العنوان الشيخ حافظ سلامة.. وجه إسلامي بارز لثورة يناير
الكاتب أ.د. حلمي محمد القاعود
تاريخ النشر السبت 09-أبريل-2011
مشاهدات 55
نشر في العدد 1947
نشر في الصفحة 45
السبت 09-أبريل-2011
- لم تمنعه شيخوخته وجسمه الضعيف من قيادة الثورة في السويس والتلاقي مع ثوار القاهرة في التحرير.
- تصدى مع الثوار لرصاص الشرطة وكان أول من أصدر بيانًا يطالب مبارك بالتنحي وترك السلطة.
- طرح من خلال بيانه مجموعة من المطالب تبناها الشباب في ميدان التحرير منها: ضرورة تنحي الرئيس وإلغاء الطوارئ وحل مجلسي الشعب والشورى وتشكيل حكومة إنقاذ وطني.
- شارك في الكفاح الشعبي المسلح ضد قوات الغزو الصهيونية في حرب الاستنزاف منذ عام ١٩٦٧م وحتى عام ١٩٧٣م.
- قال عنه الفريق سعد الدين الشاذلي: اختارته الأقدار ليؤدي دورًا رئيسًا في المقاومة الشعبية خلال الفترة من ٢٣ - ٢٨ أكتوبر عام ١٩٧٣م.
يحاول اليسار المتأمرك والعلمانيون وأشباههم ممن لا يملكون فكرًا حقيقيًا أو عقيدة نابعة من أعماقهم أن يروجوا المقولات غير حقيقية ضد الإسلام والمسلمين فيما يتعلق بثورة يناير ۲۰۱۱م، التي خلعت الرئيس المصري السابق من منصبه وأتاحت للشعب المصري أن يتنفس الصعداء بعد ستين عاما من الحكم العسكري البوليسي الفاشي الذي حكم البلاد والعباد بالحديد والنار.
إنهم يروجون أن التيار الإسلامي لم يقدم شيئًا، ويسطو على الثورة ويختطفها ويحرم صناعها الحقيقيين من قطف الثمار كما يروجون لمقولة: إن الإسلاميين يريدون إقامة دولة دينية، ولذا يركزون هجومهم على المادة الثانية من الدستور التي تشير إلى إسلامية الدولة من أجل حذفها متضامنين في ذلك مع قادة التمرد الطائفي الذين يريدون استئصال الإسلام من الواقع الاجتماعي تمامًا ويتناسى هؤلاء وأولاء أن الثورة قام بها شعب مسلم يحب إسلامه سواء كان دينا للأغلبية أو حضارة وثقافة للأقلية، كما أن الحياة الديمقراطية المنشودة يفترض أن يكون الاحتكام فيها لصندوق الانتخابات أي ما يريده الشعب، فإذا أراد الشعب أن تكون مصر إسلامية، فمن الواجب أن تنزل الأقلية من الشيوعيين الحكوميين والطائفيين المتمردين على رأي هذه الأغلبية التي تحفظ لهم حقوقهم الإنسانية، أما أن يصروا على فرض إرادتهم بطريقة دكتاتورية وغوغائية، فهذا هو الخلل الذي تجب معالجته بالطرق القانونية.
أهم القيادات: وقد نسي هؤلاء وأولئك أن من أهم قيادات الثورة الوجه الإسلامي الذي يمثله قائد المقاومة في حرب ۱۹۷۳م الشيخ حافظ سلامة الرجل التسعيني الذي لم تمنعه شيخوخته وجسمه النحيف الضعيف من قيادة الثورة في السويس، والتلاقي مع ثوار القاهرة في التحرير.
وتخلل ذلك تصديه مع الثوار للقيادات الأمنية الفاجرة التي أطلقت الرصاص على الشباب البريء، فقتلت منهم العشرات وجرحت المئات بل الألوف، كما أصدر البيانات الملتهبة ضد النظام، وضد رئيسه الذي دعاه إلى التنحي وترك السلطة.
ذكرياتي معه الشيخ حافظ سلامة له في نفسي منزلة كبيرة منذ عرفته في بداية السبعينيات، فقد كان حريصًا أن يحضر من السويس كل شهر ليحصل على كمية من نسخ مجلة الاعتصام رد الله غربتها - لأن النسخ المرسلة إلى السويس عبر التوزيع الصحفي لم تكن تكفي المنطقة ومحبيه، فكان بمجرد الإعلان عن الصدور يأتي بنفسه ليظفر بالنسخ التي يريد أو ينتظر حتى عودة المرتجع فيحضر متواضعة، ولكنها كانت تحمل رسالة لفتت ويحصل على ما يريد، كانت إمكانات المجلة إليها الأنظار والقراء، وكانت محل مطاردة من النظام بحكم أنها كانت في ذلك الوقت.
صوت المعارضة الإسلامية الوحيد تقريبًا حتى صدرت مجلة الدعوة في منتصف السبعينيات.
أدى الشيخ حافظ دورًا بطوليًا في مقاومة شارون وجنوده الذين استغلوا ثغرة الدفرسوار في حرب ۱۹۷۳م، وعبر إلى الضفة الغربية من قناة السويس، ولكنه بعد هذا الدور العظيم كان له دور أكبر في الدعوة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية، وبناء مسجد النور بالعباسية الذي استولت عليه السلطة لتحرمه من الخطابة فيه، وسعيًا لتحقيق خطة تجفيف المنابع التي اتبعتها السلطة لاستئصال الإسلام، ولكنه في كل الأحوال لم يتوقف عن الخطابة والدعوة من خلال مدينة السويس التي ضمت كثيرًا من تلاميذه ومحبيه، وكان لهم دور كبير في التضامن الاجتماعي.
الشيخ حافظ ابن بيئة إسلامية طيبة طاهرة، عملت بمنهج الإسلام في خدمة المجتمع، والمشاركة في قضايا الأمة والدفاع عن الوطن ضد الغزاة والمحتلين الإنجليز واليهود الصهاينة.
نشأته: ولد الشيخ حافظ على أحمد سلامة بالسويس في 6 ديسمبر ١٩٢٥م في أثناء الاحتلال الإنجليزي لمصر، وكان حافظ الابن الرابع لوالده الحاج علي سلامة الذي كان يعمل في تجارة الأقمشة.
بدأ الشيخ حافظ سلامة حياته التعليمية في الكتاب وتعلم في الأزهر الشريف، وعمل واعظًا ومستشارًا لشيخ الأزهر الشؤون المعاهد الأزهرية، وأحيل إلى التقاعد عام ۱۹۷۸م.
انتسب للعمل الخيري مبكراً، وشارك في العديد من الجمعيات الخيرية في السويس، وكان له دور اجتماعي وسياسي ونضالي بارز، حيث أسهم في دعم المقاومة ضد الإنجليز الغزاة والمشاركة في العمليات الفدائية والتعبئة العامة للفدائي.
بعد نشوب الحرب العالمية الثانية بين قوات المحور وقوات الحلفاء، ودخول السويس ضمن مناطق الصراع بين الطرفين هاجر أهالي السويس ليكونوا بعيدًا عن العمليات العسكرية، وهاجرت عائلة الشيخ حافظ سلامة ورفض أن يهاجر معها، وفضل البقاء في السويس وكان عمره آنذاك 19 عامًا وكان يوفر نفقاته من إدارته لمحل الأقمشة الذي يمتلكه والده، ويرسل بقية الأرباح لعائلته التي هاجرت إلى القاهرة.
همة عالية
وشارك في عمليات الدفاع المدني المساعدة الجرحى والمصابين في عام ١٩٤٤م. كما أسهم في مساندة المقاومة الفلسطينية ضد العصابات اليهودية المعتدية، وقبض عليه في إحدى العمليات، وحكم عليه بالسجن ستة أشهر، ولكن تم الإفراج عنه بعد نحو شهرين عقب وساطة من أحد أمراء العائلة المالكة المصرية.
انضم الشيخ حافظ سلامة إلى جماعة شباب سيدنا محمد، وحزب مصر الفتاة عام ١٩٤٨م، وقد أراد الشيخ حافظ التطوع في صفوف الفدائيين، والسفر إلى فلسطين القتال العصابات الصهيونية، لكن قيادة جماعته طلبت منه حينذاك عدم السفر باعتبار أن العدو الحقيقي لا يزال في مصر فشكل أول فرقة فدائية في السويس، كانت مهمتها الرئيسة مهاجمة قواعد القوات الإنجليزية المرابضة على حدود المدينة والاستيلاء على كل ما يمكن الحصول عليه من أسلحة وذخائر، حيث كان يتم تقديمها دعماً للفدائيين في فلسطين، وبعد هزيمة الجيوش العربية انخرط في العمل الخيري والدعوي.
محن و ابتلاءات
اعتقل الشيخ حافظ سلامة في إطار الاعتقالات التي نفذها النظام الناصري ضد الإخوان المسلمين، وظل الشيخ حافظ سلامة في السجن حتى أفرج عنه في ديسمبر عام ١٩٦٧م، فاتجه إلى مسجد الشهداء بالسويس وأنشأ جمعية الهداية الإسلامية، وهي الجمعية التي اضطلعت بمهمة تنظيم الكفاح الشعبي المسلح ضد قوات الغزو الصهيونية في حرب الاستنزاف منذ عام ١٩٦٧م وحتى عام ١٩٧٣م.
رفع معنويات الجيش
وقد قام الشيخ حافظ سلامة بدور بارز في عملية رفع معنويات رجال القوات المسلحة بإنشاء قوافل وعظية من علماء الأزهر الذين ركزوا على فضل الجهاد والاستشهاد، وأهمية المعركة مع العدو وضرورة الانتصار عليه أو الشهادة وقد أثنى على هذا الدور اللواء عبد المنعم واصل قائد الجيش الثالث الميداني.
وكان دوره الأعظم قيادة المقاومة الشعبية في مدينة السويس، بدءا من يوم ٢٢ أكتوبر ۱۹۷۳م ضد قوات الإرهابي شارون التي عبرت إلى الضفة الغربية من القناة في ثغرة الدفرسوار كما سبقت الإشارة وما فعله الشيخ ورفضه للإنذار الصهيوني بالاستسلام وقيادة المقاومة يمثل ملحمة تستحق كتابًا بأكمله، ويكفي أن الفريق سعد الدين الشاذلي وصفه قائلاً: إن الشيخ حافظ سلامة رئيس جمعية الهداية الإسلامية، إمام وخطيب مسجد الشهداء اختارته الأقدار ليؤدي دورًا رئيسًا خلال الفترة من ۲۳ - ۲۸ أكتوبر عام ١٩٧٣م.
عندما نجحت قوات المقاومة الشعبية بالتعاون مع عناصر من القوات المسلحة في صد هجمات العدو، وإفشال خططه من أجل احتلال المدينة الباسلة.
نشاط دعوي
لم يتوقف الشيخ عن الجهاد من أجل الإسلام وتطبيق الشريعة، فقد قاد عملية بناء مسجد النور من أموال التبرعات دون مساعدة حكومية، وعارض اتفاقية كامب ديفيد ۱۹۷۹م بعد أن رفض زيارة السادات إلى القدس عام ۱۹۷۷م، وهذا جعله على رأس قائمة اعتقالات سبتمبر ۱۹۸۱م، وقد أفرج عنه بعد اغتيال السادات ليواصل الدعوة والعمل الخيري من خلال مسجد الشهداء بالسويس المجاهدة وغيره من المساجد مع دعمه للمقاومة الفلسطينية. وجهاد الشعوب الإسلامية، ومعارضة الاستبداد وإقصاء الإسلام والمشروعات المشتبه بها في مصر، وتغول التمرد الطائفي الذي تقوده الكنيسة الأرثوذكسية في مصر.
إسهامات واضحة
وكانت إسهاماته في ثورة ٢٥ يناير ۲۰۱۱م واضحة، ويعترف بها الشرفاء في هذه الثورة، ويقدرونها حق قدرها .
وفي أثناء الاعتصامات والمواجهة مع قوات القمع أصدر بيانًا قويًا يناشد فيه الجيش المصري بالتدخل الفوري لإنقاذ مصر، وطرح من خلال بيانه مجموعة من المطالب تبناها الشباب في ميدان التحرير منها : ضرورة تنحي الرئيس، وإلغاء الطوارئ وحل مجلسي الشعب والشورى، وتشكيل حكومة إنقاذ وطني.
المشاركة باللجان الشعبية
ولم يكتف الرجل المسن بذلك بل نزل إلى الشارع، وشارك في اللجان الشعبية الحماية الناس والبيوت والشوارع والممتلكات وأفاد من علاقاته الواسعة الطيبة بالتجار والأغنياء في السويس والمحافظات المجاورة واستطاع توفير ٥ أطنان من الدقيق المخابز السويس بعد اختفاء الخبز وحدوث أزمة كان صناعها يهدفون لقمع المتظاهرين ولكن الرجل شكل مجموعات من أهل السويس لتوزيع الخبز مجانا على المناطق النائية بالمدينة في عرب الدبور و«القطاع الريفي»، وقام بتوفير كميات من البطاطس البطاطا والطماطم والخضراوات بأسعار من جنيهين إلى ٢.٥ جنيه لمواجهة جشع بعض التجار.
وقد شهدت منطقتا السلام وفيصل بالمدينة جهودا شعبية كبيرة، وتم فتح المخابز المغلقة.
وكان يقود آلاف المتظاهرين يوميًا نحو میدان الأربعين للتظاهر والتنديد بالنظام الهالك، واستنكار التعامل الغليظ مع أهالي السويس، وما زال الرجل بعد النصر بحمد الله يقوم بدوره في الدعوة وخدمة أهالي السويس.
مطاردات أمنية وقبل الختام أود أن أشير إلى شيئين يتعلقان به وهما من الطرافة بمكان الأول يتعلق بمطاردة أمن الدولة والأجهزة الأمنية له لمنعه أو تعطيله عن المشاركة في بعض النشاطات والاحتجاجات في القاهرة أو غيرها ، فكانوا يكمنون له في الطرق التي يعتقدون أنه سيمر منها لإشغاله وتعطيله وتأخيره عن الوصول، ولكنه بخبرته الطويلة وذكائه الفطري، كان يسلك طرقًا لا تخطر لهم على بال، فيفاجؤون به موجودًا في المكان الذي أرادوا حرمانه منه الآخر، يتعلق بشخصه فهو من القلة النادرة في البلاد الذي مازال يرتدي الطربوش الأحمر، وهو ما يدل على اعتزازه بنفسه وانتمائه الأزهري، حيث كان بعض أبناء زمانه يعتزون بالطربوش، وكان في مقدمتهم الإمام الشهيد حسن البنا، والقارئ الشهير الشيخ أبو العينين شعيشع يرحمهما الله .
ومع أن السلطة المصرية على تعاقب حكامها لم تكرم المجاهد العظيم، بل حاصرته ولاحقته وأدخلته السجن، فإن الجماهير عرفت قدره وقيمته، ويكفي أن يقال: إنه سيحضر أو يخطب في مكان ما فتتحرك الجماهير - وأغلبها من الأجيال الجديدة - صوب هذا المكان.