; دور الحركات الإسلامية المعاصرة في البعث الإسلامي (الجزء الأخير) | مجلة المجتمع

العنوان دور الحركات الإسلامية المعاصرة في البعث الإسلامي (الجزء الأخير)

الكاتب عبدالكريم عثمان فادي

تاريخ النشر الثلاثاء 22-مايو-1979

مشاهدات 62

نشر في العدد 446

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 22-مايو-1979

  • مد الجسور بين الحركات الإسلامية لتحقيق عالمية الدعوة

عرض الكاتب في الجزء السابق من هذا البحث دور الحركات الإسلامية في مجال الفكر، وهو هنا يعرض لدورها في مجال الحركة وفي المجال التنظيمي، وبه ينتهي هذا البحث.

ثانيًا: في مجال الحركة

قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ (البقرة: ٢٥١).

وهنا أود أن أقصر دور الحركة في مجال التحرك على أولويات هذا التحرك ونهجه وسماته: فالحركة الناجحة تتسم بالسمات التالية:

  1. بالربانية: فهي ليست وضعية، وتستمد حقيقتها وقيمتها من الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم: «بعثت بالقرآن ومثله».

أو كما قال.

  1.  بالإيجابية: هذه الإيجابية التي تؤكد أهمية حياة الإنسان في تحقيق معنى وجوده من خلال النظرة الكلية الواقعة لعلاقة الإنسان بالقضايا الرئيسية التي ذكرناها آنفًا: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ (الرعد: ١١).
  2.  بالواقعية: فلا نقيم نظريات أو فلسفات على أساس المنفعة دون ضوابط كما في الفلسفة الغربية (البراجماتزمية) فتعمد على هدم مقومات الحياة الفطرية في المجتمع لتقيم الحياة على تلك النظرة المنحرفة.. فللحركة الإسلامية نظرتها الواقعية نحو الإنسان فلا تجعله إلهًا كما في الفلسفة اليونانية، أو موسومًا بالخطأ الأزلي كما في النصرانية، أو حيوانًا راقيًا كما في نظرية التطور والنشوء. ولها فطرتها الواقعية المتزنة تجاه الفرد والمجتمع فلا تعتبر الفرد كل شيء كما في المذهب الفردي «الليبرالي» أو تعتبر المجتمع كل شيء كما في النظام الاشتراكي.
  3. بالحركية (أو الحركة الدائبة) فالحركة الإسلامية دائبة التحرك، من طور إلى طور، ومن مرحلة إلى أخرى، حتى تحقق غاياتها والغاية القصوى من رسالتها. والقرآن حافل بالآيات التي تحدد العلاقات بين الأفراد والمجتمعات المسلمة وغير المسلمة عبر مراحل تكوين الدولة الإسلامية الأولى في مكة وفي المدينة، ويمكن الرجوع إليها في السور الأولى من البقرة حتى التوبة السورة التي تحدد العلاقات النهائية بين هذه المجتمعات في ظل الدولة المسلمة.
  4. بالعالمية: وهذه السمة يقتضيها مفهوم الإسلام الشامل كدين للبشرية جمعاء ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (سبأ: ٢٨).
  5. بالأيديولوجية: أي بالفلسفة أو المذهبية الاجتماعية التي تعتبر الجامع المشترك الأعظم في العلائق التي تربط بين الإنسان وقضايا الحياة والوجود.. وهذه الفلسفة ترتكز على عقيدة التوحيد (وحدانية الله) التي تعتبر المصدر الأولي للتصور الإسلامي والمواقف الإسلامية من هذه القضايا: 

﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (الحديد: ٣)

  1. بالأخلاقية:

تعني الحركة الإسلامية بالقيم الأخلاقية التي تضبط السلوك في التعامل والعلاقات الاجتماعية. فمثلًا نجد في المجتمعات والأنظمة الاجتماعية غير الإسلامية التي تبني العلاقات الاجتماعية على أساس نظرية المنفعة فالعرض والجنس ليس له صلة بالأخلاق في تصور هذه الأنظمة بعكس النظام الإسلامي الذي تبرز أهمية هذه القيم الأخلاقية ومكارمها (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق). أو كما قال.

  1. بالاحتواء:

هذه الخاصية أو الخصيصة تكمن في كل تشريع إسلامي يتصل بالعلاقة بين الفرد المسلم وغير المسلم وبين المجتمع المسلم وغير المسلم. والأمثلة على ذلك كثيرة (علاقة أسرى الحرب مع المجتمع المسلم، العلاقة بين الزوج المسلم والزوجة الكتابية) والحكمة من ذلك إعطاء الفرصة لغير المسلم (فردًا أو مجتمعًا) للاستماع إلى كلام الله واستساغة القيم الإسلامية من خلال تعامله مع الفرد أو المجتمع المسلم.

﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ (التوبة: ٦).

فتحقيقًا للخصائص والسمات التي يجب أن تتوفر في الحركة الإسلامية المعاصرة ومن أجل إمكانية مواجهة الواقع المراد تغييره إلى مجتمع مسلم بما يكافئه من إجراءات وخطوات يراعي ما يلي:

  1. دراسة الواقع المراد تغييره دراسة علمية مستفيضة من قبل إسلاميين متخصصين.
  2. التعرف على مواطن الفساد والضعف والعيوب المرضية التي تكتنف البيئة الاجتماعية للمجتمع المراد تغييره مع التعرف أيضًا على بواعث هذا الفساد والضعف.
  3. تحديد الحلول العملية الإسلامية ومعرفة أولويات العمل والتحرك الإسلامي حتى يمكن تحقيق أكبر قدر من أهداف البرامج التي تتبناها الحركة من أجل أحداث البعث الإسلامي والتغيير الإسلامي.
  4. التخطيط الملائم وظروف وإمكانات المجتمع وموالاة البرامج بالإشراف والتقويم والتعديل اللازم.
  5. تنسيق خطة الحركة المحلية وتدبيرها في إطار الخطة الإسلامية الدولية -العالمية- وذلك لأن ربط الحركة المحلية بالحركة الإسلامية الدولية لها إيجابيتها وأهميتها وفوائدها الجمة نذكر منها (على سبيل المثال)  ما يلي:

أ- ضمان توفير أكبر قدر ممكن من الإمكانيات التي تعمل على سد حاجة الحركة المحلية حسب ما تقتضيه الأولويات الفعلية. فالعمل المنفصل عن التنظيم الدولي قد يلجئ الحركة المحلية إلى إعادة ترتيب أولويات العمل الإسلامي حسب إمكاناتها (وليس حسب الاحتياجات الفعلية اللازمة للعمل الإسلامي وأولوياتها) بمعنى أن الحركة المحلية قد تضطر إلى التجاوز من أولوية أولية إلى أولوية ثانوية أو إلى أولوية تعتبر في الدرجة الثانية من حيث قيمتها في تحقيق أهداف الحركة.

ب-إن الحركة المحلية المعاصرة أصبحت تواجه ضغوطًا متعددة من الداخل -على المستوى المحلي- ومن الخارج على المستوى الدولي.

فاستراتيجية المواجهة الواقعية لهذه الضغوط تقتضي تنسيق الجهود والمخططات مع التنظيم الإسلامي الدولي.

ج-الشعور بوجود الارتباط العضوي بالتنظيم الإسلامي الدولي يرفع الروح المعنوية بين أفراد الحركة المحلية ويكسب الحركة المحلية زخات من النشاط والإنجاز.

وفي الوقت نفسه وجود هذا الارتباط يجعل الحكومات المحلية والقوى المناوئة للحركة الإسلامية تعيد النظر في مسألة البطش بالحركة الإسلامية وتحسب لها ألف حساب. 

﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ﴾ (المائدة: ٢)

﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ﴾ (الحج: ٤٠).

«المسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضًا»

د- تحقيق عالمية الدعوة وعالمية الحركة وذلك بإقامة تنظيم إسلامي حركي دولي موحد، ومد الجسور بين الحركات الإسلامية المحلية المعاصرة (كتبادل الخبرات والتنسيق والتدعيم) من جهة، ومد الجسور أيضًا بين هذه الحركات والتنظيم الدولي المشرف عليها من جهة أخرى، وذلك على مستوى القيادات والقواعد معًا، لضمان التفاعل الحركي بين الحركات الإسلامية المحلية في العالم واتساقية الحركة الإسلامية العالمية.

  1.  متابعة نجاح أو فشل أي حركة إسلامية محلية بالدراسة الموضوعية والعمل على تفادي الأخطاء والنكسات بقدر الإمكان.
  2. العمل على إحداث تفاعل بين الحركة والمجتمع بحيث تشمل الحركة العاملين بالتنظيم وأفراد المجتمع المراد إحداث التغيير الإسلامي فيه.

وذلك حتى تكون الحركة العامل الرئيسي في خلق الظروف والأحداث فلا تكون أعمالها ومواقفها رد فعل لأحداث المجتمع التي تصنعها قوى غير إسلامية.

  1. ضرورة التخطيط من الحركة الإسلامية الدولية لتحرير الدول الإسلامية في أنحاء العالم، وتدعيم الحركات المحلية، وتنسيق الجهود والخطوات بل الاستراتيجية الحركية.

ثالثًا: في المجال التنظيمي

ونعني به هنا دور الحركة في بناء الجهاز التنظيمي للحركة ورفع كفاءته الإنتاجية، وهذا يعني: 

  1. ضرورة تأسيس التنظيم الإسلامي بحيث يتحقق فيه:
    1. متانة القاعدة: عن طريق إعداد وتربية أعضاء التنظيم حتى يشكلوا القاعدة الصلبة لتصمد صمود القاعدة الصلبة التي رباها الرسول صلى الله عليه وسلم في العهد المكي.
    2. تنويع الأجهزة التابعة للتنظيم بما يعطي حاجة الحركة في مناطق عملها ويضمن استمرارية العمل الدائب السريع والمرن حسب مقتضيات وتقلبات الظروف التي تعاصر الحركة.

ج- القدرة على أخذ زمام المبادرة والتحرك السريع المدروس تحت أي ظروف.

  1.  ممارسة الشورى الإسلامية والعمل على صقل المهارة في هذه الممارسة مقابل ممارسة التنظيمات غير الإسلامية للديمقراطية، فأي حركة إسلامية إذا تهيأت لها الظروف لإقامة الدولة المسلمة، لا تستطيع أن تطبق الشورى ما لم تتدرب مسبقًا، من خلال تنظيمها على ممارستها، فإن الصورة النموذجية للمؤسسات الشورية التي تتناسب مع طبيعية المجتمع المسلم المعاصر لا يمكن أن توفق الحركة الإسلامية في الوصول إليها إلا بعد ممارسة طويلة من خلال التنظيم ودراسة عميقة من قبل الإسلاميين المتخصصين.

وأخيرًا، فإن هذه مجرد خواطر من واقع الملاحظة والاحتكاك بالحركة الإسلامية في هذه الدنيا الجديدة.

والله من وراء القصد.

 

الرابط المختصر :