; القرار البريطاني بإغلاق بنك البركة- حرب جديدة على الاقتصاد الإسلامي | مجلة المجتمع

العنوان القرار البريطاني بإغلاق بنك البركة- حرب جديدة على الاقتصاد الإسلامي

الكاتب فهد العوضي

تاريخ النشر الثلاثاء 13-أبريل-1993

مشاهدات 78

نشر في العدد 1045

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 13-أبريل-1993

تلقت الجالية الإسلامية في العاصمة البريطانية مؤخرًا قرار بنك إنجلترا بوقف الأنشطة المصرفية لبنك البركة الدولي المحدود (فرع لندن) بمزيج من الدهشة والاستهجان. وبدرجة تعزز عند البعض الاعتقاد بأن هناك محاولات غربية مكثفة تهدف إلى تحجيم أي مشروع اقتصادي إسلامي ناجح، من شأنه أن ينافس المشاريع المحلية التي تتبناها الحكومات والأنظمة؛ حتى إن أحدهم صرح لـ«المجتمع» بقوله: إن ما حدث لبنك البركة يعيد إلى الأذهان ما حدث لشركات الريان، وربما ما حدث لبنك الاعتماد والتجارة. غير أن التكهنات التي يتلوها القفز إلى النتائج والأحكام متعذر في الوقت الحالي، خاصة وأن ورقة القرار مازالت تُبحث حتى آخر ساعة من كتابة هذا التقرير على طاولة المفاوضات بين الجهات المسؤولة.

وإذا كان «البركة» أحد البنوك القليلة في العالم التي تبنت النهج الإسلامي في التعاملات المالية، فهو البنك الوحيد (الإسلامي) في بريطانيا، والرافع للحرج إلى حد ما عن الجالية الإسلامية من مغبة التعامل مع باقي بنوك إنجلترا الربوية؛ حيث إن كيفية تصريف أموال الجالية الإسلامية دون السقوط في مستنقع الحرام، ظل- ولا يزال- يؤرق المسلمين إلى فترة طويلة تمامًا كَمُؤَرِّقات الطعام والسكن والزواج وبطاقات التأمين...إلخ. الأمر الذي أكسب البنك الإسلامي شعبية كبيرة أثار غضبها مؤخرًا قرار بنك إنجلترا الطارئ.

و«البركة» ليس دخيلًا على الاقتصاد الغربي أو البريطاني تحديدًا، فللبنك الذي تأسس قبل عشرة أعوام - كما صرح لـ «المجتمع» السيد رز كروس- أحد موظفي البركة - أربعة أفرع منتشرة في أرجاء بريطانيا وحدها (22 فرعًا في العالم) ويبلغ عدد المودعين في لندن حوالي عشرة آلاف مودع ومتعامل، وذلك بودائع وحسابات تصل إلى (83) ثلاثة وثمانين مليون جنيه إسترليني. والجدير بالذكر – والكلام لكروس - أن البنك قد حقق في عام 1992 أرباحًا وصلت إلى 2.8 مليون جنيه إسترليني. هذا ويعمل في البنك فريق من الموظفين المتخصصين، يبلغ عددهم المئة موظف وإن كان العدد - وبسبب من القرار الأخير - قد تراجع إلى ستين موظفًا فقط في الوقت الحالي.

الخلفية الحقيقية للقرار

والخلفية الحقيقية لقرار إغلاق البنك جاءت من منطلق تطورات جديدة في اتفاقية «بازل» التي تنظم وتُسيِّر الأساليب الرقابية على البنوك والمصارف. وكانت إحدى هذه التطورات، والتي رأى بنك إنجلترا أن «البركة» غير ملتزم بتنفيذها هو عدم وجود جهات أخرى (بنوك، شركات، أشخاص...إلخ مساهمة في ملكية البنك ذاته.

وفي هذا يقول الشيخ صالح كامل رئيس بنك البركة الدولي المحدود والمالك لمجموعة «دلة البركة» في البيان الذي صدر عنه مؤخرًا: للأسف تعذر الوصول إلى تغيير في ملكية بنك البركة بطريقة يقبل بها بنك إنجلترا خلال الفترة المتاحة للتغيير. والطريقة الوحيدة التي يريدها بنك إنجلترا للسماح باستمرارية عمل «البركة» هو وجود جهات أخرى للانضمام والمساهمة في ملكية البنك بأسهم معينة. غير أن صيغة البيان والتصريحات اللاحقة جاءت بصورة فيها انزعاج ليس من القانون ذاته، ولكن من المهلة القصيرة التي حددها قرار البنك، والتي لا تكفي لإقناع بنوك إسلامية أخرى بالانضمام إلى ملكية «البركة».

كما ركز البيان على أن قرار بنك إنجلترا لا علاقة له البتة بأي رأي سلبي تجاه الشيخ صالح كامل، أو أنه نتيجة لخلل في أداء البنك وأسلوب سير العمل فيه. وإذا كان للموضوع خفايا أخرى فالشيخ كامل أذكى من أن يعلنها حربًا بين الإسلام والغرب أو بين البنوك الإسلامية والأخرى الربوية. ولهذا استطرد البيان ينفي أي علاقة بين القرار وبين وجود «البركة» كبنك إسلامي في المملكة المتحدة. ويُعزّي البعض توقيت قرار إغلاق البنك في نهاية 1992 إلى أنه يتزامن مع احتمالات خشية التوسع في السوق الأوروبية المشتركة. غير أن الشيخ كامل يرفض التعليق على مثل هذه الفكرة، وإن كان يضيف: «أفتخر حتى في حال إقفال بنك البركة الدولي- لندن- أنه خلال عشر سنوات استطعنا إقناع بنك إنجلترا أنه يمكن استخدام الأدوات الإسلامية»، وذلك بعد محاربات حثيثة من جانب مسؤولي الاقتصاد البريطاني لفكرة البنك الإسلامي - على حد قول الشيخ صالح كامل.

موقف المودعين

الطريف في الموضوع أنه ومنذ إعلان قرار الغلق لم يتقدم سوى قلة من المودعين لسحب إيداعاتهم؛ حيث لم تصل السحوبات حتى يوم السبت الماضي إلى 2 في المئة. ويعتبر هذا في حد ذاته تضامنًا من الجالية الإسلامية من نوع غريب حتى أن الشيخ كامل يقرر: «بنك يريد الإغلاق ويرفض المودعون استلام ودائعهم؛ بل وهناك إقبال من مودعين جدد، يعتبر ظاهرة فريدة من نوعها في العالم بخاصة في القطاع المصرفي...»! وهذا يدل على تمسك الجالية الإسلامية هناك بالتعاملات الإسلامية.

والتطورات بشأن قرار إغلاق «البركة» تتسارع، ولعل آخر الحلول التي تجري صياغتها حاليًا والذي قد يظهر خلال الأيام القليلة القادمة، ينص على أن يمتلك البنك الإسلامي للتنمية نسبة 10 في المائة من أسهم الشركة العامة، ويصبح للسيد صالح كامل نسبة عشرة في المائة، على أن تُعطى الجالية الإسلامية في بريطانيا نسبة 80 في المئة الباقية.

ويبقى في النهاية السؤال: هل يستطيع الشيخ كامل تحقيق هذه المعادلة الصعبة في الفترة المحددة له؟ والأهم من ذلك: هل سيقبل بنك إنجلترا بمثل هذه الوضعية؟ قد تكون الإجابة في طي الأيام القادمة.

اقرأ أيضًا:

الرابط المختصر :