; واحة الإيمان «رعاة حول الحمى» | مجلة المجتمع

العنوان واحة الإيمان «رعاة حول الحمى»

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 22-يوليو-1986

مشاهدات 63

نشر في العدد 776

نشر في الصفحة 39

الثلاثاء 22-يوليو-1986

يصف النبي صلى الله عليه وسلم الوالغين في الشبهة بالرعاة الذين يرعون حول الحمى يوشكون أن يرتعوا فيه، ما داموا يرعون حوله، فما دام أحدهم يخوض في الشبهات، وهي التي بين الحلال والحرام، فلا بد أن يقع يومًا بالحرام، لأن الأمور المشتبهات قد تكون حرامًا وقد تكون حلالًا، ويعلق الإمام القسطلاني على هذا الحديث بقوله «بالله عليك ما لم تعلم حله يقينًا اتركه، كتركه صلى الله عليه وسلم تمرة خشية أن تكون من تمر الصدقة وأعلى الورع ترك الحلال مخافة الحرام، كترك إبراهيم بن أدهم أجرته لشكه في وفاء عمله، وطوى عن جوع شديد» ([1]).

 يقول ميمون بن مهران: «لا يسلم للرجل الحلال، حتى يجعل بينه وبين الحرام حاجزًا من الحلال» ([2]). ولهذا السبب كان الصحابة رضي الله عنهم يتركون أبوابًا كثيرة من الحلال خوفًا من الوقوع في الحرام.

رحيل الورع..

فما كانوا يستصغرون ذنبًا، ولا يلجون في شبهة، بل كانوا يعتبرون الدقيق في أعيننا من الكبائر، فهذا عيادة رضي الله عنه يخاطب جيل التابعين منتقدًا «إنكم لتعملون أعمالًا هي أدق في أعينكم من الشعر، إن كنا لنعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات، أو من الكبائر» ([3]) يقول هذا في جيل التابعين فكيف لو رأى الجيل الذي نحن فيه؟؟

الناظرون إلى نظر الله ...

تعسًا لمن يقول في زماننا هذا عن الرعيل الأول «هم رجال ونحن رجال» لا والله ما أنصف من قال ذلك، فالرجولة لا تعني الذكورة، وإنما تعني صفات أصيلة لم تكتمل في جيل كجيلهم. فهم الذين قدروا على الدنيا، ولكنهم زهدوا فيها ابتغاء ما عند الله وامتثالًا لقوله تعالى ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ (الشرح: 4) وقد أحسن الإمام ابن الجوزي عندما قال: «الرجل والله من إذا خلا بما يحب من المحرم وقدر عليه وتقلقل عطشًا إليه، نظر إلى نظر الحق إليه فاستحى من أجالة همه فيما يكرهه، فذهب العطش» ([4]).

الفاروق يعلم الورع ...

فهذا أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه قدر على الدنيا ولكنه طلقها وآثر الآخرة عليها لخوفه من سؤال الله يوم القيامة عن كل فلس يأخذه بغير حق، وقد ضرب أمثلة من الورع أشبه بالأساطير في زماننا هذا، ومن هذه الأمثلة إنه رضي الله عنه «كان يدفع إلى امرأته طيبًا من طيب المسلمين فتبيعه امرأته -تقول العطارة- فبايعتني، فجعلت تقوم وتزيد وتنقص وتكسره بأسنانها فيعلق بأصبعها شيء منه، ففعلت به هكذا بأصبعها في فيها، ثم مسحت به على خمارها، فدخل عمر فقال ما هذه الريح؟ فأخبرته الذي كان، فقال: طيب المسلمين تأخذينه أنت فتتطيبين به! فانتزع الخمار من رأسها وأخذ جزءًا من الماء، فجعل يصب الماء على الخمار ثم يدلكه في التراب، ثم يشمه ثم يصب عليه الماء، ثم يدلكه في التراب ثم يشمه ففعل ذلك ما شاء الله» ([5]) هكذا كان يخاف الله أن يسأله يوم القيامة عن أموال المسلمين. ليته عاش إلى زماننا هذا فرأى الولاة ماذا يفعلون بأموال المسلمين.

 أخوات بشر والإمام أحمد:

إن أخبار عمر رضي الله عنه وغيره من الصحابة رضي الله عنهم ربت أجيالًا من بعدها خرج في كل جيل من يحيى حزم أبي بكر، وورع عمر، وحياء عثمان، وفطنة على رضي الله عنهم. والإمام أحمد الذي اشتهر عنه الورع في كل شبهة حتى ألف كتابًا في ذلك تأتي إليه امرأة تسأله قائلة «إنا نغزل على سطوحنا فيمر بنا مشاعل الظاهرية -حرس- ويقع الشعاع علينا، أفيجوز لنا الغزل في شعاعها؟»([6]) تعجب الإمام أحمد لشدة ورع هذه المرأة، ودقة مسألتها، فأحب أن يعرف هويتها فسألها «من أنت عافاك الله؟ قالت: أخت بشر الحافي، فبكى وقال من بيتكم يخرج الورع الصادق»([7]).

تسأل عن جواز الغزل عندما يسقط شعاع الحرس عليهم فماذا نقول نحن ومنا من أباح استخدام كل وسائل العمل الذي هو فيه. استخداما شخصيًا، ومنهم من يوصي من يضرب له بطاقة بداية العمل فيتأخر الساعات، ولا بعد ذلك سرقة، ولا يشعر حتى بتأنيب ضمير.

يعلمون أبناءهم..

وعن سليمان بن حرب قال: سمعت حماد بن زيد يقول: «كنت مع أبي فأخذت من حائط تبنة، فقال لي: لم أخذت؟ قلت: إنما هي تبنة! قال: لو أن الناس أخذوا تبنة تبنة هل كان يبقى في الحائط تبن؟ ([8]). إنه يعلمه عدم استصغار التبنة، لكي لا يستصغر في المستقبل ما هو أكبر من التبنة، وبمثل هذا كانوا يربون أبناءهم على الورع، وغرس الخوف من الله.

([1]) إرشاد الساري ۱۹۱/۱.

([2]) الورع لأحمد ٤٤.

([3]) الورع ١٥.

([4]) صيد الخاطر ١٣٧.

([5]) الورع ٣٨٠٣٧.

([6]) شرح الساري ۱۹۱/۱.

([7]) شرح الساري ۱۹۱/۱.

([8]) الورع ١٤.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 43

174

الثلاثاء 12-يناير-1971

مواقف

نشر في العدد 222

91

الثلاثاء 15-أكتوبر-1974

منهج القرآن في التربية

نشر في العدد 451

133

الثلاثاء 26-يونيو-1979

حوار حول الصلاة