الثلاثاء 18-سبتمبر-1984
تشاد ضحية صراعات ليبية- فرنسية
تقع تشاد في وسط أفريقيا على حدود السودان، وليبيا، والنيجر، ونيجيريا، والكاميرون، وأفريقيا الوسطى، نسبة المسلمين فيها أكثر من (85%) من مجموع السكان البالغ عددهم (4) ملايين نسمة قبل الحرب الأهلية، حصلت تشاد على استقلالها من فرنسا عام 1960، واستولى على مقاليد الحكم نصارى ووثنيون بتدبير من فرنسا نفسها للحفاظ على مصالحها الاقتصادية والسياسية في البلاد، لكن الأغلبية المسلمة من الشعب التشادي رفضت الوضع الجديد، وأعلنت الثورة على الحكومة العميلة التي دعمتها فرنسا بكل الوسائل، لكن الثوار نجحوا في النهاية بقيادة (فرولينا) من الاستيلاء على الحكم.
• الموقف الليبي:
فوجئ العالم بالموقف الليبي الجديد تجاه المشكلة التشادية؛ إذ أعلنت وزارة الخارجية الفرنسية نبأ الاتفاق الذي تم بين فرنسا وليبيا حول انسحاب متزامن لقواتهما من تشاد ابتداء من (25) سبتمبر الجاري، وقد جاء هذا الاتفاق ثمرة اتصالات مباشرة بين العقيد معمر القذافي ووزير العلاقات الخارجية الفرنسي كلود شيسون، وكان الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران قد قام برحلة سرية إلى المغرب قبل الإعلان عن الاتفاق الفرنسي الليبي بأسبوعين، مما قوى تكهنات إعلامية بأن الملك الحسن قد يكون وراء مشروع الاتفاق، ويؤكد هذه التكهنات مشروع الاتحاد المعلن بين المغرب وليبيا، ويعزو بعض المراقبين سبب الموقف الليبي الجديد إلى حرص القذافي على تحسين علاقاته مع فرنسا؛ من أجل كسر برج الانعزال السياسي الذي يعيش فيه، وذلك ليس غريبًا على القذافي الذي اتسمت مواقفه في القضية التشادية بالتذبذب المستمر، لقد اتخذت ليبيا سياسة متلونة من أجل تحقيق تطلعات في تشاد، وكانت تساند دائمًا الجناح العسكري الذي تشعر هي بأنه هو الأقوى، ثم تحاول إغراءه للإذعان للمطالب الليبية بضم منطقة «أوزو» الغنية بالمعادن مقابل مساعدات عسكرية ومادية.
ففي عام (1971) ساندت ليبيا حركة تحرير تشاد (فرولينا) ضد حكومة الرئيس التشادي حينئذ (تومبالباي) الذي أحس بخطورة الموقف الليبي، ورضخ لمطالب القذافي، ووافق على ضم منطقة «أوزو» إلى ليبيا عام (1973)؛ حرصًا على كرسيه، وكان الثمن أن أوقف القذافي مساعداته للثوار برئاسة كل من حسين حبري وغوكوني عويدي، واستمر الوضع كذلك إلى أن أطيح بحكومة تومبالباي في انقلاب عسكري دموي، أودى بحياة تومبالباي نفسه، وخلفه في الحكم الجنرال فليكس مالوم، وهو مسيحي كسلفه، لكنه كان أقل ميولًا لتقبل مطامع ليبيا الإقليمية مما دفع القذافي إلى إعادة مساندته لحركة فرولينا، التي كانت لا تزال تقود حرب العصابات ضد الحكومة التشادية المسيحية المفروضة على الشعب التشادي المسلم، وأدى الأمر إلى نشوب حرب طائفية في تشاد بعد أن أصدر عبد القادر كموجي القائد الجنوبي المسيحي أوامره للجنوبيين في العاصمة «نجامينا» بقتل كل الشماليين والمسلمين، وانتشرت الحرب الأهلية إلى كل المدن التشادية، وبزيادة الخلاف بين حسن حبري ورئيس الدولة الجنرال مالوم، وتحت ضغوط الثوار المسلمين- اضطر مالوم إلى الاحتماء بالقاعدة الفرنسية في العاصمة التشادية؛ حيث كان يزاول مهامه كرئيس للجمهورية، ثم قامت دول أفريقية، منها: نيجيريا، والسودان، والنيجر، وليبيا، والكاميرون بمساع حميدة لإنهاء الحرب الأهلية، ودعت هذه الدول إلى مؤتمر مصالحة في كانو بنيجيريا أدى إلى استقالة الجنرال مالوم، وتشكيل حكومة انتقالية برئاسة السيد محمد لدى شوا وعضوية كل من غوكوني عويدي وحسين حبري، لكن تلك الحكومة فشلت نتيجة ضغوط خارجية، وتم عقد مؤتمر كانوا الثاني في أغسطس عام (1979) الذي أفرز حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة برئاسة غوكوني عويدي، وأصبح حسين حبري حامل حقيبة وزارة الدفاع في الحكومة الجديدة.
كل هذه الأحداث تسلسلت والموقف الليبي لا يزال مع ثوار فرولينا، الذين أصبحوا قادة البلاد، لكن هذا الوضع لم يدم طويلًا؛ فقد احتدم الخلاف بين الأطراف المسلمة التي وصلت للسلطة بعد ثورة دامت عدة سنوات، واشتد الصراع بين رئيس الحكومة المؤقتة غوكوني عويدي ووزير دفاعه حسين حبري، الذي كاد أن يتغلب عليه لولا التدخل الليبي العسكري، إلى جانب غوكوني الذي كان الأقوى سياسيًا من ناحية، ومن ناحية أخرى كان متهمًا بتأييد المصالح الليبية والسوفياتية في المنطقة، في حين كان حسين حبري من أشد الرافضين للمطامع الليبية التوسعية في تشاد، وهو معروف بتعاطفه مع المصالح الفرنسية، وأدت مساندة ليبيا لقوات غوكوني إلى هزيمة حسين حبري وهروبه إلى الكاميرون، ثم إلى نيجيريا، حيث قام بتجميع قواته للاستيلاء على العاصمة نجامينا بدون مقاومة تذكر في 7 يونيو 1982، وطرد غوكوني عويدي ورجاله إلى الجزء الشمالي من البلاد على الحدود الليبية، ثم أصبح لاجئًا في ليبيا التي ما زالت قواته تساعده على العودة إلى السلطة في تشاد حتى قامت مظليات فرنسية وقوات زائيرية بالتدخل، إلى جانب حسين حبري الذي أصبح الرئيس الجديد للبلاد.
واستمر الموقف الليبي كذلك حتى إعلان الاتفاق الجديد بينها وبين فرنسا حول الانسحاب المتزامن من تشاد.
• أطماع فرنسية:
منذ استقلال البلاد حرصت فرنسا على بقاء مصالحها محفوظة، وبقاء نفوذها قائمًا بعد أن سلمت مقاليد البلاد إلى المسيحيين الذين تربوا في المدارس التبشيرية الفرنسية لهذه المهمة، وكانت الشركة الفرنسية المعروفة باسم (كوتون تشاد) من أكثر الشركات الفرنسية تزويدًا للمصانع الفرنسية بكل احتياجاتها من القطن التشادي، وكانت هذه الشركة تجني أرباحًا طائلة من وراء ذلك بلغت (17) بليون فرنك فرنسي، وقامت بالتعاون مع شركات أجنبية أخرى بإنشاء معاصر ضخمة للزيوت النباتية التشادية، أضف إلى ذلك أطماع فرنسا في اليورانيوم والمعادن الثمينة الأخرى التي تزدهر بها الأراضي التشادية.
إن المواقف الفرنسية التي بدأت بتوقيع اتفاقيات دفاعية مع الحكومات التشادية المسيحية، والتي بموجبها قامت فرنسا بإرسال قوات عسكرية في عام (1978) إلى تشاد لمساندة حكومة الجنرال مالوم ضد ثوار حركة تحرير تشاد (فرولينا)، ثم انقلب الموقف الفرنسي بعد أحداث متسارعة إلى مساعدة حسين حبري ورجاله للوصول إلى الحكم في نجامينا نظرًا لما عرف عن حبري من أنه رجل الغرب، ومؤيد السياسة الفرنسية والأمريكية في تشاد، ومن هذه التقلبات الفرنسية في القضية التشادية ندرك أن قواتها لا تتدخل في الشئون التشادية لسواد عيون التشاديين المغلوب على أمرهم، بل من أجل ضمان مصالحها، وتحقيق أطماعها السياسية، والاقتصادية، والعسكرية.
• أبعاد دولية:
منذ اندلاع الحرب الأهلية في تشاد بدأت جهود إقليمية ودولية تبذل في سبيل الوصول إلى وقف نزيف الدم بين الشعب الواحد، وعقدت في سبيل ذلك مؤتمرات من أهمها القمة المصغرة التي انعقدت في تشاد نفسها في عام (1982) تحت إشراف منظمة الوحدة الأفريقية، وقد أقرت القمة خطة سلام دعت الأطراف المتحاربة في تشاد إلى وقف إطلاق النار اعتبارًا من منتصف ليلة (28) من فبراير (1982)، والشروع في مفاوضات من أجل مصالحة وطنية، كما دعت الخطة إلى إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية في شهر مايو أو يونيو من نفس العام، وتحديد (10) يونيو كموعد لانسحاب قوة السلام الأفريقية التي أرسلتها المنظمة الأفريقية للفصل بين القوات المتضاربة، لكن الخطة لم تنفذ بنودها؛ فاستمر الصراع في التفاقم والتعقيد، وألقى بظلاله على نشاطات منظمة الوحدة الأفريقية نفسها، وكان السبب في نسف مؤتمرات قمة أفريقية، ولذلك كانت الأزمة التشادية محور البحث في القمة الفرنسية الأفريقية العاشرة التي انعقدت في فرنسا عام (1983)، وقد تعرض الرئيس الفرنسي خلال افتتاحه للمؤتمر لضغوط شديدة من الزعماء الأفارقة لتقديم مزيد من المساعدات العسكرية لحكومة الرئيس التشادي حسين حبري، وقد دفع ذلك بالرئيس الفرنسي إلى استغلال القمة التي شارك فيها زعماء (38) دولة أفريقية للمساعدة في إيجاد حل سياسي للصراع التشادي، ومن جانب آخر كرس الرئيس حبري معظم جهوده خلال المؤتمر لممارسة الضغط على فرنسا لتعزيز الدور الفرنسي العسكري في مواجهة الثوار المدعومين من ليبيا، بعد أن أدى التدخل الفرنسي إلى جانب الرئيس حبري إلى تجميد الأوضاع العسكرية، ولعل حساسية إطالة أمد الوجود العسكري الفرنسي في تشاد، إلى جانب ضغوط الزعماء الأفارقة على ميتران هي التي دفعت فرنسا إلى السعي بجد من أجل الوصول إلى حل سريع للأزمة، فقد صرح المستشار النمساوي السابق كرايسكي في لقاء تليفزيوني: أن فرنسا كانت قد طلبت منه بذل مساع حميدة لدى ليبيا من أجل تسوية النزاع في تشاد، وأنه حمل بالفعل رسالة من العقيد القذافي إلى الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران، ورد ميتران إلى الزعيم الليبي، وقد ساعدت هذه المساعي على الوصول إلى الاتفاق الفرنسي الليبي الأخير للانسحاب المتزامن لقواتهما من تشاد.
• الدور التشادي المطلوب:
في حالة تأكد انسحاب القوات الأجنبية الليبية منها والفرنسية من الأراضي التشادية يأتي دور الشعب التشادي الذي يجب أن يكون دورًا إيجابيًا، ينطلق من مصالحة وطنية بين أطراف النزاع، والعمل المشترك لقيام حكومة وطنية مؤقتة ترضي جميع الأطراف والفئات الشعبية بعيدًا عن فرض شخصية معينة بالقوة، ثم الاستعداد لإجراء انتخابات عامة خلال عام تقريبًا ليختار الشعب التشادي المسلم نفسه زعماءه بنفسه بعد حرمانه من الديمقراطية وحرية الاختيار منذ أكثر من (20) سنة، وعلى الدول الإسلامية كافة مساعدة الشعب التشادي في سبيل الحفاظ على وحدة ترابه، واستقرار بلاده، والتوجه بها توجهًا إسلاميًا سليمًا، يضمن لكل مواطن حقه الكامل، ويشد صمام الأمان حتى لا تنزلق البلاد إلى حرب أهلية أخرى.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل