العنوان عام مضى .. وسجل حافل بالأخطار والمآسي
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 27-مارس-2004
مشاهدات 62
نشر في العدد 1594
نشر في الصفحة 7
السبت 27-مارس-2004
﴿وَمَنۡ أَعۡرَضَ عَن ذِكۡرِي فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةٗ ضَنكٗا وَنَحۡشُرُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَعۡمَىٰ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرۡتَنِيٓ أَعۡمَىٰ وَقَدۡ كُنتُ بَصِيرٗا قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتۡكَ ءَايَٰتُنَا فَنَسِيتَهَاۖ وَكَذَٰلِكَ ٱلۡيَوۡمَ تُنسَىٰ﴾ (طه ١٢٤- ١٢٦).
عام مضى على الوجود الغربي في العراق، وإن المراجعة الدقيقة لسجل الأحداث الدائرة هناك طوال هذا العام، وما آلت إليه أحوال هذا البلد والمنطقة بأسرها - تؤكد الحقائق التالية:
أولًا، لا شك أن هذا الوجود الغربي قد أسقط الطاغية صدام حسين، وأزال منظومة البعث وأراح الشعب العراقي، بل والمنطقة كلها من شرورها وجرائمها. لكن مصير صدام وعصابته البعثية مازال غامضًا، فقد انقطع الحديث تمامًا عن محاكمته، وأصبح كل المعلوم عنه أنه يعيش في أمان في قبضة الأمريكان، الأمر الذي يلقي بالشكوك، ويقوي الروايات المتكررة على ألسنة أركان نظام البعث والخبراء الغربيين، والمحللين عن عمالته للغرب منذ صعوده على قمة حزب البعث العراقي، وقيامه بدور عميل لصالح المشروع الغربي الاستعماري.
ثانيًا: أن ما روجت له الآلة الإعلامية قبيل وأثناء الحرب من شعارات عن أهدافها في تحرير الشعب العراقي من جبروت الطاغية وإقامة نظام ديمقراطي فريد يكون نموذجًا يحتذى به في المنطقة، والقضاء على أسلحة الدمار الشامل، وإشاعة الاستقرار والأمن في المنطقة. يؤكد الواقع الماثل أمامنا على الأرض عدم تحققه، بل إن الأوضاع بصفة عامة ازدادت تفاقمًا. فالشعب العراقي وإن كان قد تحرر من صدام حسين، إلا أنه وجد نفسه وسط أتون حرب جديدة... تنشر الخراب والدمار، وقد حولت البلاد إلى ساحة مجازر وقتل يومي وسط فوضى عارمة لا يعرف أولها من آخرها، في الوقت الذي تزايدت فيه حدة الفقر بعد أن أتت الحرب على البنية الأساسية للبلاد، وأصبح الحديث عن النظام الديمقراطي وحرية الشعب وتحقيق الأمان من أحلام اليقظة التي يتندر بها الناس، وصار الحديث عن أسلحة الدمار الشامل من الأكاذيب الثابتة، بعد أن ثبت عدم وجودها، ولعل التحقيقات التي فتحت في العديد من الدول الغربية التي أيدت الحرب حول هذا الموضوع تؤكد ذلك. كما أن المظاهرات التي عمت دول العالم مؤخرًا، خاصة الولايات المتحدة وبريطانيا وإسبانيا وإيطاليا وأستراليا، تؤكد أيضًا انعدام مصداقية الشعارات التي تم الترويج لها كمبرر لخوض هذه الحرب، فقد أكدت هذه المظاهرات رفض قطاع كبير من شعوب العالم نشر الديمقراطية عبر الصواريخ والمدافع والدبابات. وطالب المتظاهرون في أمريكا، بتوفير نفقات الحرب الباهظة لإنعاش الاقتصاد الأمريكي.
ثالثًا، لقد ثبت أن هذه الحرب جاءت في إطار مشروع استعماري كبير لإعادة تشكيل المنطقة وإحكام القبضة الأمريكية عليها، وعلى ثرواتها، وإعادة تقسيمها، وكذلك إعادة تشكيلها فكريًا وفق المشروع الغربي. فالأحداث الدائرة أمامنا تكشف عن مخطط مترابط المراحل والأهداف لتفتيت العراق، وإشعال الفتنة بين أبنائه، وتذويب هويتهم الإسلامية، والعبث بتركيبتهم السكانية، ولا شك أن الاختراق الصهيوني ووصوله إلى هذه البلاد وموجات المنصرين التي تتدفق إلى هناك تقوم بدور كبير في هذا الشأن.
فقد ذكرت صحيفة ديلي تلجراف، البريطانية يوم2002/12/27م، أن المنصرين معظمهم من البروتستانت يتدفقون على العراق تحت غطاء من السرية وخلف المساعدات الإنسانية. وقالت الصحيفة: إن الهدف الآن توزيع نحو مليون إنجيل باللغة العربية وشرائط فيديو ومنشورات تروّج للمسيحية في أنحاء العراق، ونقلت الصحيفة عن جون برادي رئيس هيئة الإرساليات الدولية للشرق الأوسط وشمال إفريقيا قوله: لقد سعى المعمدانيون الجنوبيون سنوات أن يكون العراق مفتوحًا للتنصير.
وفي الوقت نفسه، تؤكد الأخبار المتواترة الصادرة من العراق، أن الصهاينة تدفقوا على الأراضي العراقية منذ اليوم الأول تحت حماية القوات الغازية، وتحت تسميات متباينة، وأنهم يقومون بنشاط محموم لشراء أكبر مساحات من الأراضي والعقارات وبأعلى الأسعار، كما يقومون بأنشطة اقتصادية واسعة، في مؤشر لسعي صهيوني للسيطرة على أهم مقومات الدولة الأرض والثروة. وقد ذكرت محطة سي إن إن الناطقة بالتركية، أن الموساد أقام مكاتب سرية في العديد من المدن العراقية، وسربت وكالة الاستخبارات التركية أن عددًا من الحاخامات والخبراء في شؤون العراق يعكفون على إعداد دراسات أمنية واستراتيجية حول مستقبل العراق، ومن خلاله مستقبل المنطقة بأسرها. وقد دعا نائب وزير الخزانة، جون تايلور في حوار مع صحيفة يديعوت أحرونوت الصهيونية، الشركات الإسرائيلية إلى الاستثمار في العراق، وقال: «إن الاستثمار في مشاريع البناء سيعطي دفعة كبيرة للاقتصاد الإسرائيلي برمته...
ذلك هو حصاد عام كامل من الوجود الغربي في العراق، وذلك هو سجل الوقائع التي تنطق بها تطورات الأوضاع، وهو لا شك حصاد مر وسجل دام، ومفعم بالأخطار، ليس على مستقبل العراق وحده، وإنما على مستقبل المنطقة كلها. إن الحال أبلغ من المقال، فهل تعيد شعوب وحكومات المنطقة حساباتها وتتدبر أمرها وتتدارك ما فاتها، فتعود إلى ربها، وترص صفها، لتكون على قلب رجل واحد، قبل أن تقع الواقعة ونشهد مأساة العراق في أقطار أخرى؟!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل