العنوان د. الحبر يوسف نور الدائم: لو علم الجنوبيون ما لهم في الشريعة من حقوق لأتوا إليها طواعية
الكاتب حاتم حسن مبروك
تاريخ النشر السبت 07-سبتمبر-2002
مشاهدات 47
نشر في العدد 1517
نشر في الصفحة 30
السبت 07-سبتمبر-2002
نطالب الدول العربية بدعم خيار السودان للسلام حتى يخرج من ورطته
المعارضة أضعف من أن تهز النظام.. وخيار المنشقين عن الأمة والاتحادي بالمشاركة في الحكومة هو الأفضل
لن تكون الخرطوم عاصمة علمانية.. والخيار الإسلامي ما زال راسخًا في السودان.
الحكومة بسطت يدها للترابي للتعاون.. والإسلاميون داخل السودان وخارجه بذلوا معه جهودًا مضنية لكن عناده أفشل كل شيء.
ماذا عن رؤية الإخوان المسلمين في السودان لاتفاق مشاكوس بين الحكومة وجارانج... وماذا عن رؤيتهم للجهات الضاغطة والمستفيدة من هذا الاتفاق؟ وماذا عن علمانية العاصمة السودانية؟
وما رؤيتهم كذلك لآخر التطورات في الانشقاقات في حزبي الأمة والاتحادي الديمقراطي، وتجديد حبس د. حسن الترابي لمدة عام؟ الإجابة في الحوار التالي مع د. الحبر يوسف نور الدائم عضو البرلمان السوداني، والقيادي في جماعة الإخوان المسلمين المتحالفة مع الحكومة….
لأول مرة ومنذ 18 عامًا من القتال المدعوم من جهات خارجية متعددة لحركة جارانج، توافق حركة التمرد على عقد اتفاق مع الحكومة السودانية (بروتوكول مشاكوس) لحل النزاع العسكري، وإحلال السلام في السودان.. فهل حدث ذلك عن رضا أم عن طريق ضغوط؟
السلام ضرورة يسعى إليها، والسودان عانى بشدة من هذه الحرب المدمرة الطويلة بلا هدف، التي أكلت الأخضر واليابس، وفُقدت أرواح بالملايين، وكذلك من الأموال، فإذا وصل الناس إلى اتفاق مُرض للأطراف المختلفة، فإن هذا يمثل إنجازًا كبيرًا، نرجو أن يعود بالخير على السودان، والإشكال في هذا الاتجاه ثم ماذا؟
وكنت أرجو أن يأتي هذا الاتفاق عن طريق السودانيين أنفسهم من دون تدخل أجنبي، لكن رغم هذا نرجو أن يفضي بنا إلى خير وكل القوى السياسية المعتبرة تتفاعل بهذا الاتفاق، ولأول مرة يتعامل جون جارانج مع الدولة بشيء من الاحترام، فلو تذكر في الفترة الديمقراطية الثالثة (1985-1989م) رفض جون جارانج أن يتحدث مع الصادق المهدي -رئيس الوزراء حينها بصفته الرسمية- وأبى أن يتحدث معه إلا بصفته الحزبية كرئيس لـ «حزب الأمة»، ولكن الآن جارانج يعترف بالنظام القائم وأعتقد أنه - أي جارانج - فعل ذلك نتيجة ضغوط دولية، وهو أصلًا مسنود من قبل الولايات المتحدة والدول الأوربية بالمال والسلاح والموقف السياسي، فإذا شعر جارانج أن تلك الجهات -الداعمة- يمكن أن توقف دعمها له إذا لم يستجب لها فسوف يفكر أكثر من مرة. ولذلك سواء جاء هذا الاتفاق عن طريق ضغط أم لا، فهناك مطامع في ثروات السودان لا سيما في مجال النفط والشركات الأمريكية ترغب في الحصول على نصيب فيه، خاصة بعد أن رأت دولًا أخرى كالصين قد أصبح لها قدم في نفط السودان.
لكن إذا تحقق السلام، فهذا أمر طيب لأن السودان ينفق على الحرب في اليوم الواحد مليوني دولار ونأمل أن يتحقق شعار الوحدة والتنمية والسلام.
من الاتهامات التي وجهت إلى هذا الاتفاق أنه تم بين طرفين فقط الحكومة والحركة الشعبية من دون مشاركة القوى السياسية الأخرى، وأنه تم تحت رعاية الدول الغربية والإفريقية جنوب الصحراء مع إبعاد الدول العربية كمصر وليبيا مثلا؟
الأصل أن يكون الاتفاق بين السودانيين أنفسهم لأنها مشكلة داخلية، وما دام السودانيون عجزوا عن الوصول إلى اتفاق وتدخلت جهة خارجية من أجل هذا المشروع أظن أنه من الحكمة أن يقبل الناس بها، أما أن الاتفاق بين طرفين، فقد كان هذا وفق مبادرة «الإيقاد»، وإذا كانت هناك أطراف أخرى يمكن أن تلحق بالتراضي. ومسألة إبعاد الدول العربية عن هذا الاتفاق فحقيقة هي التي أبعدت نفسها، ويجب أن يكون لمصر وليبيا مقال في هذا الأمر، وعلى مصر وليبيا مباركة هذا الاتفاق ما دام السودانيون أنفسهم -إلا من شذ- شعروا أن حمل السلاح أسلوب فاشل، وسئموا هذه الحرب، فإذا كان هذا هو إحساس أهل السودان فيجب على الآخرين أن يباركوا هذه الخطوة.
وما الحرب إلا ما علمتم وذقتموه وما هو عنها بالحديث المرجم
مارست الولايات المتحدة ضغوطًا كبيرة على السودان والحركة من أجل وقف الحرب وإحلال السلام من أجل مصالحها الاقتصادية وليس حبًّا في السلام ما تعليقكم؟
لا أحد يستطيع أن ينكر أنهم يسعون من أجل مصالحهم وأي دولة تسعى من أجل مصلحتها. والولايات المتحدة قطعًا كان في بالها الاستثمار والبترول وموارد السودان الاقتصادية، ولولا هذا لما التفتت إلينا أصلًا.
هناك حديث عن تنازل تم في قضية الدين والدولة، وجعل العاصمة الخرطوم عاصمة علمانية لا تحكم بالشريعة الإسلامية؟
لا سبيل إلى أن تكون الخرطوم عاصمة علمانية لأن غالبيتها مسلمون، وقد كان الحديث عن إيجاد ثلاثة دساتير في السودان دستور مركزي عام، ودستور يحكم الولايات الجنوبية ودستور يحكم الولايات الشمالية، وبالنسبة للشمال فالأمر واضح جدًّا في أن الشريعة هي مصدر التشريع، أما الجنوب ففيه نوع من الاستثناء، وهو أمر قديم وليس بجديد، وفي الماضي كان رأي الإخوان المسلمون ألا استثناء في تطبيق الشريعة الإسلامية في كل السودان، لكن الواقع العملي يجعل الناس يقولون إن هناك ضرورات وبعض المناطق لها خصوصياتها، ولو كان بيدنا لعممنا الأمر، ولو علم غير المسلمين ما لهم من حقوق في الشريعة الاسلامية لأتوا إليها طواعية، لكن ما داموا جاهلين بها فهذا يحتاج إلى جهد كبير يبذل، وتعليم، وتثقيف وعلاقات ومداخلات، هذا الذي تم يعتبر حكم ضرورة في استثناء الجنوب.
لكن جون جارانج أعلن في حوار مع صحيفة الرأي العام السودانية أن العاصمة المركزية يجب أن تكون علمانية ولا تحكم بدين معين؟
ليس كل ما يقوله جون جارانج يمكن أن ننزل عليه، لأن الحكومة من جهة أخرى لديها رأي مخالف، المهم أن الشيء المتفق عليه في النهاية هو الذي يحكم.
هل أنتم متفائلون بتحقيق السلام في السودان رغم هذه الأجواء الملبدة بالغيوم، والأطماع الأجنبية؟
نعم، وهو تفاؤل مبني على أن المفاوضات في المرحلة الأولى استمرت بطريقة سلسة أكثر من شهر رغم ما اعترضها من عقبات، بينما في الجولات السابقة كانت المباحثات تستمر ساعات وتنتهي مما يؤكد أن هذه الجولة فيها جدية أكثر في سبيل الوصول إلى حل سلمي.
وكانت في المفاوضات السابقة مناورات من قبل الحركة الشعبية لكسب الوقت، وكان الوفدان يصلان إلى اتفاق ثم يأتي جون جارانج في آخر لحظة وينقضه لكن جارانج الآن مضغوط، وليس من تلقاء نفسه وافق على الاتفاق، لأنه شعر أن أمر السلام قد حسم ولا بد أن يسير مع هذا التيار وإلا سوف يعزل.
وماذا عن الفترة الانتقالية المتفق عليها 6 سنوات، يعقبها استفتاء لتقرير المصير بين الوحدة أو الانفصال، ألا يمكن أن يحدث ما يتخوف منه الكثيرون داخل السودان وخارجه؟
اعتقد أن فترة السنوات الست هذه إذا بذل فيها جهد مبني على المصداقية لأجل تعمير ما دمرته الحرب، وتنمية الجنوب، وإعطائهم بعض الحقوق أعتقد أننا من الممكن أن نبني جسورًا من الثقة بين الطرفين، وإن شاء الله تحدث الوحدة...
يشكو بعض السودانيين من عدم دعم الدول العربية للسودان، وهو يخوض حربًا مع المتمردين لسنوات طويلة، ولم نسمع عن دعم سيقدم في المرحلة القادمة حتى لا ينفصل الجنوب؟!
مثلما قلت من قبل، يجب أن تقف الدول العربية مؤازرة ومناصرة مع خيار السودانيين في السلام؛ لأنه أمل منشود وهدف يسعون إلى تحقيقه وإذا كان من عمل إيجابي، فهو أن يقوموا بدعم استقرار السودان، ومساعدته في الخروج من هذه الورطة، وهو المأمول منهم.
أصدر الرئيس السوداني عمر البشير مرسومًا مؤقتًا سمح بموجبه للأحزاب والتنظيمات السياسية بممارسة نشاطها السياسي، ولو لم تسجل رسميًّا بشرط الالتزام بالنهج السلمي، والتخلي عن القوة المسلحة والعنف، وممارسة النشاط داخل السودان ما تعليقكم؟
حقيقة أن الشعار المرفوع من قبل الحكومة منذ فترة طويلة يقف مع العمل السياسي السلمي والجهاد المدني -كما يقول الصادق المهدي. وعلى الأحزاب والتنظيمات السياسية -المعارضة- أن تجتهد في نشاطها السياسي بالوسائل السلمية وهامش الحرية الموجود يجب أن يستثمر، بشرط ترك العمل المسلح لإسقاط النظام الحاكم، لأن أي نظام يعمل من أجل الحفاظ على كيانه، والسودان قطر كبير واسع يسع الجميع، ويحتاج لجهد كل فرد فيه، ويجب ألا يترك مكشوفًا لمطامع الآخرين.
ما رأيكم في الانشقاقات والتحالفات التي حدثت مؤخرًا في بعض الأحزاب السياسية مثل: انشقاق مبارك الفاضل المهدي عن حزب الأمة بقيادة الصادق المهدي وتحالفه مع الحكومة، وانشقاق السيد محمد سر الختم الميرغني عن الحزب الاتحادي الديمقراطي بزعامة محمد عثمان الميرغني وانضمامه للحزب الحاكم؟
بالنسبة لمبارك الفاضل المهدي، كأنه قد مل من طولة بال الصادق المهدي وتردده. ومبارك شخص عملي، ويرى أنهم في حزب الأمة بعدما وقّعوا مع الحكومة في جيبوتي على «نداء الوطن» جاءوا إلى السودان من أجل ممارسة العمل السياسي في الداخل والمشاركة في السلطة.
ولكن الصادق المهدي كما قال عنه مبارك الفاضل، لديه هاجس تفكيك النظام بدلًا من المشاركة فيه وتردده جعل بعض قيادات الحزب الموجودة معه تتخذ خطًّا آخر مخالفًا بأن يشاركوا في السلطة، وأذكر أنني دعوت حزب الأمة -عندما حضروا إلى هنا- إلى أن يشاركوا فهذه الحكومة حاربوها لمدة 13 سنة، ولم يستطيعوا أن يسقطوها، فمن الأفضل أن يأتوا ويشاركوا في سبيل أن يكون لديك وزن، وعن طريق السلطة يمكن حل كثير من المشكلات الحزبية، وقد أصبح مبارك الفاضل يمثل تهديدًا حقيقيًّا للصادق المهدي؛ لأنه من آل بيت المهدي ولديه إمكانات واسعة جدًّا، وعلاقات واسعة ويتحرك كثيرًا.
أما محمد سر الختم الميرغني فقد انتظر السيد محمد عثمان الميرغني - زعيم الحزب في الخارج- كثيرًا، وطال انتظاره، وفي النهاية ترك الحزب وانضم للحزب الحاكم، وأعتقد أن قراءته صحيحة للوضع السياسي القائم؛ لأن الأحزاب المعارضة أضعف من أن تهز النظام فضلًا عن إسقاطه، وأعتقد أن خيار الفاضل والميرغني بالمشاركة هو الخيار الأفضل في تقديري.
أخيرًا ما تعليقكم على قرار الرئيس البشير بتجديد حبس د. حسن الترابي تحفظيًّا في منزله لمدة عام قابلة للتجديد الأسباب أمنية؟
أخونا حسن الترابي بُذلت معه جهود كبيرة جدًّا في الداخل والخارج من أجل إقناعه. وقد جاء إليه الوفد الإسلامي برئاسة الشيخ الزنداني والذنيبات، وآخرين، وعملوا رحلات مكوكية بين النظام والترابي، في سبيل الوصول إلى شيء. وفي الآخر، الذي أفشل الاتفاق هو الترابي ذاته لأنه قال للوفد الإسلامي: إنه حبيس، والحبيس لا رأي له، وطلب منهم الذهاب إلى جماعته خارج السجن -حينها- والاتفاق معهم، وقال لهم وإذا وصلتم إلى صيغة وفاقية سوف أقبلها ووصل الوفد الإسلامي إلى صيغة وفاقية مع جماعة الترابي، لكن الترابي رفضها!! وتعلل بأنها تحتاج الى تعديلات.
ثانيًا: جاء د. غازي صلاح الدين -مستشار الرئيس لشؤون السلام- ويذل معه مجهودًا في سبيل الوصول إلى شيء، وفشل المسعى وأخيرًا جاء أخونا أحمد عبد الرحمن -رئيس مجلس الصداقة الشعبية العالمية- وذهب إليه، واعتبر الترابي أن هذه المحاولات المتكررة ليس فيها من جديد!!
وحقيقة.. الترابي فيه شيء من عناد، وإذا قلنا من قبل إن التردد عيب في الصادق المهدي فأعتقد أن من العيوب الكبيرة في حسن الترابي العناد غير المبرر، وقد بسطت الحكومة إليه يدها للتعاون معها، وتجديد حبسه لمدة عام يبدو أنه تم لأسباب أمنية داخلية، وفق قانون الطوارئ.