; الشيخ أحمد ياسين أمام العدالة الصهيونية!! | مجلة المجتمع

العنوان الشيخ أحمد ياسين أمام العدالة الصهيونية!!

الكاتب طالب المسلم

تاريخ النشر الثلاثاء 16-يناير-1990

مشاهدات 66

نشر في العدد 950

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 16-يناير-1990

-       الشيخ أحمد ياسين: ما هو الفرق بين قطاع غزة والسجن؟!

-       خير الشيخ بين المحكمة والإبعاد.. فاختار المحكمة والسجن ليبقى صامدًا على أرضه وبين شعبه.

-       ليس نادمًا على تأسيس حركة «حماس» ليقاوم الاحتلال لأنه واجب شرعي ووطني.

نعود مرة أخرى -أخي القارئ- للحديث عن مؤسس حركة المقاومة الإسلامية «حماس» في فلسطين، وزعيمها الروحي، وأحد رموز الانتفاضة المباركة وقادتها البارزين -المجاهد المقعد الشيخ أحمد ياسين الذي تعرض للاعتقال في شهر مايو 1989، وأدخل معتقلات العدو الصهيوني على كرسيه المتحرك، ليكون اعتقاله الدليل الدامغ على تعسف العدو الصهيوني وتجرده من الإنسانية ومعانيها السامية.. ومع إطلالة العام الجديد (1990) يأبى أحفاد هرتزل إلا أن يثبتوا للعالم أجمع أنهم بعيدون كل البعد عن الأعراف الدولية والإنسانية الحضارية، فيقدموا الشيخ أحمد ياسين للمحاكمة العسكرية، ويضعوه وهو الشيخ المقعد في قفص الاتهام، ويفرضوا عليه الحراسة المشددة!

-       شموخ الرجال

وأمام جبروت وغطرسة سلطات الاحتلال، نجد الشيخ شامخًا كالجبال، متحليًا بأخلاق الرجال وقت الشدائد والنكبات، وكان هذا واضحًا في شخصه قبل الاعتقال، وقبيل المحاكمة، وهذا ما أغاظ سلطات الاحتلال، وجعلها تخرج عن طورها في التعامل مع هذا الشيخ، وهو في سائر مواقفه ينظر للأمور نظرة الإنسان المسلم المؤمن بربه المتمسك بعقيدته، فقبل الاعتقال في الأسبوع الثاني من شهر مايو 1989 أجاب خوان كارلوس بونتيوس مراسل صحيفة «دياريو- 16» عندما سأله عن السبب في عدم اعتقاله؟! قائلًا: «ما هو الفرق بين قطاع غزة والسجن؟!» وبعد سبعة أشهر من الاعتقال تخير سلطات الاحتلال الشيخ بين المحاكمة والإبعاد! فيختار المحاكمة والسجن على الابتعاد عن أرضه وشعبه ووطنه، يختار البقاء مجاهدًا صابرًا في سجون الاحتلال وهو الرجل المقعد، على الإبعاد عن الوطن والعيش في إحدى دول الطوق هانئًا سالمًا غانمًا! بمثل هذا الشموخ عاش الشيخ فترة الاعتقال وواجه سلطات الاحتلال، وهو يعلم أن مجرد الانتماء لحركة «حماس» كفيل بالحكم عليه بالسجن لمدة عشر سنوات بناء على قرار العدو الصهيوني باعتبار حركة «حماس» خارجة عن القانون ومنظمة محظورة.

- العدالة الصهيونية

بدأت المحكمة العسكرية في قطاع غزة بمحاكمة الشيخ في اليوم الثالث من مطلع العام الجديد 1990 ووجهت له (15) تهمة منها تأسيس حركة «حماس» المناوئة للعدو الصهيوني، والعضوية فيها، وتحويل ستمائة ألف دولار لتمويل نشاطات أعضاء حركة «حماس»، وإصدار الأوامر بقتل جنود العدو، والسماح بتصفية العملاء العرب، وتحريض ومساعدة سجناء على محاولة الفرار من سجن غزة.

ونقلت التايمز اللندنية (4/1/1990) عن المحامي عبدالمالك دهاشنة أن الشيخ يقول: «إنه ليس من حقه فحسب، بل من واجبه أن يؤسس هذه الحركة -حركة المقاومة الإسلامية- ليقاوم الاحتلال، وهو ليس نادمًا على ما فعل».

ومن الجدير بالذكر أن المحكمة قد افتتحت تحت حراسة مشددة من قوات الجيش وحرس الحدود، وكانت قد نقلت من مكان المحاكمات المعتاد في مدينة غزة، إلى مبنى في شمال قطاع غزة لضمان إجراءات الأمن المشددة «التايمز اللندنية 4/1/1990».

- مواقف ثابتة

وأثناء فترة الاعتقال عبر الشيخ أحمد ياسين، مسؤول الجناح السياسي في حركة المقاومة الإسلامية «حماس» عن المواقف السياسية للحركة من جهود التسوية الحالية، ففي مقابلة مع تلفزيون العدو أجريت معه في ساحة المعتقل، أكد الشيخ رفضه لمشروع الرئيس المصري «النقاط العشر» ووصفه بأنه «لا يؤدي إلى شيء محدد» وكذلك رفضه لمشروع رئيس وزراء العدو -إسحاق شامير- وقال: «إن "إسرائيل" لا العرب هي من يجب عليه أن يقدم تنازلات الآن» (الوكالات 25 سبتمبر 1989).

وذلك أن من مصلحة العدو استتباب الأمن الداخلي وتوقف مظاهر العنف داخل فلسطين المحتلة، وبالتالي فهو الطرف الوحيد الذي يجب أن يقدم التنازلات والعكس غير صحيح!

وكذلك فإن العدو الصهيوني يملك الآن القوة والأرض ويسيطر على رقاب الشعب، وهذا يجعله الطرف الذي يجب أن يقدم التنازلات لأن غيره لا يملك شيئًا في الوضع الراهن، للأسف!

وأثناء مقابلته لنائب الكنيست -عبدالوهاب دراوشة «عربي»، عارض الشيخ تقديم تنازلات فلسطينية إضافية، حيث إن المطلوب من الجانب "الإسرائيلي" والأمريكي تقديم المبادرات والتنازلات. (الفجر الفلسطينية 30/9/1989).

- الوحدة الوطنية

وفي مقابلته مع عبدالوهاب دراوشة -سالفة الذكر- أكد الشيخ أحمد ياسين أنه يرفض استعمال العنف كوسيلة لحل الخلافات بين الفلسطينيين، وحذر من الانجراف وراء التحريض، وقال: إن الضعفاء فقط هم الذين يقبلون التحريض وعلينا أن نكون أقوياء، وأن نرفض أسلوب التحريض الأرعن، مشيرًا بذلك إلى الأساليب الصهيونية والممقوتة والمكشوفة لتفريق الصف الفلسطيني، وتنفيذ سياسة «فرق تسد» بعد فشل «القبضة الحديدية» و«سياسة التجويع».

وعاد الشيخ أحمد ياسين للتأكيد على معاني الوحدة الوطنية ونبذ كافة الدعاوى العنصرية والإقليمية، وذلك في معرض رده على سؤال نشرته جريدة (القدس المقدسية- 24/9/1989) عن عدم تمثيل غزة في وفد مفاوض تم تشكيله من الضفة الغربية، حيث قال

«المشكلة ليست مشكلة تمثيل.. أي فلسطيني يتكلم عن الفلسطينيين.. والعنصرية والإقليمية لا نقبل بها.. المهم أن نصل إلى حقنا ونصل إلى تقرير مصيرنا في بلدنا ووطننا، وأن نعيش مواطنين لنا حريتنا وكرامتنا».

وبهذا أقفل الشيخ بابًا من أبواب الفتن وتفريق الصفوف، فشعب فلسطين شعب واحد بالإسلام، الإسلام الذي يحفظ حقوقه ويحميه من الضياع.

- صمت مريب!

وتمر اليوم محاكمة الشيخ أحمد ياسين كما مر اعتقاله في أوائل الثمانينيات، واعتقاله الأخير في مايو 1989، في جو من الصمت العجيب! حيث لم يحرك الإعلام العربي والإسلامي، ساكنًا تجاه قضية الشيخ المقعد، رغم كافة أبعادها الإسلامية والعربية والإنسانية الحضارية! فيعيش الشيخ في سجون الاحتلال وهو يعاني من عجز وشلل تام في جسده الطاهر يقدر بـ(80%) أو أكثر ويتعرض لكافة أصناف القهر والتعذيب النفسي والجسدي، دون أن يحرك أحد ساكنًا.. وقد عانى من ثقل في التنفس، وتورم في الأذنين، وإصابة بعينه اليمنى، وضعف قوة رؤيته، نتيجة للضرب أثناء التحقيق في «المسلخ» في قطاع غزة.. والإعلام الفلسطيني صامت لم ينطق بكلمة واحدة تجاه قضية هذا الشيخ، في وضع مثير للنقد، حيث إن موقف الإعلام الفلسطيني كان واضحًا كل الوضوح من قضية المطران كابوتشي!

إن العالم أجمع، وبالذات الإعلام العربي والفلسطيني، مطالب بتبني قضية الشيخ أحمد ياسين.. القضية الإنسانية الإسلامية العادلة.. فالتاريخ لا يرحم ولن يغفر لكل متخاذل هروبه في مواجهة الدور المطلوب منه تجاه الشيخ واعتقاله.. كما أن التاريخ سيسجل للأجيال القادمة المواقف البطولية للشيخ أحمد ياسين -الزعيم الروحي لحركة المقاومة الإسلامية «حماس»- في مواجهة سلطات الاحتلال الصهيوني، وهو الشيخ الكبير في السن، المقعد على كرسيه المتحرك، ليدين بذلك المواقف الانهزامية لغيره من قادة الميدان، زاده في ذلك الصدق مع الله ثم الوفاء لهذا الشعب ولقضيته العادلة، مستشعرًا قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ )الأحزاب: 23).

الرابط المختصر :