العنوان صناديق الانتخاب ترد على الحملة الأمريكية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 09-نوفمبر-2002
مشاهدات 64
نشر في العدد 1526
نشر في الصفحة 9
السبت 09-نوفمبر-2002
رأي المجتمع
فرض التغيير بالقوة لن يحقق الاستقرار.. ولن يكتب له الاستمرار
روج بعض المحللين الغربيين والعلمانيين من الحاقدين على الحركات الإسلامية لمقولة انهيار التيارات الإسلامية.
كما تحمس البعض من خصوم الاتجاه الإسلامي لتلك المقولات الكاذبة، خاصة في ظل الحملة الأمريكية القائمة ضد ما يسمى بالإرهاب، والتي حاولت النيل من العمل الخيري والتدخل لتغيير مناهج التعليم، وإغلاق مدارس تحفيظ القرآن، وحتى وضع القيود على بناء المساجد، كما صنفت الإدارة الأمريكية «زورًا» عدداً من الحركات الإسلامية في قوائم المنظمات الإرهابية، وطال ذلك حركات تقاوم وتناضل بطريقة مشروعة تقرها القوانين الدولية لتحرير أرض مغتصبة أو للدفاع عن النفس..
وتعرضت الحركات الإسلامية ولا تزال، لقصف شديد، إعلامي وسياسي وأمني يتزعمه في أوطاننا عملاء المخابرات الغربية مما جعل البعض يتوقع تراجعها الكبير في ظل الحملات المتصاعدة ضدها، كما حدث خلط في الأوراق، وصنفت مختلف الحركات الإسلامية في خانة واحدة، وقد حدث مثل هذا الخلط أثناء الانتخابات الأخيرة في المغرب والبحرين، فتبنت اتجاهات يسارية وعلمانية الترويج لمثل هذا الخلط مع الترويج لحملة تخويف من اكتساح الإسلاميين للانتخابات البرلمانية.
فماذا كانت النتيجة؟
النتيجة هي نجاح مستمر للإسلاميين على مختلف المستويات الشعبية والبرلمانية والطلابية والنقابية وغيرها. وإذا كان البعض يجتهد لإيجاد مقاييس معتبرة لقياس مدى ما يتمتع به التيار الإسلامي من تأييد في الأوساط الشعبية، فلا شك أن مقياس الانتخابات الحرة النزيهة هو من أفضل المقاييس التي يمكن الاستناد إليها لتبين قوة وحضور التيارات السياسية، إلى جانب مقاييس أخرى مثل الوجود الاجتماعي، والتأثير الثقافي، وحجم العضوية وغيرها.
وفى ظل نتائج الانتخابات الأخيرة التي جرت في أكثر من بلد مسلم مثل: المغرب والجزائر وباكستان والبحرين واخيراً تركيا، نستطيع أن نكتشف حجم ذلك الوجود وتأثيره في مجتمعه.
ففي المغرب حقق حزب العدالة والتنمية الإسلامي تقدمًا مهمًا في الخريطة السياسية والبرلمانية في البلاد، وضاعف مقاعده البرلمانية ٣ مرات مقارنة باخر انتخابات وأصبح القوة الثالثة أو الرابعة في البلاد.
وفى الجزائر المجاورة حافظت كتلة الأحزاب الإسلامية مجتمعة «الإصلاح - حركة مجتمع السلم النهضة» على وضعيتها كقوة ثالثة في الانتخابات الولائية والبلديات، مثلما حدث من قبل في الانتخابات البرلمانية التي سبقتها، وهي مؤهلة لدور أكبر إذا تحقق التحالف المرجو بين تلك الأطراف لأن ما يجمعها ويؤلف بينها أكثر بكثير مما تختلف حوله.
وكانت النتائج في انتخابات باكستان مفاجأة أخرى، فقد نجح تحالف الحركات الإسلامية في تحقيق المركز الثالث باسم مجلس العمل الموحد، وهو مجلس يعارض الوجود الأمريكي في باكستان والاحتلال الأمريكي لأفغانستان، وهذه أفضل نتيجة تحققها الأحزاب الإسلامية في تاريخ باكستان.
وفي البحرين حققت التيارات الإسلامية فوزًا كبيراً الاستمرار بحيازتها أكبر كتلة داخل البرلمان بعد أول تجربة سياسية لها، ورغم غياب العمل السياسي عن البلاد نحو ٢٧ عاماً.
وفي تركيا نجح حزب العدالة والتنمية في تحقيق المركز الأول في الانتخابات، وإذا كان الحزب لا يعلن هوية إسلامية فما من شك أن قياداته اكتسبت سمعتها بين الجمهور بسبب كونها نشأت وتربت في أحزاب إسلامية مثل الرفاه والفضيلة والسعادة قبل أن تخرج من الأخير. حدث هذا في البلاد التي تتمتع بهامش من الحريات الانتخابية يضيق أو يتسع حسب حال كل بلد، ولو أتيحت الفرصة كاملة في مختلف البلدان لحقق الإسلاميون إنجازات تجل عن الوصف.
فما الأسباب التي قادت إلى هذه النجاحات؟
منذ أكثر من نصف قرن والشعوب تعاني من نظم حكم استبدادية انقلابية متسلطة، فشلت في تحقيق أي إنجاز، بل تدهور الوضع على مختلف الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية وغيرها، وأصبح بقاء تلك النظم مرهوناً بفتح السجون والمعتقلات للشرفاء الراغبين في الإصلاح، وهي مع ذلك تلقى دعماً من الغرب لمزيد من الإذلال للشعوب الإسلامية، مما زاد من كراهية الشعوب للسياسات الغربية.
وإذا كان مثل هذه النتائج الطيبة في الانتخابات لم يظهر في بلدان أخرى فلأن الشعوب لم تبد رأيها، فهي مقيدة بالأغلال، حريتها مصادرة وتعاني من ضيق الرزق بسبب النهب والفساد، وهذه لن تبقى طويلاً على ذاك الحال، فحين تستوي عندها الحياة مع الموت فإنها ستهب لتكسر الأغلال.. فلا بدّ للظلم أن ينتهي ولا بدّ للقيد أن ينكسر. والأفضل لمصلحة الأوطان أن تكون هناك مصالحة وطنية بديلاً عن حالة الاحتراب الداخلي، وأن تعترف تلك الحكومات بالحق في الوجود والتنظيم والعمل للتيارات الوطنية المخلصة.
وهناك عامل وحدة الحركات الإسلامية كما حدث في باكستان، ولو تحقق ذلك في البلاد الإسلامية لأصبح للقوى الإسلامية حضور اقوى وتأثير متزايد.
على أن العامل الأبرز وراء النجاحات التي حققها الإسلاميون في الانتخابات هو الاستفزاز الأمريكي للمشاعر الإسلامية، وحالة المخاصمة التي أظهرها لسان الحال الأمريكي، وإن أنكرها لسان المقال، بالحملة على الإسلام باسم الحملة على الإرهاب المزعوم حتى تحولت مشاعر الشعوب الإسلامية ضد أمريكا كما كانت من قبل ضد الشيوعية والاتحاد السوفيتي.
يظهر من القراءة السريعة للانتخابات التي تمت مؤخراً في أكثر من بلد إسلامي أن الحملة على الإسلام والمسلمين أيقظت المشاعر الإسلامية عند عموم الناس، وجعلتهم يلتفون حول الاتجاه الإسلامي باعتباره منافحاً ومدافعا عن الإسلام ومتصدياً للمؤامرات التي تحاك ضده.. كما أثبتت نتائج صناديق الانتخاب تمسك الناس بالدين والقيم والأخلاق والتفافهم حول من يدافعون عنها، ووجهت رسالة لأولئك الذين يريدون تغيير بنية المجتمع، أن دون ذلك خرط القتاد، فالمسلمون لن يعطوا الدنية في دينهم ولن يرضخوا ولن يقبلوا بتغيير ثوابتهم الدينية، ولو على جماجمهم، وأن على أمريكا أن تعيد النظر في سياستها في المنطقة، فمحاولات فرض التغيير بالقوة لن تحقق الاستقرار ولن يكتب لها الاستمرار.
﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: 21) .
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل