العنوان معالم على الطريق.. كيف تسرق شعبَا؟
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 12-فبراير-2005
مشاهدات 54
نشر في العدد 1638
نشر في الصفحة 45
السبت 12-فبراير-2005
سرقة الشعوب سمةُ هذا العصر، وهي سرقةٌ لا تعدلها سرقة، ولا يوازيها اختلاس، سرقة لا تُقطع فيها يد، ولا يسجن لها منتهِب، ولا يُحاسَب عليها خائن، سرقة كان الناس يغفلون عنها بلاهة، أوحياء، أو استعظاماً وهيبة ويجنحون بجهل إلى سرقات أخرى حقيرة، ومضحكة فصَل فيها الفقهاء، كسرقة رغيف خبز أو بعض الدراهم من حِرزٍ، أو بعض المتاع من بيت إلى غير ذلك مما يكون على شاكلته، فتقطع في الكثير منها الأيدي، ويُعذَّر في القليل، وكان الإسلام والمسلمون يستهولون هذا الأمر لأنّ الإسلام قد احترم المال من حيث إنّه عصَب الحياة، واحترم ملكية الأفراد الخاصة، وجعل حقهم فيها حقاً مقدّساً لا يحل لأحد أن يعتدي عليه بأي وجه من الوجوه، ولهذا حرم الإسلام السرقة، فقضى بقطع يد السارق التي من شأنها أن تباشر السرقة، وفي ذلك حكمة بينة، إذ إنّ اليد الخائنة بمثابة عضو مريض يجب بتره ليسلم الجسم، والتّضحية بالبعض من أجل الكل مما اتفقت عليه الشرائع، كما أنّ في قطع يد السارق عبرةُ لمن تحدثه نفسه بالسطو على أموال الناس، فلا يجرؤ أحد على أن يمدّ يده إليها، وبهذا تحفظ الأموال وتصان الحقوق لقوله تعالى ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾
[ المائدة: 38]
وكانتْ تؤدب الفتية منذُ الصغر إذا حدث واقترفت ذلك أشدّ التأديب، ولله در القائل:
سرقتُ مال أبي يوماً فأدّبني وجلُّ مال أبي يا قومنا سُرق أمّا من يروِّعون الناس بالسرقة . وسماها الإسلام السرقة الكبرى. فقد أغلظ الإسلام لها العقوبة وأطلق عليها لفظ الحرابة، وجعلها حرباً على الله، وأوجب لها ما تستحق من
اليم، فقال تعالى:﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾
[ المائدة: 33]
هذا كله لتجريم الاعتداء على الغير مالاً أو نفساً، وللمحافظة على المجتمع والديار والأموال.. هذا القانون وهذه العقوبات يلاحَظ أنّها واضحة وجليّة وحاسمة، ولا تدع مجالاً للشك، ومستمرة على مر العصور والدهور.
والمتأمل في قاموس السِّرقات اليوم يجد أنّ هناك سرقات قد استُجِدّت تفوق كل ما تقدم من سرقات وهي سرقات الشعوب والدول، فتجد هناك من يسرق شعباً بأكمله بمقدراته وأمواله وأشخاصه وأرضه، بل حتى وحريته ويتخذ الناس له عبيداً يسخرهم لأهوائه،و لأطماعه وشهواته بصفاقة عجيبة وجرأة منقطعة النظير، ويتم هذا في وضح النهار، ويسيِّرهم لأطماعه، وعلى مسمع ومرأى من الدنيا بأجمعها؛ والغريب أنّه لا يسمى سارقاً، أو لصاً، بل يسمى قائداً أو زعيماً ... أو غير ذلك من صفات الكمال والجلال.
ولا أكون مبالغاً أو مغالياً فهذا شيء معلوم، ومعروف - في العالم الثالث عموما- وفي الشّرق الأوسط خصوصاً. إلّا من رحم ربك، فمن أراد أن يسرق شعباً ما عليه إلّا يقوم بانقلاب أو ثورةٍ ويدعي - وهو أجهل من دابة- أنّه جاء لإخراج الأمة من الظلمات إلى النّور، ومن الضلال إلى الهداية، ومن الفقر الاقتصادي إلى الرخاء والنماء، ومن التأخر الحضاري، إلى الانطلاقة العلمية، ومن العبودية إلى الحرية العظيمة. فارفع رأسك يا أخي فقد مضى زمن الاستبعاد، تتم الكارثة والناس في نشوة وسكرة وعماية، إلى أن تحلّ الفاجعة وتقع الدّاهية ولاتَ ساعة مندم.
يظلّ الناس هكذا حتى يكاد يفهم الغبي ويحسّ الأبله، فإذا بالحرامية يخترعون طُرُقاً أخرى وهي الانتخابات وإرْساء الديموقراطية وإقامة الأحزاب والتعددية، ويقع الغلابة والمساكين مرة أخرى في مصايد الوهم وشباك الخداع وشراكه، وتجرى تمثيليات انتخابية والشعب المسكين يهلّل ويكبر، ويتيه فرحاً بالعهد الجديد، يذهب إلى صناديق الاقتراع، فلا يجد إلا صندوقاً واحداً، ومندوباً واحداً فقط، ما عليك إلّا أن تنتخب الحكومة مرّة أخرى وأخرى وأخرى، ولكن أين المرشًّحون ومندوبوهم في اللجان؟! يسمع الشعب أنينَهم في السجون جزاء جرأتهم على ما اقترفوه من ذنب خطير، وجريمة شنعاء، لأنهم لم يسمعوا نصح النُّصّاح، ونهي حرامية الإصلاح.
نهيْتُك ما انتهيتَ والطّبع فيك غالب..
ويسرق الشعب مرة أخرى، وينتخب له وينطق بما يريدون ويشتهون، ويظل الأمر على هذا حتى يضج الناس، ويفيق السَّكران، ويصحو النعسان، ويكاد أن يطلع الصباح فإذا بجملة من العصابات وشلة من قطاع الطرق وسراق الشعوب يطفون على السطح ويأتون من بلاد «الواق الواق»، يحزنهم ما آل إليه أمر تلك الشعوب المغلوبة على أمرها والمنهوبة من حكامها، والمسروقة من سلطانها، فتأتي بتمثيلية أخرى لتسرق الأخضر واليابس وتغير على المقدرات، ويخدع المجانين مرة أخرى، ويهلّل الخونة والأغبياء، ويغنّون للحرية والديمقراطية والرَّخاء، فإذا بالسُّراق الجدد الذين لبسوا جلود الملائكة ينقلبون إلى ديناصورات ووحوش عجيبة تزرع الخراب، وتَبيد العباد، وتنشِب أظفارها في رقاب الفرائس، وتسرق كل ما يقع تحت يدها، ممّا هو فوق الأرض أو تحت الأرض من بترول. فلما أفاق الناس على الكابوس المرعب والكارثة العظمي، تحركوا وقاوموا فأراد السُّرَّاق أن يغيِّروا اللعبة، ويسرقوا بالوَكالة، ويأتوا بمن يسرق لهم وينهب ولكن بادِّعاء رضاء الشعب عن هذه السرقة، وبانتخاب مزوَّر، وبدُمى موكَّلةً بالسرقة لعصابات كبيرة، أرأيت كيف تسرق الشعوب يا صديقي؟ وهل ستصحو تلك الشعوب على لعبةٍ أخرى وأخرى؟ أم ستكون إفاقةً حقيقيةً. نسأل الله ذلك..