العنوان هندسة التأثير: ركنا التأثير
الكاتب د. علي الحمادي
تاريخ النشر السبت 04-أبريل-2009
مشاهدات 61
نشر في العدد 1846
نشر في الصفحة 53
السبت 04-أبريل-2009
إن من طبيعة النفس البشرية أنها تمج الذي لا يصدق فعله قوله، فهو عندها كاذب في حقيقته وواقعه، لا يلقى احترامًا، ولا ينال تقديرًا ولا يحوز ثقة، ولا يُعطى محبة، ومن ثم فإن كل ما يُطالب به يدخل من أذن ويخرج من الأخرى دون أن يصل إلى القلب أو يستقر في الفؤاد.
يقول الدكتور عبد الكريم زيدان: «ومن الوسائل المهمة في تبليغ الدعوة إلى الله وجذب الناس إلى الإسلام، السيرة الطيبة للداعي وأفعاله الحميدة وصفاته العالية وأخلاقه النبيلة؛ مما يجعله قدوة طيبة وأسوة حسنة لغيره، ويكون بها كالكتاب المفتوح يقرأ فيه الناس معاني الإسلام، فيقبلون عليها وينجذبون إليها؛ لأن التأثير بالأفعال والسلوك أبلغ وأكثر من التأثير بالكلام فقط» (عبد الكريم زيدان أصول الدعوة مؤسسة الرسالة عمان، الأردن، ص ٤٨٥).
إن ديننا الحنيف انتشر في بقاع الأرض، وبلغ الآفاق، وملأ الدنيا بالسيرة الطيبة لدعاته والتي جذبت الناس إليها، فلم يصل الإسلام إلى كثير من البلاد بالجهاد وإنما وصل بالمعاملة الحسنة بين تجار المسلمين وأهل تلك البلاد.
إن مَثَلَنَا الأعلى في صناعة التأثير بالقدوة هو النبي ﷺ، حيث تصف لنا أم المؤمنين خديجة «رضي الله عنها» أخلاق النبي ﷺ في التعامل مع الناس يوم أن لجأ إليها خائفًا من هول ما رأى من صورة الوحي جبريل «عليه السلام» وهو يقول: «زملوني زملوني»، ثم قال: «لقد خشيتُ على نفسي»، فقالت خديجة: «كلا، والله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق» «صحيح البخاري».
والسيرة الحسنة التي يكون بها الداعي المسلم قدوة طيبة لغيره ترجع إلى أصلين كبيرين: حسن الخلق، وموافقة العمل للقول.
فإذا تحقق هذان الأصلان حسنت سيرة الداعي وكانت سيرته الطيبة دعوة صامتة إلى الإسلام. وإن فاته هذان الأصلان ساءت سيرته وصارت دعوة صامتة منفرة عن الإسلام، فليتق الله الداعي في هذا الأمر الخطير، ولا يكون منفرًا عن دين الله بسيرته وهو يريد الدعوة إليه بقوله. (عبد الكريم زيدان أصول الدعوة مؤسسة الرسالة عمان، الأردن، ص ٤٨٥).
وقد حذر الله تعالى من عدم موافقة العمل للقول، وذلك على لسان شعيب عليه السلام، حيث يقول تعالى: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالَفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ (هود: ۸) ولقد تواترت الأخبار عبر التاريخ، وكذلك في
الواقع الذي نعيشه أن كثيرًا من المؤثرين إنما يعظم تأثيرهم، فيبلغ ما بلغ الليل والنهار، بسبب صدقهم فيما يقولون ويفعلون، فهم قدوات صادقة مخلصة، يبدأ أحدهم بنفسه فيصلحها ويقودها قبل أن يلتفت إلى الآخرين، ويوم أن يفعل ذلك يجد التوفيق يأتيه من كل حدب وصوب.
لما اجتمع رأي الصليبيين بقيادة إمبراطور ألمانيا على غزو دمشق، وكان يدير أمرها «معين الدين أنر» وحاصر الصليبيون المدينة، فخرج أميرها بجيشه لقتالهم، فخرج معه الإمام يوسف الفندلاوي والشيخ الزاهد عبد الرحمن الحلحول صاحب الحكم المأثورة، وحين استاذنا معين الدين في الجهاد، قال لهما: نحن نكفيكما، فقالا له: قد بعنا واشترى، إشارة إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (التوبة:111)
ثم قاتلا حتى قُتلا في مكان واحد، فأذكى ذلك الشجاعة في نفوس المسلمين وهجموا على الفرنجة هجمة رجل واحد حتى اضطروهم إلى الرحيل عن دمشق. (نذير محمد مكتبي، صفحات مشرقة من حياة السابقين دار البشائر الإسلامية، بيروت، ۱۹۹۲، ص٣٦٥)
وهذا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، لما ولي الخلافة بدأ بنفسه فغيرها، ثم ثنى بأهل بيته فغيرهم، فلما رأى المسلمون ما فعل أميرهم غيروا ما بأنفسهم.
بل إن الخوارج الذين خرجوا على الأمويين، لما رأوا صنيع عمر بن عبد العزيز أبوا أن يخرجوا عليه، فعاش المسلمون خير عيشة، وتغيرت الدولة الإسلامية بأكملها خلال عامين وبضعة شهور فقط.
يروي الإمام ابن الجوزي «يرحمه الله» عن عبيد الله قال: سمعت شيخًا كان في حرس عمر بن عبد العزيز، قال: رأيتُ عمر بن عبد العزيز حين ولي فإذا به من حسن اللون وجودة الثياب والبزاة، ثم دخلت عليه بعد، وقد ولي فإذا قد احترق واسود ولصق جلده بعظمه حتى ليس بين الجلد وبين العظم «لحم»، وإذا عليه قلنسوة بيضاء، اجتمع قطنها، يعلم أنه قد غسلت، وهو على شاذكونة قد لصقت بالأرض، وتحت الشاذكونة عباءة قطوانية من مشاقة الصوف، فأعطاني مالًا أتصدق به بالرقة، وقال: لا تقسمه إلا على نهر جار، فقلت: إنه يأتيني من لا أعرف فمن أعطى؟ قال: أعط من مد يده إليك.
وعن سهل بن صدقة، مولى عمر بن عبد العزيز قال: حدَّثني بعض خاصة عمر بن عبد العزيز أنه حين أَفْضَتْ إليه الخلافة، سمعوا في منزله بكاء عاليًا، فسئل عن البكاء؟ فقيل: إن عمر بن عبد العزيز قد خير جواريه، فقال: إنه قد نزل بي أمر قد شغلني عنكن، فمن أحبت أن أعتقها أعتقتها، ومن أرادت أن أمسكها أمسكتها ولم يكن مني إليها شيء، فبكين يأسًا منه «يرحمه الله». (ابن الجوزي سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز دار الكتب العلمية، بيروت، ۱۹۸٤، ص ۷1-۷0).
(*) المشرف العام على موقع إسلام تايم الإلكتروني
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل