطته نسخة عربية، وعقليته نسخة سلطوية مكررة، كتب على الأمة أن تتوشح بسوادها.
أرأيت أيها الشعب العربي الأبيّ «هكذا تقول صحفنا» الأبي!: كيف فاز الليكود الصهيوني الإرهابي الذي قتل رئيس وزراء إسرائيل؟ وكيف أقيمت للإرهاب دولة رغم أنف الجميع.. أمريكا والغرب والعرب؟ لأن صوت الناخب محترم، أرأيت كيف انتخب إيغال عمير في سجنه وقد قتل رئيس الوزراء؟أرأيت كيف تنازل شيمون بيريز بسهولة وتوارى احترامًا لشعبه؟ أرأيت كيف هنَّأ المنتصر «نتنياهو» بالفوز؟
أرأيت الديمقراطية التي تبني الأمم، وتؤسس الشعوب، وتطلق الطاقات، وتدعو إلى احترام الجميع لأنها تستند إلى سلطة شرعية؟ لكننا ما زلنا نحكم بالحق الإلهي، وبالألوهية الديمقراطية التي صنعناها على مقاسنا، ديمقراطية أممت المؤسسات التشريعية والتنفيذية، والنقابات، والمؤسسات، والصحافة، والتلفزيون، والمساجد، والإعلام، والإنسان العربي كله، وحولتهم إلى موظفين، بل إلى عسكر، وحكمت بشعارات الديمقراطية لا بالديمقراطية، وأنشأت نخبًا «أراجوزية» تقيم لها الأفراح والليالي الملاح، وتحرضها على المخلصين في الأمة، فهل ترانا يا أخي ارتقينا حتى نصير شعوبًا؟ وكبرنا حتى نكون رجالًا؟ وتحررنا حتى يكون لنا رأي؟أم ماذا؟ هل نستطيع أن نقول رأيًا أم نكون أنا وأنت مثل هذا القائل:
تكلم منا في الوجود عيوننا *** فنحن سكوت والنوى يتكلم!