; في صدر الإسلام.. أثر القرآن في نماء النثر وضمور الشعر | مجلة المجتمع

العنوان في صدر الإسلام.. أثر القرآن في نماء النثر وضمور الشعر

الكاتب محمد عبد الهادي

تاريخ النشر السبت 04-يوليو-2009

مشاهدات 61

نشر في العدد 1859

نشر في الصفحة 48

السبت 04-يوليو-2009

  • في ظل الانشغال بالفتوحات الإسلامية لم يلق الشعر الأرض الخصبة والجو المناسب.
  • المسلمون وجدوا في القرآن الكريم ضالتهم واستعاضوا به عن الشعر الجاهلي.
  • النص القرآني والحديث الشريف والخطابة عوامل ساهمت في نمو النثر الفني.

بدأ الأدب العربي (شعرًا ونثرًا) مرحلة جديدة من مراحل حياته.. منذ أن بدأ الرسول ﷺ يردد الآيات الأولى التي أوحيت إليه، على أهله الأقربين وأصحابه الذين آمنوا به.

هذا التغيير الذي لحق الحياة الأدبية يمكن إرجاعه إلى العوامل التالية:

العامل الأول: القيم التي بشر بها النص القرآني، والمفاهيم التي دعا إليها.

العامل الثاني: أن الإسلام يختلف عن الأديان الأخرى، في أن معجزته العظمى كانت معجزة بيانية، وأنه استفز قوى الإعجاب في نفوس العرب من هذا الفن القولي، حيث غدا الأدب هو الإطار الذي انسكبت فيه صور الفكرة الإسلامية.

العامل الثالث: أن الدعوة الإسلامية انساحت إلى الشام والعراق، وإلى ما وراء ذلك من فارس وبيزنطة.. ونشرت لغتها ودينها وشهدت في هذه المواطن کل جدید دهشت به وتفاعلت معه، وكان له في حياتها الفنية آثاره القريبة أو البعيدة.

إن النظر الفاحص إلى ما وصل إليه كل من الشعر والنثر في صدر الإسلام يضعنا أمام صورة واضحة لاتجاه متعاكس، يشير إليه كل من هذين الفنين سيرًا منفردًا.

فالنثر الفني يمضي صعدًا، تتضافر على نموه كل مظاهر الحياة الاجتماعية والسياسية والأدبية (النص القرآني، الحديث الخطابة الرسائل الوصايا)، بينما الخط البياني الذي يرسمه الشعر، يمضي منحدرًا في شيء من الانكماش والضمور.

لقد كانت الأحاديث والخطب والكتب والوصايا النبوية، وكذلك خطب الخلفاء وكتبهم إلى الولاة علاوة على ما كان يدونه العرب عقب الغزوات، كل هذا كان له أثر كبير في ازدهار النثر.

وإليكم خطبة أبي بكر بعد توليه الخلافة كنموذج للنمو الذي وصل إليه النثر:

فقد حمد الله وأثنى عليه ثم قال : 

«أيها الناس إني وليت عليكم، ولست بخيركم، فإن رأيتموني على حق فأعينوني وإن رأيتموني على باطل فسددوني، أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإذا عصيته فلا طاعة لي عليكم، ألا إن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ الحق له، وأضعفكم عندي القوي حتى آخذ الحق منه، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم».

هذا النص يمكن أن يُعد – بالتعبير الحديث - (البرنامج السياسي للحكم الجديد) ويتضمن أن هذه المرحلة التي سيؤسس لها، غير منقطعة عن المرحلة التي سبقتها.

ويروى أن عمر رضي الله كتب إلى لبيد قال: أنشدني ما قلت في الإسلام. فانطلق لبيد فكتب سورة البقرة في صحيفة وقال: أبدلني الله عز وجل بهذه في الإسلام مكان الشعر (1).

إن المغزى الذي نأخذه من هذه القصة أن القرآن الكريم كان تعويضًا فنيًّا عن الشعر... وهنا يثور سؤال، وهو: كيف استطاع المسلمون التعويض بالقرآن عن الشعر؟ (2).

والجواب أن الشعر الجاهلي كان ممثلاً للحياة الجاهلية وتقاليدها: في ألفاظه ومعانيه وصوره وتشبيهاته، وفي القيم التي تكمن فيه... لذلك كان لا بد أن يجد المسلمون ما يعوضهم عن الشعر، وقد وجدوا ضالتهم في القرآن.

لقد شهدت الجماعة الإسلامية هذا التيار من الترغيب بالقرآن والاكتفاء به، لا من حيث إنه كتاب الدعوة فحسب، بل من حيث إنه في روعته البيانية، فوق ما ورث العرب من تليد الشعر، وأن سحره الأدبي ليجاوز طاقة البشر..

وقد اتجه القرآن بالعرب المسلمين إلى النثر بعد أن أصبح هو الأداة التي تقتضيها مصلحة الدعوة والدولة معًا في ظل الحياة الجديدة التي أفاءها الإسلام على العرب.

لقد تغير المثل الأعلى للبيان العربي إذًا: في درجته حين جاء هذا القرآن المعجز، وفي نوعه، فلم يعد شعرًا فحسب وإنما أصبح نثرًا وخطابة، وكان ذلك كله كفيلا بأن يباعد بين العرب وبين الشعر ولو إلى حين إلى أن يأتي العصر الأموي، وتقتضي الحياة بعض الانقلاب في المفاهيم الفنية (3).

حركة الفتوح وضمور الشعر

لم يقتصر الأمر على انصراف العرب عن الشعر إلى تدارس القرآن، وإنما تجاوز ذلك إلى حركة المد الإسلامي، التي تتجاوز الجزيرة العربية أيام أبي بكر إلى مهاجر العرب من قبل في الجاهلية، في الشام والعراق، ثم تعدو ذلك أيام عثمان إلى ما وراء الفرات ودجلة من أرض فارس، وإلى ما وراء حدود الشام من ولايات بيزنطية.

حركة الفتوح وما رافقها من جو معنوي أو مادي، استنفدت طاقة العرب النفسية لتصرفها في هذا الميدان، ولم تكن تتيح للعرب وقتئذ أن ينصرفوا عنها إلى أنفسهم.. وكانت هي كل حياتهم الداخلية والخارجية على السواء، فقد امتلكت أذهانهم فكرة السعادة أو الشهادة. 

يقول ابن سلام: «جاء الإسلام فتشاغلت العرب عن الشعر، تشاغلوا عنه بالجهاد وغزو فارس والروم، ولهيت عن الشعر وروايته» (4). 

كان المسلمون دائما في أحد موقفين، موقف المهاجم، أو موقف الشعرية المدافع، فلم تجد الكلمات سبيلا للتحليق والازدهار...

والمتأمل في قراءة شعر الفتوح، من خلال الروايات التاريخية تتيح لنا أن نجمع نوعين اثنين كبيرين هما:

أ- شعر البطولة فهو يهدف إلى الإشادة بما كان من إقدام الشاعر أو من قوة الكتيبة، وكان يصور أحيانا قسوة المعارك وشدة اللقاء، وما كان من أحداث خلال الفتح، وما انتهت إليه من هزيمة أو نصر، وما كان من إحجام أو إقدام.

ولا يخرج شعر البطولة هذا عن أن يكون لونًا من ألوان الفخر الذي عرفته الحياة الجاهلية، غير أنه قد اكتسا هذا الصبغ الإسلامي الخفيف أو القوي، فهو يتحدث عن الإسلام والدين، وهو يذكر الله والرسول ﷺ وهو يصدر عن روح الجماعة، أكثر مما كان شعر الفخر الجاهلي يصدر عن روح الفرد أو القبيلة.

ب- شعر المواجد: فهو تعبير عن الأشواق التي كانت تملأ نفس المحارب، فهو يشتاق إلى مرابعه الأولى، ويحن إلى مواطنه التي أقبل منها، ويذكر أهله الذين خلفهم، ويتمنى لو كان قريبًا منهم وإلى القارئ، منها هذه الأبيات (5) كنموذج:

أكرر طرفي نحو نجد وإنني 

برغمي وإن لم يدرك الطرف أنظر 

حنينًا إلى أرض كأن ترابها 

إذا أمطرت عود ومسك وعنبر 

أحن إلى أرض الحجاز وحاجتي 

خيام بنجد دونها الطرف يقصر

ج- الرجز إلى جانب شعر البطولة وشعر المواجد، كان الرجز يشاركهما أحيانا في الموضوع ويخالفهما في الشكل. 

تقييم شعر الفتوح: كان شعر الفتوح امتدادًا للشعر الجاهلي، ولهذا لم يكن شعر البطولة إلا تجديدًا لشعر الفخر وإن اختلف عنه في الواقع الاجتماعي الذي يطبعه، أما شعر المواجد والحنين فقد كان صورة متقدمة كما يبدو لشعر الأطلال والبكاء على الديار ونداء الأحبة.

أما الرجز فلم يتخذ في صورته الظاهرية من الشكل، ولا في بطانته الداخلية من الموضوع ثوبًا جديدًا، ولم يبعد خطاه بعد ليكون هذا الرجز الفني في أواخر العصر الأموي وأوائل العصر العباسي.

مثال ذلك ما ارتجزه جعفر بن أبي طالب في غزوة مؤتة:

يا حبذا الجنة واقترابها                     طيبة وبارد شرابها

والروم روم قد دنا عذابها               كافرة بعيدة أنسابها

هذه المعاني القريبة المتناول نجدها تتكرر بالمستوى ذاته في شعر عبد الله بن رواحة في المعركة ذاتها.

ونرى في هذا الدور من أدوار الأدب العربي تلوينًا للأنواع الأدبية الجاهلية، ولكنه لا يرى تجديدًا فيها.

إن ظلال الحرج التي ألقتها الحياة الإسلامية على الشعر اتجهت بالحياة الأدبية إلى النثر، وإلى تنمية هذا النثر ليكون نثرًا فنيًّا.

-------------------------------

الهوامش:

(1) الأغاني، لأبي الفرج الأصفهاني.

(2) المجتمعات الإسلامية، لشكري فيصل.

(3) طبقات الشعراء، محمد بن سلام الجمحي، «جوزيف هل».

(4) معجم البلدان، لياقوت الحموي. 

(5) الأدب العربي من ظهور الإسلام إلى نهاية العصر الراشدي، حبيب مغنية.

المراجع:

(1) الأدب العربي في الجاهلية والإسلام، عمر رضا كحالة.

(2) البرهان في علوم القرآن، الزركشي. 

(3) تاريخ الشعر العربي حتى نهاية القرن الثالث الهجري، محمد نجيب البهيئي. 

(4) تطور الأساليب النثرية في الأدب العربي، أنيس المقدسي.

(5) الحياة الأدبية في عصر صدر الإسلام، محمد عبد المنعم خفاجي. 

(6) النثر ومذاهبه في النثر العربي، شوقي ضيف.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل