; الإسلام والمسلمون في جنوب أفريقيا | مجلة المجتمع

العنوان الإسلام والمسلمون في جنوب أفريقيا

الكاتب عزام التميمي

تاريخ النشر الثلاثاء 01-مارس-1994

مشاهدات 91

نشر في العدد 1090

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 01-مارس-1994

عزام التميمي يكتب من: جوهانسبرج

على رأس ربوة تبعد حوالي 100 كيلومتر عن مدينة ديرين، ثالث مدن جنوب أفريقيا، تقع كلية السلام الإسلامية التي أنشأها الداعية أحمد ديدات عام 1960 بعد أن تبرعت عائلة هندية مسلمة تدعى كدوه بمساحة 75 هكتارًا من الأرض لغرض إقامة الكلية ومرافقها عليها.

وكان الهدف ولا زال من إقامة هذه الكلية نشر الدعوة الإسلامية في أوساط الأفارقة ومتابعة من يسلم منهم بالتعليم والتربية حتى يحسن إسلامهم ويساهموا بدورهم في نشر الإسلام بين أهاليهم.

وهذه المنطقة تسكنها قبائل الزولو التي يحكى أن أبناءها يمارسون كثيرًا من العادات الإسلامية دون أن يدركوا أصلها، مما يؤكد الظن بأن هذه القبائل وصلها الإسلام فيما مضى من الزمان ولكن طمست معالمه في أراضيها بعد أن غزاها الأوروبيون المستعمرون، وفرضوا عليها التنصير بالقوة.

والذي يرى الكلية ومرافقها لا يتوقع أن يرى في هذه المنطقة النائية جامعة متكاملة تحتوي على فصول دراسية ومختبرات علمية وسكن داخلي للطلاب والطالبات ومساكن عائلية للعاملين فيها، ومرافق تغذية وصالة رياضية ومساحات زراعية شاسعة. وقد تطورت المدرسة بشكل ملحوظ حين استلمت إدارتها حركة الشباب المسلم في جنوب إفريقيا بعد تفرغ الأستاذ ديدات للعمل الدعوي في ديرين، ثم بعد أن أُلقي أمر المدرسة إلى لجنة السلام الإدارية، وهي مجموعة من الأطباء والمهندسين والأساتذة المسلمين أوكل إليهم أمر المدرسة منذ عام 1978م.

مميزات كلية السلام

والأمر الذي يميز هذه المدرسة عن غيرها من المدارس الإسلامية في جنوب أفريقيا أنها تتخصص في تعليم الأفارقة من غير المسلمين أو ممن دخلوا في الإسلام حديثًا، بينما تهتم معظم المدارس الأخرى، وهي كثيرة جدًّا، بتعليم أبناء الجالية المسلمة من ذوي الأصول الهندية أو المالاوية.

وعلى الرغم مما تتركه هذه المدرسة في وجدان الزائر من سعادة وانطباع إيجابي، إلا أنها تذكر بمدى المأساة التي سببها نظام التفرقة العنصرية حتى سنوات قليلة مضت، ذلك النظام الذي كان يعتبر الدين الإسلامي دينًا غير شرعي، والذي منع المسلمين الوافدين من الاختلاط بالأفارقة أو الدخول إلى أماكن استيطانهم؛ حتى أن الإمام عبد الله هارون الداعية المجاهد لقي الله صابرًا محتسبًا في سجون الأبارتيد بسبب إصراره على الدعوة إلى الله بين الأفارقة.

ومع ذلك، يرى أبناء الحركة الإسلامية في جنوب أفريقيا أن من غير الإنصاف توجيه اللوم كله للنظام العنصري البائد واتهامه وحده بالحيلولة دون انتشار الإسلام على الرغم من مرور ما يقرب من 300 عام على وصول أول مسلم إلى البلاد. ويرى هؤلاء أن المسلمين، وخاصة أولئك الذين وفدوا على جنوب أفريقيا من شبه القارة الهندية، وهم في الغالب جاءوا طلبًا للرزق والتجارة، لم تشغلهم قضية الدعوة، وتقوقعوا على أنفسهم ومارسوا الإسلام كما لو كان خاصية هندية أو ثقافة شرقية هي حكر عليهم، ويضربون على ذلك الأمثال، مؤكدين على أنه بالرغم من أن فصل الجاليات حسب لونها من قبل النظام العنصري ومنع التزاوج بينها رسخ مفهوم الإثنية، إلا أن المؤسسات الدينية الإسلامية لم تبذل جهدًا كافيًا في مقاومة هذه الإجراءات، ومن ذلك تخلي مجالس العلماء عن الإمام عبد الله الهارون في وقت شدته، وحظرهم على أبناء المسلمين الخوض في القضايا السياسية داخل المساجد بحجة التقيد بقوانين الدولة العنصرية.

عوائق انتشار الإسلام في جنوب أفريقيا

ويتساءل العاملون للإسلام عن سر عجز المسلمين في العصر الحديث عن نشر الإسلام بين الأمم الأخرى على الرغم من انتشارهم في مختلف بقاع الأرض، ويعتبرون ذلك العجز دليلاً على خلل كبير يتمثل في تحول المسلمين إلى تجمعات عرقية أو قومية لا تبالي إلا بمصالحها الذاتية، ولا ترى في الإسلام رسالة عالمية يتوجب نقلها إلى الآخرين.

ومما يشكو منه هؤلاء النشطاء تعطيل المساجد من قبل الهيئات الدينية على الرغم من تمتع المسلمين قديمًا وحديثًا بحرية جيدة في إدارة مساجدهم ومدارسهم وكل ما يتعلق بأمور الدعوة. فعلى سبيل المثال: لا يزال الخطباء يستوردون من الهند والباكستان على الرغم من أن القليل جدًّا من أبناء المسلمين في جنوب أفريقيا يفقهون الأردية، ويصر هؤلاء الخطباء على إعطاء المواعظ والتوجيهات وحتى الإعلانات قبل صلاة الجمعة وفي غير ذلك من المناسبات باللغة الأردية، بينما تُلقى الخطبة التي يُقصد منها تنبيه الناس وتوجيههم وحثهم على الخير ونهيهم عن المنكر - باللغة العربية، ولا يستغرق أداؤها سوى دقائق معدودة، حيث تتمثل في تلاوة آية من القرآن الكريم وحديث شريف ثم الدعاء للصحابة والأتباع.

وفي صحوة من نوع خاص تتزايد أعداد الشبان المسلمين الذين يشكون من هذه المشكلة، والذين باتوا يصرحون علنًا بأنهم لم يعودوا يحتملون هذه الشعائر التي لم تعد تمت لهم بصلة، والتي صاروا يعون أنها ليست من الإسلام في شيء. فهؤلاء الخطباء المستوردون الذين يطلق عليهم لقب «مولانا» يحرمون إلقاء الخطبة باللغة الإنجليزية أو بأي لغة أخرى غير العربية، كما لا يجيزون للمسلمين الاطلاع على ترجمة معاني القرآن الكريم بحجة أن ذلك سيؤدي بهم إلى سوء الفهم، مصرين على أن القرآن إنما يتعبد العامة بتلاوته دون الحاجة إلى إدراك معانيه، لأن تلك هي مهمة «مولانا» وحده وهو الذي يشرح المعاني للسائلين باللغة الأردية التي كما أشرنا سابقاً لا يفهمها إلا القليل من الناس.

وهذا الذي يحدث في جنوب أفريقيا إنما هو صورة لما يشاهد في أوساط الجاليات المسلمة التي استوطنت في البلاد الغربية؛ ففي بريطانيا مثلاً تُمنع الخطبة باللغة التي يفهمها الناس، وتُعطى المواعظ بالأردية التي لا يفهمها سوى المسنين، ولا يبذل المسلمون جهدًا في نشر الإسلام بين غير المسلمين، وكأن الإسلام هو حكر عليهم وثقافة خاصة بهم. وكم هو الفرق الشاسع بين هؤلاء وأولئك الدعاة المجاهدين الذين نقلوا الإسلام بسلوكهم ومنطقهم وحسن تعاملهم إلى كثير من بلدان آسيا وأفريقيا، حتى أن ماليزيا و أندونيسيا وكثيرًا من أقطار أفريقيا اعتنق أهلها الإسلام على أيدي التجار المسلمين الذين صدقوا الناس في أقوالهم وأعمالهم، وأوصلوا اليهم مشاعل الهدى، دون أن تحول تجارتهم واهتماماتهم الخاصة دون ذلك.

ويواجه منتسبو الحركة الإسلامية في جنوب أفريقيا هذه الأيام مشكلة أخرى ربما كانت نتيجة مباشرة لما يصفه البعض بالظاهرة الكنسية عند بعض المؤسسات الإسلامية؛ الأمر الذي يتعارض مع الدعوة الإسلامية إلى العدل والمساواة والحرية.

ويثير بعض مدعي العلم والمتطفلين على الفقه الشكوك حول إباحة الإسلام للطائفة المسلمة في المجتمع غير المسلم المشارك في إدارة أمور البلاد مقترحين أن على المسلمين الانغلاق على أنفسهم والانعزال حتى يقبل المجتمع كله، الذي لا يشكل المسلمون فيه أكثر من 2,5 بالمائة، بتحكيم الشريعة الإسلامية، ويخشى الشبان المسلمون أن تؤدي هذه السلبية إلى الإساءة إلى الإسلام من حيث يُدري أو لا يدري المسيئون؛ إذ كيف يمكن أن تُشرح مثل هذه المواقف السلبية لملايين الأفارقة السود الذين ناضلوا عقودًا طويلة للتحرر من نظام الأقلية البيضاء الذي جردهم من إنسانيتهم وحرمهم أبسط حقوقهم في العيش بكرامة وحرية؟ كيف يمكن للمسلمين، ودينهم دين الحرية والعدل والمساواة، أن يُعارضوا عملية سياسية تستهدف تحقيق هذه المعاني النبيلة؟

وما يُدهش المراقب هو أن الفئات التي تطالب بالمقاطعة والانعزال، على الرغم من قلتها، تتمتع بقدرات إعلامية لا بأس بها وتنظيمات كلامية تنطلي على كثير من العوام، وتتحرك بموجب تنسيق دقيق مع جماعات تحمل نفس هذه الأفكار في شبه القارة الهندية، كما لو كانت جنوب أفريقيا ولاية من ولايات الهند. والبعض الآخر من هذه الفئات يحمل أفكارًا تشبه تلك التي تنادي بها بعض الأحزاب المنحرفة فكريًّا والمعروفة بالمغالاة والتطرف.

 ولذلك، تبذل الحركة الإسلامية في جنوب أفريقيا جهودًا كبيرة عبر عقد الندوات واستقدام المحاضرين ذوي الاختصاص من العالم العربي والإسلامي، وإقامة الحوارات على مختلف المستويات لتوعية المسلمين بأهمية المشاركة في العملية السياسية القادمة، معتمدين في ذلك على استنباطات الفقهاء والمفكرين السياسيين القدماء منهم والمعاصرين.

تضحيات الإمام هارون

وَضمن حملات التوعية هذه تبرز قصة الشيخ المجاهد الإمام عبد الله هارون الذي ضرب أروع الأمثلة في الوقوف في وجه نظام الأقلية العنصري مستيقنًا بأن البشرية بحاجة إلى الإسلام حتى تتغلب على المآسي الناجمة عن ظلم الإنسان لأخيه الإنسان، وفي الوقت الذي كان فيه معظم العلماء المسلمين في جنوب أفريقيا يلتزمون موقفًا اعتذاريًّا سلبيًّا، عكف الإمام هارون على استخلاص العبر من الحوادث التاريخية بعقلية المسلم المتفكر، فتوصل إلى أن الإسلام ليس مجرد قائمة طويلة من الأفكار والتعاليم، بل هو المفتاح الصحيح لفهم العالم الذي نعيش فيه وأثارت فيه آيات القرآن الكريم حماسًا منقطع النظير للعمل من أجل تحرير البشر من استعباد البشر، فقد كرم الله بني آدم وحق لهذه الكرامة أن لا يُعبث بها أو يُنتهكها الرجل الأبيض في جنوب أفريقيا.

تنقل الشيخ في مستوطنات الأفارقة السود من لاتفا إلى نياتها إلى كوفوليتو وغيرها في نشاط أثار المخابرات العنصرية ضده فوضعوه تحت المراقبة ثم ألقوا القبض عليه في الثامن والعشرين من مايو (أيار) 1969م بينما كان يستعد للتوجه إلى المسجد لإلقاء درس بمناسبة المولد النبوي الشريف، ويرى المسلمون أن اختيار يوم المولد الشريف لإلقاء القبض على الشيخ كان مقصودًا للإمعان في امتهانه وتوجيه صفعة للجالية المسلمة جميعًا. وبعد 133 يومًا من الاعتقال تعرض خلالها الشيخ لضروب شتى من الإيذاء لقي الله شهيدًا بعد أن ألقى به الحرس من أعلى الدرج.

 إن التضحيات التي قدمها الإمام هارون والجهود التي يبذلها الدعاة الصادقون هي التي تجعل الإسلام يتقدم رغم الصعاب، وفي المرحلة الجديدة التي تقبل جنوب أفريقيا عليها، يمكن للإسلام أن ينتشر ويترسخ بسرعة كبيرة إذا ما توفرت الإمكانيات المناسبة لدعم الدعوة إلى الله، وبناء المزيد من مراكز التوعية الإسلامية لتربية من يعتنق الإسلام حديثًا، وتأهيل عدد أكبر من المسلمين الأفارقة عبر المنح والبرامج الدراسية محليًّا وخارجيًّا للعمل في مجال الدعوة حتى لا يظل الإسلام في أذهان الناس هنديا، وكذلك تيسير السبل لتعلم اللغة العربية على نطاق واسع لأنها لغة القرآن، وهي لذلك أحرى بأن يتعلمها المسلمون من غيرها من اللغات الوافدة.

ويرى الشبان المسلمون العاملون في حقل الدعوة أن جنوب أفريقيا بحاجة إلى عدد كبير من الدعاة العرب المثقفين القادرين على تفهم أوضاع البلاد وشرح الإسلام للأفارقة بلغة إنجليزية بسيطة والمشاركة ببرامج تعلم اللغة العربية.

هناك حاجة ماسة إلى تكرار نموذج كلية السلام من مختلف أنحاء جنوب أفريقيا، تلك البلاد التي كان كثير من أهلها قبل الاستعمار الهولندي مسلمين ولم يتبق لهم من ذلك الإسلام سوى بعض الممارسات التي لا تكاد تعرف أجيالهم المعاصرة أصلها، مثل الختان والطهارة من النجاسة والامتناع عن أكل لحم الخنزير.

جوهانسبرج : عزام التميمي

بينما تستعد جنوب أفريقيا لإجراء انتخاباتها التشريعية الأولى بعد إلغاء التمييز العنصري وتوصل الأفارقة والبيض إلى صيغة لبناء مجتمع ديمقراطي يحضر المسلمون، الذين يشكلون 2,5 بالمئة من سكانها حوالي المليون من أصل أربعين مليونًا، لاحتفالات كبيرة لإحياء الذكرى المئوية الثالثة لنزول أول مسلم إلى أراضيها، وعلى الرغم من مرور ثلاثمائة عام على تلك الحادثة التي وصل بسببها الإسلام إلى هذه البلاد النائية، إلا أنها المرة الأولى التي يتمكن المسلمون فيها من الاحتفال على نطاق واسع بمثل هذه المناسبة، وما ذلك إلا بفضل إقبال البلاد على مرحلة جديدة، يرجى أن يتمتع المسلمون في ظلها بحرية دينية أكبر بعد قرون من القهر والحرمان.

لم يزل المسلمون في جنوب أفريقيا منذ ثلاثة قرون يعلمون أولادهم جيلًا بعد جيل أن الشيخ يوسف، العالم المكي المجاهد، وأهله ومجموعة من صحبه ومريديه الذين تنحدر منهم العائلات المسلمة المالاوية في إقليم الكيب أبعدوا من بلادهم في الملايو إلى رأس الرجاء الصالح، بعد أن أعيا الهولنديون كفاحهم وبلغت مقاومتهم لسيطرتهم الاستعمارية على بلادهم حد الثورة الشعبية. وكان نزول الشيخ وصحبه بساحل أفريقيا الجنوبي في الثاني من إبريل (نيسان) 1994م، بعد رحلة شاقة تضمنت اعتقالهم في مدينة كولومبو السيلانية (سيريلانكا) لمدة عامين تقريبًا، وتعتبر قصة الشيخ يوسف وصحبه من أهم معالم التراث الإسلامي في هذه البلاد لأنها تروي قصة المعاناة والاستعباد والاستغلال التي تعرض لها شعب جنوب أفريقيا على أيدي الهولنديين ثم البريطانيين ثم على أيدي نظام الأقلية البيضاء الذي استحدث التفرقة العنصرية المعروفة باسم أبارتايد والتي قسمت السكان على أساس اللون إلى بيض وهنود وملونين وسود.

مسلمو جنوب أفريقيا اليوم موزعون في ثلاثة أقاليم رئيسة في إقليم ترانسفال وعاصمته جوهانسبرج، وإقليم ناتال وعاصمته مدينة ديربان، وإقليم الكيب (عند ملتقى المحيطين الأطلسي والهندي) وعاصمته مدينة كيب تاون، ومعظم مسلمي المنطقتين الأوليين هم من أصل هندي، ولذلك كانوا في عهد التمييز العنصري يصنفون هنودًا ويشتغل كثير منهم في التجارة والأعمال الحرة ويتمتعون بمستوى لا بأس به من المعيشة، وكان مجيء أجداد هؤلاء في عهد الاستعمار البريطاني لكل من الهند وجنوب أفريقيا، وقد أحضر بعضهم الإنجليز لا لأسباب سياسية بل لأغراض اقتصادية بحتة حيث استعملوا أجزاء في مزارع قصب السكر، وحضر البعض الآخر بمحض إرادته للاشتغال بالتجارة.

أما سكان المنطقة الثالثة (إقليم الكيب) فترجع أصول معظمهم إلى الملايو وإندونيسيا، وكان العنصريون يصنفونهم مع الملونين، وهؤلاء المسلمون هم الأقدم وصولاً إلى البلاد. إذ نفي أجدادهم قسرًا أثناء فترة الاستعمار الهولندي الذي كان مسيطرًا على جنوب شرق آسيا وجنوب أفريقيا في نفس الوقت، ويعمل جلهم في مجال التعليم وفي الوظائف الحكومية بشكل عام.

ونظرًا لارتفاع مستوى الثقافة بين أبناء الجالية المسلمة، واشتراكها المشهود في الكفاح الطويل ضد الاستعمار وضد التفرقة العنصرية، ونظرًاً لتركزها في ثلاث مناطق بعينها، فإن لها في البلاد ثقلاً أكبر بكثير من حجمها الفعلي، مما جعل الأحزاب السياسية المتنافسة على السلطة تتسابق لكسب ودها وإقناعها بالتصويت لصالحها في الانتخابات التي ستجرى في السابع والعشرين من إبريل (نيسان) 1994م.

ويأتي على رأس هذه الأحزاب المؤتمر الوطني الأفريقي بزعامة نيلسون مانديلا، ثم الحزب القومي بزعامة ديكليرك (حزب البيض الحاكم حاليا)، ثم حزب إنكارثا بزعامة بوتوليزى الممثل القبائل الزولو على الرغم من أن كثيرًا من أبناء الزولو يؤيدون المؤتمر الوطني.

ثم الحزب الديمقراطي بزعامة زاغ دبيا (حزب تابع لمجموعة من السكان البيض الذين كانوا في السابق معارضين لحكم العنصريين)، ثم حزب مؤتمر الأفارقة بزعامة ماكويتو (وهو حزب تشكل بعد انشقاق مؤسسيه عن الحزب الوطني، وكان حتى وقت قريب يعتقد بحق الأفارقة دون سواهم في البلاد). هذا بالإضافة الى ما يقرب من أربعة عشر من الأحزاب الأخرى التي تمثل عددًا من الانتماءات القبلية والتجمعات السياسية الصغيرة.

وعلى الرغم من أن الهيئات الشرعية الرئيسة الممثلة للمسلمين في جنوب أفريقيا مجلس القضاء الإسلامي وجمعية العلماء... وغيرها أفتت بجواز المشاركة في الانتخابات يحتدم النقاش في أوساط الجالية المسلمة حول مدى جواز ذلك، أو حول جدواه أو حول أيهما أفضل أن يؤسس المسلمون لأنفسهم واجهة سياسية خاصة بهم أم أن يدلوا بأصواتهم لأحد الأحزاب القوية التي شكلت حتى الآن، ثم حول أي الأحزاب أحق بأصوات المسلمين.

وبينما يرى البعض وجوب أن يشارك المسلمون في العملية السياسية حفاظًا على مصالحهم وضمانًا لحقوقهم، وخاصة أنهم شاركوا في كافة مراحل الكفاح من أجل الحرية والعدالة، وعلى اعتبار أن الانعزال إنما هو انتحار سياسي يمكن أن يؤدي في المستقبل إلى عواقب وخيمة، إلا أن قلة ممن شكلوا واجهات ذات توجهات فكرية معينة يصرون على حرمة المشاركة في العملية الديمقراطية، إما ادعاء منهم لحركة الديمقراطية ذاتها، وإما تحججا بأن النظام الذي تجرى من خلاله هذه العملية نظام کافر.

 يرى أحمد كاثرادا، رئيس دائرة العلاقات العامة في المؤتمر الوطني الأفريقي أن الفئات التي تريد للمسلمين أن ينعزلوا ويقاطعوا العملية السياسية إنما يريدون الضرر للمسلمين، من حيث علموا أو لم يعلموا، ويستهجن موقف هؤلاء لأن المسلمين في كثير من الأماكن التي يشكلون فيها أغلبيات أو أقليات شاركوا فعلا في الانتخابات رغم أن النظم السياسية القائمة في الأقطار التي يقيمون فيها لا تعتبر إسلامية، ويرى ضرورة تثقيف المسلمين في جنوب أفريقيا إلى أهمية المشاركة التي سيتمكنون من خلالها من تحسين أوضاعهم في كافة المجالات، ويؤكد أن الحزب الوطني الأفريقي، الذي يمثل حركة النضال ضد التمييز العنصري، والذي يتوقع أن يصوت له ما لا يقل عن 10 بالمائة من السكان في البلاد، هو الذي يستحق أصوات المسلمين دون غيره من الأحزاب، وخاصة أنه أبدى استعدادا تاما لتبني مشروع الأحوال الشخصية الخاص بالمسلمين..

أما سالم إبراهيم، المدير الإقليمي لمنطقة جوهانسبرج في منظمة المحامين المدافعين عن حقوق الإنسان، والذي يشرف على سلسلة من الدورات المكثفة أعدتها منظمته لتثقيف المواطنين حول الديمقراطية والانتخابات، فيقول إن المسلمين في جنوب أفريقيا لا زالوا حتى الآن غير معترف بهم بشكل رسمي، ونتيجة لعدم اعتراف نظام التمييز العنصري بالدين الإسلامي، فإن زواج المسلمين منذ أن حطوا بالبلاد وحتى الآن لا يعتبر رسميا، وبمعنى آخر، يعتبر النظام العنصري كل أبناء المسلمين أولاد حرام، ويرى أن الفرصة سانحة أمام المسلمين الآن للمشاركة في العملية السلمية وانتزاع اعتراف بحقهم في قانون أحوال شخصية خاص بهم تستمد أحكامه من الشريعة الإسلامية.

ويضيف أن المرحلة الجديدة ستعني مزيدا من الحريات الشخصية وضمانات لحق التعبير والاعتقاد، ولذلك فإن المسلمين لو أرادوا استغلال تلك الظروف سيتمكنون من نشر تعاليم الإسلام بين الأغلبية الأفريقية، التي كان يحظر عليها في الماضي الاتصال بالمسلمين وكان المبشرون النصارى حتى سنوات قليلة مضت هم الوحيدون الذين يتمكنون من دخول مناطق السود. إلا أنه يستدرك قائلاً إن القلة القليلة من المسلمين من ذوي الأصوات الصاخبة المدعومة من بعض الجهات هي التي تتبنى فكرة المقاطعة، ولذلك يتوجب على علماء المسلمين أن ينشطوا في مجال توعية الناس ودحض ادعاءات الذين يفتون بغير علم.

كان يمكن أن تكون مهمة العلماء سهلة لو كان المسلمون على قلب رجل واحد، ولكن كما هو الحال في كثير من الأقطار التي يشكل فيها المسلمون أقلية، تنقلب كل فئة منكفئة على نفسها قاطعة حبال المودة والتواصل مع الفئات الأخرى، ومن الملاحظ أن معظم أسباب الشقاق والنزاع هي أمور ثانوية يفقد المسلمون بسبب الاختلاف عليها قوة ضغط سياسية كبيرة يمكن أن تكون كفيلة بترجيح الكفة السياسية في هذا الاتجاه أو ذاك لو أحسنوا استخدامها. 

ولا شك أن مصلحة المسلمين التي يضرها الانعزال، لا يخدمها أن يسعى المسلمون إلى تكوين حزب سياسي خاص بهم، لأن نسبتهم الصغيرة لن تمكنهم من إيصال أحد إلى البرلمان بأصواتهم وحدهم، حتى على افتراض إجماعهم عليه. بل إن الخيار الوحيد أمامهم هو إعطاء أصواتهم للحزب الأقوى والأكبر القادر على تشكيل حكومة المستقبل منفرداً أو متحالفاً مع غيره. ويكاد يكون ثمة إجماع بين المثقفين المسلمين على أن هذا الحزب هو المؤتمر الوطني بزعامة نيلسون مانديلا، الذي يشغل عدد من المسلمين مناصب رفيعة فيه.

ويطالب هؤلاء المثقفون إخوانهم في الأقطار العربية والإسلامية باستمرار التواصل معهم وتعزيز الرابطة التي تجمعهم، وخاصة أنهم تضرروا كثيرًا بسبب مقاطعة البلاد المسلمة لنظام بريتوريا في المرحلة السابقة لعدم الانفتاح. ويؤكدون على ضرورة تبادل الزيارات حتى يتمكنوا من الاستفادة من تجارب المسلمين في المناطق الأخرى في المجالات السياسية والثقافية والاجتماعية، وحتى يساهموا معهم في إزالة المفاهيم المغلوطة حول دور المسلمين في هذه المجالات، وفي تدعيم هذا الدور في جنوب أفريقيا المستقبل. ويرون أهمية تكثيف هذه الجهود في الفترة التي تسبق الانتخابات القادمة بشكل خاص حتى يؤتي الحوار والتواصل أكله، ويساعد على توحيد أكبر نسبة ممكنة من المسلمين في جبهة واحدة يكون لها وزنها في المعادلة السياسية.

معلومات أساسية عن جنوب أفريقيا

 - عدد السكان 39 مليون نسمة– المساحة 10221 ملیون کیلومتر مربع.
- العملة: الروند (الدولار 3,60 روند) - متوسط دخل العامل 800 دولار شهريًّا.
- بلغ الناتج المحلي في نهاية العام الماضي 114 مليار دولار (الناتج المحلي لمصر 15 مليار).

- تمتلك جنوب أفريقيا 44% من احتياطات الماس في العالم، و82٪ من المنجنيز و 64% من البلوتونيوم.

الرابط المختصر :