العنوان قراءة في تقرير الحالة الدينية في مصر
الكاتب إحسان السيد
تاريخ النشر الثلاثاء 25-أغسطس-1998
مشاهدات 100
نشر في العدد 1314
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 25-أغسطس-1998
مصر
● لماذا يثني التقرير على أداء شيخ الأزهر ووزير الأوقاف، ويتجاهل المشكلات التي أثارها أداؤهما داخل المؤسسة الدينية؟!
● تحت ستار الوحدة الوطنية، يضخم التقرير من حجم المؤسسات الكنسية ويضعها على قدم المساواة مع المؤسسات الإسلامية.
يمس التقرير الجديد عن الحالة الدينية في مصر منطقة شديدة الحساسية في العلاقة بين الدين والحياة العامة في مصر، بما تحمله هذه العلاقة من تعقيدات وتركيبات وتداخلات تاريخية نابعة من كثافة وثقل الحضور الديني في تاريخ المصريين.
اهتمام التقرير ببحث الحالة الدينية في مصر ليس فقط لإعطاء سمة فكرة للوحدة الوطنية بين المسلمين وغيرهم، وإنما أيضًا لوجود اعتقاد بأن الدين ظاهرة أصيلة في الهوية المصرية، تنعكس في العمل السياسي المصري، بتعدد أشكال وآليات التعبير عنه، ويرد التقرير الثاني الذي أصدره مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام على ما أثاره التقرير الأول حول الموضوع ذاته من تساؤلات والتباسات حول حالة تدين المصرين كافة، حيث اعتبر البعض الدين شيئًا عارضًا أو حادثًا استثنائيًّا في حياة المصريين، ومنطق هؤلاء مرده تحول الدين من نطاق الممارسة الشخصية أو الجماعية الإيمانية، ليغدوا تعبيرًا سياسيًّا واجتماعيًّا ورمزيًّا عن فئات اجتماعية ومدارس فكرية وسياسية محجوب عنها الشرعية المؤسسية والقانونية، سواء على المستوى المؤسسي أو في المجال العام.
من ناحية أخرى، يحاول التقرير كسر الحواجز المعرفية والنفسية والإدراكية والذهنية بين المصريين على اختلاف انتماءاتهم الدينية ومواجهة التوترات الدينية والطائفية التي تطفو على السطح أحيانًا، وتشير إلى وجود فجوات إدراكية ونفسية وثقافية تحتاج إلى رأب صدوعها من أجل تعضيد التوحد والاندماج القومي المصري، إزاء الطوارئ والمتغيرات الداخلية والخارجية.
وقد اتسم التقرير بالجمع بين الطابع المعلوماتي الرصدي- كما ظهر في القسم الأول- في تناوله للمؤسسات العلمية والدينية في مصر مثل: كلية أصول الدين، وكلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر، وبعضها تابع للنصرانية مثل: الكلية الإكليريكية الأرثوذكسية، وكلية اللاهوت والعلوم الإنسانية الكاثوليكية، وكلية اللاهوت الإنجيلية البروتستانتية، وكذلك في تناوله لأوضاع اليهود المصريين، وضمور أعدادهم في مصر، سواء بالموت أو بالهجرة.
جمع التقرير بين الطابع المعلوماتي التوثيقي، وبين الطابع التحليلي النقدي في متابعة أعمال القسم الثاني، حيث حظيت الحركات الدينية المحجوبة عن الشرعية القانونية بمزيد من الاهتمام، وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين، وظهور مشروع حزب الوسط بما أثاره من تفاعلات.
كما كان للإسلاميين «الراديكاليين» في الخارج بشخوصهم وأفكارهم ونزعاتهم وأثارهم على الداخل نصيب من الدراسة والتحليل.
ولم يغفل التقرير نشاط الأقباط في المهجر من خلال الهيئة القبطية في أمريكا والجمعية المصرية لحقوق الإنسان بكندا.
وسلط التقرير الضوء على العمل الأهلي والطوعي وما شهده من تطورات في عام 1996م، فرسم خريطة للجمعيات الأهلية الدينية الإسلامية والمسيحية وتوزيعها الجغرافي والخدمي، ودرس تطور الحركة الصوفية وعلاقة المكون الديني، ثم السياسي في نطاق تفاعلات وأعمال الجمعيات الأهلية الدينية في إطار نموذجين لجمعيتي الشبان المسلمين والشبان المسيحيين، وذلك في القسم الثالث إلى جانب رصد انثروبولوجي تقريري لبعض الموالد(!) «السيد البدوي بطنطا» و«ماري جرجس بميت دمسيس».
ورصد القسم الرابع بعضًا من القضايا والموضوعات الجديدة ذات الأهمية والعلاقة بالنسبة للمكون الديني في مصر ومنها مضمون الصحافة الدينية في مصر، ودراسة خطاب الإسلاميين المستقلين، وكذلك الخطاب الديني المسيحي، وظاهرة البنوك الإسلامية، وجهود المثقفين المصريين الوطنيين في فتح آفاق الحوار الإسلامي المسيحي، ونشاط المثقفين المسلمين في المحاضرات في المؤسسات الدينية المسيحية في محاولة منها للانفتاح على المجتمع والتفاعل مع أحداثه، وإن كان بصورة تدريجية بطيئة.
المؤسسات الدينية الرسمية:
في محاولة للكشف عن أوضاع المؤسسات الدينية والتعليمية الرسمية الإسلامية والمسيحية، حدد التقرير عددًا من المؤسسات التي تحقق هذا الهدف على النحو التالي:
الأزهر- الأوقاف- دار الإفتاء- الكنائس الأرثوذكسية- الكاثوليكية الإنجيلية- إلى جانب الكليات الإسلامية والمسيحية.
فقد استعانت الدولة بمثلث الأزهر- الأوقاف- دار الإفتاء، للتصدي للقضايا والإشكالات التي أثارتها أعمال العنف والجدل الفقهي بين التيار الإسلامي والحكومة، وبخاصة المتعلقة بالجوانب الفقهية التي تبرر من خلالها بعض الجماعات ممارساتها الضيقة، وكذلك في إبداء الرأي والمشاركة في القضايا العصرية بصيغة لا تصطدم والسياسة العامة للحكومة، وفي الوقت الذي نادي فيه بعض رموز الأزهر بضرورة استقلال دور المؤسسي سار في خط رئيس اتسم برفض الممارسات الإسرائيلية وسياستها في المنطقة، وأيد الدعوة إلى الحوار مع الأديان الأخرى مع الاستمرار في أداء رسالته التعليمية والدينية في المعاهد والكليات الأزهرية بما يخدم الدعوة الإسلامية، وإعلان الأزهر عزمه على إنشاء قناة دينية، والتوسع في إنشاء مراكز علمية عالية التخصص التكنولوجي لخدمة المجتمع.
ونشطت وزارة الأوقاف في مجال الدعوة في الخارج عبر زيادة المراكز الإسلامية في الخارج، ومراجعة أموال الوقف وحسن استثمارها في أعمال الخير، وزيادة المطبوعات الإسلامية باللغات الأجنبية، ورعاية المسلمين في الخارج لحفظ هويتهم الإسلامية ونشر اللغة العربية بينهم.
وأثنى التقرير على «حسن اختيار» قيادات المؤسسات الدينية الثلاث، والتي حققت درجة من التعاون والتكامل بين هذه المؤسسات وبخاصة دار الإفتاء، وبين الدولة وتغليب المصلحة العامة للمسلمين والوطن، وحفظ الوحدة الوطنية للمصريين في إطار اهتمام الشريعة، وكذلك برزت العقلية التوحدية للمفتي في إطار اهتمامه بقضايا وحدة المسلمين في العالم، وتوحيد جهودهم السياسية والاقتصادية، وبناء عليه، فقد دعا إلى إنشاء مرصد فلكي إسلامي دولي لتوحيد أوائل الشهور العربية، وألح في ضرورة تنفيذ إنشاء السوق الإسلامية المشتركة.
وقد نجحت الدولة إلى حد كبير في تحقيق درجة مقبولة من الانسجام في الأداء داخل هذه المؤسسات وفيما بينها خلال عام 1996م الذي لم يشهد تضاربًّا في المواقف «د. محمد سيد طنطاوي شيخًا للأزهر، ود. حمدي زقزوق وزيرًا للأوقاف د. نصر فريد واصل للإفتاء»، وظهرت الحكمة في تعيين رؤوس هذه المؤسسات الثلاث، وخروجهم جميعًا من عباءة الأزهر، فاتسم الخط الفكري بالتقارب والانسجام.
ولكن التقارير لم يتطرق إلى ما سببته سياسيات شيخ الأزهر ووزير الأوقاف من تصاعد للخلاف من قطاعات أخرى داخل مؤسسة الأزهر وجامعته، وكأنه يكفي حدوث التناغم بين الأزهر والأوقاف للقول بنجاح سياستهما! وهل يفترض في أشخاص معينين من جهة واحدة أن يختلفوا.
المؤسسات الكنسية:
وعملًا بالمنطق نفسه، رصد التقرير الكنائس القبطية: الأرثوذكسية والكاثوليكية والإنجيلية من حيث نشاطها الكنسي والدعوي خلال عام 1996م.
فعلى سبيل المثال تميز ذلك العام بالنشاط المكثف للكنيسة الأرثوذكسية حيث شهد الاحتفال باليوبيل الفضي لتولي الأنبا شنودة، كما حفل العام بمزيد من الأنشطة العلمية والثقافية والتنموية للكنيسة تركزت على رعاية وتطوير الكلية الإكليريكية ومعهد الدراسات القبطية، وترميم الكنائس والآثار القبطية والأسقفية الشبابية لتقديم الرعاية والخدمة للشباب القبطي، كما اهتمت الكنيسة بالقضايا الوطنية التنموية مثل محو الأمية، وخدمات المعوقين، وتدريب الشباب مهنيًّا.
وقد اشتركت الكنيسة الكاثوليكية في الاهتمام بالأنشطة المؤسسية والتعليمية وكنائس المهجر، واهتمت بالقضايا العامة والخارجية، فشاركت في المؤتمر الإسلامي المسيحي الثاني، وأعلنت تضامنها مع شعب لبنان، كما أيدت الكنيسة الإنجيلية اهتمامًا مماثلًا بالأنشطة الخارجية، وكذلك الداخلية، فعلى المستوى الخارجي، أعلنت دعمها لشعب فلسطين في كفاحه للحصول على كامل حقوقه وسيادته على أرضه وفي الداخل شاركت في الأنشطة الثقافية والعلمية والتنموية والخدمية.
اليهود في مصر والأيام الأخيرة:
أما طائفة اليهود، فيمكن القول حسب ما جاء في التقرير أنهم يعيشون أيامهم الأخيرة في مصر، فلم يعد هناك سوى عدد من كبار السن يزيد قليلًا على 100 شخص، يعيشون إما على ربع ممتلكاتهم أو ممتلكات الطائفة أو على المساعدات التي يتلقونها من منظمة الجيونت اليهودية، وتحول اليهود القراؤون إلى أقلية صغيرة جدًّا تضم أربع نساء بعد أن هاجر أو مات جميع رجالهم.
الحركات الدينية:
تميز التقرير في القسم الثاني بالحركية في تحليل وعرض الحركات الدينية في مصر أو خارجها، وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين التي ظلت محجوبة عن الشرعية القانونية.
وقد شهد عام 1995م، و1996م تحولًا خطيرًا في علاقة الدولة بالإخوان المسلمين في مصر، وجرت أكبر حملة اعتقالات موسعة ضدهم منذ مدة طويلة، وتطورت قضايا الإخوان بمحاكمتهم أمام القضاء العسكري، وهي سابقة من نوعها.
فيما وصف بأنه بداية هجوم موسع من الحكومة على الجماعة يتعدى منعها من خوض الانتخابات التشريعية "نوفمبر 1995م" إلى تحجيم نشاطها السياسي، وقد أثبتت أحداث 1996م، وأكدت هذا الرأي بعد أن تحولت الحكومة من المهادنة إلى المواجهة، وبخاصة كما يشير التقرير بعد محاولة الاغتيال الفاشلة ضد الرئيس مبارك في أديس أبابا في يونيو 1995م، وتعقب أجهزة الأمن لجماعات العنف في الداخل والخارج، وميل التقارير الأمنية إلى تصنيف جماعة الإخوان ضمن الجماعات التي تناصر العنف أو تؤازر الجماعات التي تمارسه (!!).
وقد رفعت الدولة شعار الاتهام لقيادات وأعضاء الجماعة أثناء اعتقالهم بأنهم ينتمون إلى جماعة سرية تهدف إلى قلب نظام الحكم بالقوة، ويقومون بتوزيع منشورات، ويمارسون أعمال تحريض ضد النظام بالتعاون مع جماعات العنف في الداخل والخارج.
وبرغم اعتقال 13 عضوًا في الجماعة بتهمة السعي لتأسيس حزب، وإحالتهم للقضاء العسكري، فقد أصدرت المحكمة أحكامها بعيدًا عن موضوع تأسيس حزب الوسط، مما يرجح أن القضية كانت خاصة بالإخوان أساسًا.
المناورة والتواجد:
وأوضح التقرير، كيف ردت جماعة الإخوان على سياسة الاقتصاد والتهميش التي اتبعتها الدولة إزاءها بانتهاج استراتيجية مضادة تقوم على المناورة والتواجد، وتترجم حضور الجماعة في الحياة السياسية بشكل أو بأخر كحركة سياسية واجتماعية ذات تاريخ طويل في العمل السياسي دون أن يؤدي ذلك إلى استفزاز الدولة أو الصدام معها، وهو ما أعلنه الأستاذ مصطفى مشهور المرشد العام للجماعة في أكثر من لقاء صحفي في أوائل 1997م، مؤكدًا ثبات سياسة الجماعة وتطور آلياتها عملًا بمنطق التواؤم بين الظروف الأمنية والسياسية للبلاد.
وهو ما دعا الجماعة إلى تجنب خوض انتخابات المحليات، مع استمرار نشاطها في الانتخابات النقابية التي سبق أن حققت فيها حضورًا مكثفًا، ولكن دون السعي لما يسميه البعض استفزازًا للحكومة.
وأعلنت الجماعة على لسان مرشدها العام أنها ستعمل بكل الوسائل المتاحة والمعترف بها، من خلال النقابات والمدارس والجمعيات والأندية والجامعات، والاتصال المباشر بالناس دون مخالفة للقانون، ويرى التقرير أن الجماعة اتخذت من جريدة الشعب- جريدة حزب العمل- منبرًا مهمًا ومنفذًا قانونيًّا لإثبات تواجدها في الساحة المصرية والإسلامية عمومًا، والدفاع عن قضايا الإخوان ومواقفهم من المشكلات الخاصة بالجماعة وقضايا الرأي العام في مصر عمومًا، وهو كلام غير دقيق، إذ إن المساهمة في الجريدة تقتصر على مقال أسبوعي يكتبه في الغالب مرشد الجماعة.
وعلى الصعيد الخارجي، شاركت الجماعة في المؤتمرات والندوات التي تضم إسلاميين عن تيارات متخلفة لعرض رؤيتها للقضايا المثارة.
وهكذا لم تفلح استراتيجية الحكومة في إقصاء الجماعة «الإخوان» أو تهميشها أو إنهاء تواجدها السياسي، نظرًا لكون الإخوان جماعة أو حركة سياسية واجتماعية أكثر منها تنظيمًا سياسيًّا تقليديًّا، كما ساعدها تاريخها الطويل على تكوين قاعدة جماهيرية تعمل بتلقائية سواء مع وجود التنظيم أو غيابه.
ويزعم التقرير أن الجماعة تكيل بمكيالين في قضايا حرية الفكر، إذ في الوقت الذي تدعو فيه لحرية الرأي والفكر، وتؤيد مبدأ الاجتهاد، وترفض تكفير الآخرين، نجدها تؤكد حكم المحكمة بارتداد د. نصر حامد أبو زيد، والتفريق بينه وبين زوجته المسلمة، وليس في الأمر ثمة شبهة في الكيل بمكيالين، لأن القضية هنا لا تتعلق بحرية الفكر أو الرأي، وإنما تتعلق بمحاولة معلنة لهدم الإسلام، وإنكار حجية السنة، وهي الأصل الثاني للتشريع الإسلامي، والتهجم على القرآن الكريم، والتشكيك في أنه وحي من السماء.
أما على صعيد القضايا الإقليمية، فقد سارت الجماعة على خطها الرافض للتسوية مع إسرائيل، والداعي إلى الجهاد لتحرير القدس والأراضي الفلسطينية المحتلة، ومن ثم مؤازرتها للحركات الإسلامية وبخاصة حركة حماس، مما شكل خط انقطاع في علاقتها بالسلطة الوطنية الفلسطينية بسبب سياستها الصدامية والهجومية على حماس.
الخلافات الداخلية أمر طبيعي:
وقد أثار التقرير مسألة الخلافات الداخلية في الجماعة خلال عام 1996م، ووصفها بأنها صورة من صور الانشقاقات التي يمكن أن تهدد حاضر الجماعة ومستقبلها، والواقع أن خروج أعداد من الجماعة في شكل تنظيمات جديدة أو وجود بعض الاختلافات الفكرية داخل الجماعة، أو اعتراض بعض الأعضاء على أسلوب تسيير الجماعة وإدارة شؤونها يعد أمر طبيعيًّا، وبخاصة في حالة جماعة كبيرة متشعبة في الداخل والخارج كالإخوان وفي ظروف استثنائية كالتي مرت بها.
الجماعات الإسلامية الراديكالية:
وفي تناول لتفاعلات الجماعات الإسلامية الراديكالية خلال عام 1996م، سجل التقرير تطورًا مهمًا في خطاب هذه الجماعات، تمثل في مبادرة وقف العنف الموجه إلى المسؤولين ورجال الشرطة ومن يعاونهم، والأقباط والسياح، وهي المبادرة التي أعلنتها الجماعة الإسلامية في أسوان بشكل منفرد لمدة عام كامل، ودعت إلى التخلق بأخلاق الرسول- صلى الله عليه وسلم- في الدعوة بالحسنى، واحترام الأقباط كأهل ذمة ورعاية السياح كأهل أمان.
وقد أسست هذه المبادرة نقلة كبيرة في طبيعة علاقة الجماعة بالدولة من الوساطة إلى المبادرة بالأفكار التوفيقية والمصالحة.
غير أن أحداث فندق أوروبا التي وقعت في 18/4/1996م، وأسفرت عن مقتل عدد من السياح اليونانيين، والتي كانت تستهدف رد الجماعة الإسلامية على العدوان الإسرائيلي على لبنان، وتسجيل رفضها لعملية التسوية برمتها واعتمادها خيار المواجهة في الداخل ضد المصالح والرعايا الإسرائيلية الوافدين لمصر للسياحة، وكذلك استنفار كافة الجماعات الجهادية لتصفية الوجود اليهودي والمصالح اليهودية في أنحاء العالم، وهذه الأحداث تشكل وتعكس تطورًا مهمًا على صعيد فقه الحركة في تصفيه أشخاص على قاعدة الانتماء القومي وليس على صعيد علاقتهم بمؤسسات الدولة.
غير أن عودة العنف دفعت الحكومة إلى أتباع سياسة جادة لتجفيف منابعه، وتصفه الأجنحة العسكرية للحركات الراديكالية لشل قدرتها التنظيمية والحركية، سواء تم ذلك بالقتل أو الاعتقال في الداخل والخارج، وبخاصة بعد أن رفض إسلاميو الخارج مبادرة وقف العنف، وقد لاحظ التقرير درجة واضحة من التقارب- النظري وليس الحركي- في المواقف والعلاقات بين الجماعة الإسلامية وجماعة الجهاد، لم يسجل التقرير تصعيدًا في الهجوم الذي كان شائعًا من قبل الجماعات على تجربة الإخوان.
أقباط وحركيو المهجر:
عبر التقرير عن صعوبة تناول أوضاع الأقباط في المهاجر الغربية، نظرًا لغياب خريطة معلوماتية سوسيولوجية للأقباط في كل دولة أو مجتمع غربي على حدة، وهو ما يؤدي إلى عدم وضوح عدد المنخرطين منهم في الحياة السياسية والتطوعية في المهجر، وعدم معرفة عدد النشاط في المنظمات القبطية التي تتخذ مواقف سياسية إزاء الدولة المصرية أو تمارس أدوارًا انتقادية تجاه المؤسسة الدينية القبطية، ومن أهم الهيئات القبطية النشطة في المهجر، المنظمة المصرية لحقوق الإنسان في كندا، والهيئة القبطية في أمريكا، وكلاهما أولت اهتمامًا واضحًا بقضايا الأقليات والمرأة والفئات المهمشة اجتماعيًّا، وعكست في الوقت ذاته تعاظم الدور الذي باتت تلعبه المنظمات غير الحكومية على المستوى الدولي كقوة تأثير وضغط على الدول والمنظمات.
العمل الأهلي التطوعي:
اهتم القسم الثالث من التقرير بالكشف عن الجوانب الإيجابية في مجال العمل الأهلي التطوعي للجمعيات الدينية سواء الإسلامية أو النصرانية.
وقد لوحظ أن اعتماد هذه الجمعيات قيم التسامح الديني والتنوع المذهبي، قد أدى إلى انتفاء سمة الصراع والتنافس بين هذه الجمعيات أو إضعافها، لما يفرضه المكون الديني من حث على العمل التطوعي الخيري الذي تمتزج فيه الأهداف الاجتماعية بتلك الدينية، فالجمعيات الأهلية الإسلامية تقتصر خدماتها على المسلمين، بل شملت أيضًا الأقباط.
وبتحليل الخريطة الجغرافية لتوزيع الجمعيات الدينية، يتضح أن محافظة القاهرة تحتل المرتبة الأولى في تركز الجمعيات الدينية لها، الإسلامية "483 جمعية" والمسيحية (167) ، وبدراسة لجمعيتي الشبان المسلمين، والشبان المسيحيين، خلص التقرير إلى أن الجمعيتين تمارسان نشاطًا واسعًا بتراوح بين النشاط الديني بمفهومه الواسع، وبين الأنشطة الاجتماعية والثقافية والرياضية، فضلًا عن الأنشطة الروحغانية في رعاية النشء والشباب.
علاقات وتفاعلات:
اهتم التقرير في القسم الرابع والأخير باتخاذ الصحافة الدينية الإسلامية والمسيحية في مصر وموقفها من بعض القضايا، مؤشرًا يعكس التفاعلات والعلاقات التي عرفها المجال الديني المصري خال عام 1996م.
وقد أسفر تحليل استمارات استطلاع وتحليل محتوى 11 مطبوعة صادرة عن الهيئات الدينية المسلمة والمسيحية، عن تربع الموضوعات الدينية على قمة اهتماماتها، فبلغت نسبة اهتمام مجلة الهدى الصادرة عن الكنيسة الإنجيلية بالموضوعات الدينية 85.5% تليها الموضوعات الثقافية ثم السياسية، دونما اهتمام بالأنشطة الترفيهية، وفي الوقت الذي اهتمت فيه مجلة الصلاح الكاثوليكية بالقضايا الدينية بنسبة 80.2%، فإن مجلة الكرازة الأرثوذكسية أولت اهتمامًا للقضايا الدينية بنسبة 80.6%، مع عدم اهتمام بقضايا السياسة المعاصرة.
وظهر نوع من التوافق بين اهتمامات وأولويات الصحافة الإسلامية والمسيحية، فقد أظهرت مجلة الأزهر اهتمامًا كبيرًا بالموضوعات الدينية بنسبة 67.8% ثم القضايا الثقافية، فموضوعات السياسة المعاصرة، وبينما لم تبد المجلة اهتمامًا بالأنشطة الترفيهية، نظرًا لطابعها التعليمي- الإرشادي، فإن مجلة منبر الإسلام، أبدت اهتمامًا بكافة الموضوعات والأنشطة بدرجات متفاوتة بما فيها الأنشطة الترفيهية.
تحليل الخطاب الديني ودلالاته:
تنامي الخطاب الإسلامي في مصر منذ منتصف السبعينيات، ومثل خطاب الإسلاميين المستقلين أحد أهم روافده، واتسم بالوضوح عدد كبير من المتلقين، وقد استعان التقرير بأسماء د. سليم العوا، فهمي هويدي، والمستشار طارق البشري، ود. كمال أبو المجد، كرموز لهذا التيار الذي حاول خلخلة الثقافة النمطية للفكر الإسلامي وإعادة تنظيم تصوره والاجتهاد في صوغ الفكر الإسلامي كمشروع وخيار حضاري للنهضة.
وقد عبر إنتاجه بعمق عن قناعات أيديولوجية، وأهداف سياسية لا شبهة حولها، فاستهدف المستشار البشري بناء تيار سياسي غالب في المجتمع يمثل عموم الأمة ويستوعب القاسم المشترك، مما تنادي به كل القوى، بينما حدد العوا هدفه في محورين أولهما توجيه الشباب للتفقه المتكامل في شؤون الدين والدنيا، ثم تحديد دور ذوي والوعي الديني المتميز في النهضة الوطنية والاجتماعية.
وأسفر تحليل الخطاب القبطي من خلال مقولات بعض رموزه المستقلين: الأنبا متى المسكين، والأنبا يوحنا قلته، والقس د. فايز فارس، عن أولوية العمل الكنسي على ما عداها في سلم الأولويات مع اختلاف بينهم حول الدور السياسي للكنيسة، والدور الاجتماعي للقبطي، ففي الوقت الذي رفض فيه د. فايز النموذج السلبي المنعزل سياسيًّا، مؤكدًا على أهمية الدور السياسي للكنيسة والأفراد رفض الأنبا متى عمل الكنيسة الاجتماعي رغم نشاطه التنموي المكثف في عدة مواقع، وبينما رفض عمل الكنيسة كمؤسسة بالسياسية أعطى رجال الكنيسة حرية نسبية في هذا المجال، وهذه الازدواجية الفكرية التي تبدو في خطابه، تحمل دلالات مهمة تفرض على المسيحي ضرورة ترتيب أولوياته وانتماءاته، وعبر الخطاب الديني للأنبا يوحنا قلته عن تفتح وسعة ثقافة إسلامية نصرانية، وأكد حاجة الإنسان إلى الاستفادة من فكر الآخر عبر دائرة الحوار المفتوح.
روايتان متضاربتان لتفسير استضافة مصر مؤتمر المعارضة
القاهرة بدأت تدخلًا نشطًا في المسألة السودانية
القاهرة: محمد جمال عرفة
يبدو أن القاهرة قررت أن تعلب دورًا فاعلًا وأكثر نشاطًا، فيما يتعلق بما يحدث في السودان، وأن هذا التدخل نابع من أكثر من هدف وسبب، أهمها استشعار القاهرة أن خطط فصل الجنوب تلقى دعمًا ورواجًا هذه الأيام، وهو خط أحمر في السياسة المصرية، مرتبط بقضية المياه والأمن القومي المصري.
هذا ما يجمع عليه سياسيون مصريون وسودانيون، ويقوله أيضًا الصادق المهدي، رئيس حزب الأمة، ورئيس الوزراء الأسبق، في أعقاب لقاء ثلاثة من أقطاب المعارضة السودانية مع الرئيس مبارك، إلا إن الفريقين يختلفان على طبيعة الدور المصري، إذا يرى فريق أن التدخل المصري النشط، الآن هدفه مساعدة المعارضة على قلب نظام الحكم في الخرطوم، بدليل الحديث المتكرر لقادة المعارضة السودانية من قلب القاهرة عن تصعيد العمل السياسي ضد الخرطوم، وفريق أخرى يرى أن العكس هو الصحيح، وأن تدخل مصر هو لصالح بقاء نظام الحكم في الخرطوم والقيام بمصالحة بينه وبين التجمع السوداني المعارض، أو بمعنى آخر استبدال الدور «الفاشل حتى الآن» الذي تلعبه منظمة الإيقاد، والدليل على ذلك أن الاتصالات- كما تؤكد مصادر دبلوماسية لـ المجتمع- مستمرة، وهناك رسائل متبادلة بين البلدين بشأن الدور المصري، وشرح أسباب استضافة القاهرة لاجتماع المعارضة.
والغريب أن لكل من الروايتين شواهد وأدلة!، الأمر الذي يضفي المزيد من الغموض حول أسباب عقد المعارضة السودانية مؤتمرها لأول مرة في القاهرة، بل وإلحاح القاهرة على استضافته بما في ذلك جون جارانج، زعيم التمرد الذي يعلن دوما عداءه لأن يحكم السودان بالإسلام ويدعو لدولة انفصاليه في الجنوب! والذي تعطل الاجتماع ثلاثة أشهر كاملة لحين حضوره.
مؤشرات المصالحة:
منذ التطورات المتلاحقة في منطقة البحيرات العظمى، وتعزيز الولايات المتحدة أقدامها في القاهرة الإفريقية، وبخاصة في منطقة منابع النيل- ومعها إسرائيل- وهناك اتجاه متزايد في السياسية المصرية نحو تنشيط دورها في هذه المنطقة التي تمثل خط أمن قومي لمصر، وكان أحد سبل التحرك المصري النشط في هذا الصدد تعزيز الاتصالات مع كل من الحكومة السودانية والمعارضة «التجمع السوداني الديمقراطي»، ومحاولة الدخول عضوًا ضمن دول «الإبقاء» السبعة «الإفريقية والأوروبية»، التي تتولى تنظيم التفاوض بين الحكومة السودانية وحركة التمرد، وقد حصلت القاهرة على دعم كل من حزبي الأمة والاتحادي لضمها إلى دول الإيقاد، وطلب المهدي في الكثير من تصريحاته بتفعيل آلية الإيقاد بضم مصر إليها، وتوسيع جهدها ليشمل تفاوض الحكومة السودانية، لا مع حركة جارانج فقط، وإنما مع المعارضة الشمالية كذلك، ولذلك ان اجتماع التجمع السوداني في مصر ضمن المسعى المصري لخلق دور مصري في السودان، وكان من الواضح في لقاء المسؤولين المصريين مع المعارضة السودانية أن هناك تركيزًا على ضرورة الحفاظ على وحدة أراضي السودان، ووقف العلميات العسكرية، وهي شروط أساسية لإنجاح الدور المصري في الوساطة بعد ما سبق أن فوضت الحكومة السودانية على لسان وزير الخارجية مصطفى عثمان- مصر في لعب هذا الدور الوسيط لحقن الدماء. أيضًا ذكرت مصادر دبلوماسية مصرية أنه تم إبلاغ الخرطوم أن هدف استضافة اجتماعات المعارضة السودانية بالقاهرة، احتواء الأصوات التي تنادي بانفصال جنوب السودان من جهة والتمهيد لاجتماع مباشر بين الحكومة السودانية والمعارضة من جهة أخرى.
وقد لوحظ أنه من بين 15 قيادة لفصائل المعارضة السودانية في التجمع لم يلتق الرئيس مبارك سوى ثلاث منهم، هم: المهدي، والميرغني، وجون جارانج.
ثلاثة من قادة الفصائل استبقوا صدور «إعلان القاهرة» في ختام اجتماعاتهم يوم 17 من أغسطس، وأصدروا بيانًا منفصلًا أكدوا فيه أنهم ملتزمون بقرارات التجمع الوطني الأساسية، وهي أن العمل السياسي والعسكري هما الحل الوحيد لتصفية الحكم السوداني الحالي، الأمر الذي يعني مبدئيًّا انشقاقهم ويظهر مدى الخلافات داخل التجمع حيال دعوة القاهرة للمصالحة والوساطة.
استباق الأحداث بإصدار هذا البيان، يكشف أن هناك بالفعل حديثًا عن المصالحة وخطوات يجري اتخاذها، أما الفصائل الثلاثة المعنية فهي، قوات التحالف برئاسة عبد العزيز خالد، والتحالف الفيدرالي برئاسة أحمد إبراهيم دريج، ومؤتمر البجا برئاسة الأمين شنقراوي.
الرئيس مبارك- كما روي المهدي على لسانه- قال: إنه يجب وقف القتال والحفاظ على وحدة السودان، وأكد أن مصر سوف تختار الوقت المناسب للمساهمة في إيجاد حل للأزمة السودانية.
واللافت أن عادل حسين- الأمين العام لحزب العمل المصري- الذي يؤيد حكومة البشير، كتب يشيد بمصر وقدرتها على عقد اجتماع المعارضة السودانية في مصر، ويقول: «إن مجرد انعقاد مؤتمر المعارضة السودانية في القاهرة هو في حد ذاته إنجاز عظيم»!، وأنه «حضر الجميع- يقصد قادة المعارضة السودانية- رغم علمهم أن الدولة المصرية تقصد من خلال مؤتمر القاهرة تحويل الحوار إلى وجهة جديدة، بحيث يؤكد الكل حرصهم على وحدة الأراضي السودانية ورفض انفصال الجنوب ومن هذا المدخل ينفتح باب التفاهم الجاد والتصالح بين القوى المتصارع والمتقاتلة في السودان».
مؤشرات دعم المعارضة:
أما الرأي القائل، بأن الدور المصري النشيط مؤخرًا سيكون لصالح دعم المعارضة، فيستند بدوره للعديد من المؤشرات أبرزها تصريحات قادة المعارضة وبعض ممثلي الحكومة المصرية، فالصادق المهدي قال ردًّا على سؤال عن طرح مصر اقتراحات محددة للمصالحة: «ليست هناك مبادرة محددة»، فاروق أبو عيسى- المتحدث باسم التجمع- ردد الأمر نفسه، مؤكدًا أن المسؤولين المصريين لم يطرحوا علينا مبادرة للمصالحة مع النظام، بل ووصف الحديث عن المصالحة بأن هذا كله اجتهادات من بعض الصحف، وتغذيه وتشيعه الجبهة الإسلامية وأصدقاؤها؟
د. يوسف والي- وزير الزراعة المصري وأمين عام الحزب الوطني الحاكم- استضاف مؤتمر المعارضة في أيامه الأولى بمقر الحزب الحاكم ثم بمقر وزارة الزراعة، وأكد- كما جاء في كلمته عند افتتاح المؤتمر- أن مصر والدول العربية تشاركهم الاهتمام بقضية التجمع العادلة.
بل إن د. والي سعى لتلبية طلب من جون جارانج لافتتاح فرع لجامعة الإسكندرية في مدينة نيمولي بجنوب السودان التي يسيطر عليها جارانج، وأبلغه أنه سيتم افتتاح هذه الفرع مؤقتًا، في كلية الزراعة بجامعة الإسكندرية، كنواة لجامعة نيمولي، وهو تصرف يغضب الخرطوم، لأن معناه الاعتراف بشرعية سيطرة جارانج على أراضي في السودان والاعتراف به!
ويلاحظ أن الخرطوم- بعد طول صمت- بدأت تسرب آراء في الصحف السودانية تعبر عن غضبها من استضافة مصر للاجتماع.
رد الفعل من «محمد الحسن أمين» رئيس الأمانة السياسية لحزب المؤتمر الوطني- وهو منصب يعادل منصب د. يوسف والي- وصف استضافة مصر لاجتماع المعارضة- وهي تعلم عزم المعارضة على تصعيد العمليات العسكرية- بأنه موجه ضد الشعب السوداني، أيضًا جاءت تصريحات ريك مشار- رئيس مجلس جنوب السودان- التي تتهم مصر بوضوح بأنها «لم تتخل عن أهدافها القديمة، وتسعى إلى إسقاط الحكومة السودانية عسكريًّا من خلال دعم المعارضة وقوى التمرد، لتزيد حجة القائلين بأن موقف مصر النشيط هو بالفعل لصالح المعارضة، وليس بغرض تحقيق المصالحة».
[1] - خدمة مركز الإعلام العربي- القاهرة