العنوان د. عبد العزيز حمودة - أستاذ الأدب الإنجليزي بجامعة القاهرة: الجرجاني سبق سوسير أبا الحداثة الغربية بثمانية قرون
الكاتب صلاح رشيد
تاريخ النشر السبت 10-يناير-2004
مشاهدات 66
نشر في العدد 1584
نشر في الصفحة 52
السبت 10-يناير-2004
● فهم الترجمات العربية للفكر الحداثي أصعب من فهم الأصول الغربية لهذا الفكر!
● أرفض أن أكون علاقة ثقافية تبحث عن شطآن غربية لتستقر عليها.
● ثقافة «الشرخ» مهدت للتبعية الثقافية وتهدد هويتنا الفكرية بالمحو.
● لا توجد حداثة عربية أصيلة.. وكل ما لدينا تلفيقات مبتسرة ومشوهة.
«الحداثيون العرب» طائفة من مثقفينا، يمموا وجوههم شطر الثقافة الغربية، ونقلوا عنها بِنَهَمٍ وانبهار وأداروا ظهورهم إلى تراثهم العربي الغني الزاخر، فجاء إنتاجهم مسخًا مشوهًا، فلا هو عربي أصيل، ولا هو غربي محض.
د. عبد العزيز حمودة -أستاذ الأدب الإنجليزي بجامعة القاهرة، ونائب رئيس جامعة 6 أكتوبر الخاصة -استقرأ الإنتاج الحداثي العربي ورصد الفكر الحداثي الغربي فنقض الأخير، وهو حاليًا مهموم بصياغة نظرية عربية وجد جذورها في تراث اللغويين العرب، وأذهله -على حد تعبيره -أن يسبق هؤلاء رواد الحداثة الغربية بثمانية قرون. حول موقف د. حمودة من حداثة الغرب والبنيوية والتفكيكية وغيره من النظريات الغربية والحقائق التي أوصلته إليها قراءاته للتراث العربي كان هذا الحوار.
● بداية.. كيف نشأت فكرة مشروعك الثقافي والنقدي هذا وفي أي وقت؟!
○ قد يبدو للبعض أن هذا المشروع المتواضع، الذي بدأته بالمرايا المحدبة عام ۱۹۹۸م، ثم
الحقته بالمرايا المقعرة مشروع حديث، لكن في حقيقة الأمر، حينما بدأت قراءة الحداثة الغربية في أواخر الثمانينيات أدركت أن غياب الحداثة في الثقافة العربية نعمة. وقلت ذلك في ندوة عامة نشرت بعد ذلك في إحدى المجلات العربية المتخصصة، إذن كان انطباعي الأول في مواجهة الحداثة الغربية، أن تلك الحداثة، والفكر الذي أفرزها، والفكر الذي تحمله غريبة كلها عن الثقافة العربية، ثم أتيحت لي فرصة متأخرة منذ منتصف التسعينيات، حينما تخففت إلى حد كبير من أعباء الوظائف الإدارية، للقراءة المتعمقة في الحداثة الغربية وما بعدها، عندئذ تأكد انطباعي المبكر، تعمق رفضي لقيم الحداثة الغربية، لا من باب التعصب الذي يعمي الإنسان ويحرمه الموضوعية، بل من باب إدراك عميق لأن نقل الحداثة الغربية يمثل تغريبًا للفكر والعقل العربي، ولهذا كان كتابي الأول بمثابة راية احتجاج على الحداثة الغربية، وما بعدها ليس في حد ذاتها، ولكن من منطلق اختلاف القيم التي تحملها عن قيم الثقافة العربية!!
● وإلام توصلت في رحلتك وإبحارك في رحلتك الاستكشافية هذه من حقائق نقدية؟
○ طبعًا في مرحلة القراءة المتعمقة منذ منتصف التسعينيات، هالني أمران:
الأول: غربة الفكر الحداثي الغربي، كما سبق أن قلت واختلافه عن قيم الثقافة العربية.
الأمر الثاني: الذي هالني بل بعث الرعب في أوصالي دون مبالغة، هو ذلك الكم المذهل والمؤلم معًا لسوء الفهم، وسوء النقل عن الحداثة الغربية، والتشويه والابتسار الذي مارسه الحداثيون العرب، إضافة إلى الغموض المتعمد الذي كان يدفع الإنسان في أحيان كثيرة، إلى العودة إلى الأصول الغربية التي نقل عنها الحداثيون العرب، حتى يفهم تلك الحداثة، واللافت للنظر أن الإنسان كان يجد أنه من السهل التعامل مع الأصول المكتوبة بالإنجليزية مثلًا، بينما يجد صعوبة في التعامل مع النصوص العربية المترجمة والمنقولة عن تلك الأصول.
وهكذا ولد مشروع الكتاب الأول الذي قام على تسجيل واقع الصورة الحداثية في نسختها
العربية، مع كم التشويه والتغريب والغموض والإبهام في تعامل الحداثيين العرب مع النصوص الغربية، وفي تطبيقاتها على النصوص العربية، ثم التحول إلى نقض المشاريع النقدية الحداثية الغربية ذاتها، وفي مقدمتها بالطبع البنيوية والتفكيك، وكانت زاوية الارتكاز هي الربط بين الفلسفة الغربية الحداثية منذ القرن السابع عشر حتى منتصف القرن العشرين، وبين المشروعين النقديين الحداثيين وما بعد الحداثيين، وهو ربط يحكم على تلك المذاهب بالغربة المسبقة عند نقلها إلى الثقافة العربية، ولم يكن ما قلته في نقضي للبنيوية والتفكيك في حقيقة الأمر جديدًا تمامًا، فقد كان العقل الغربي ذاته قد بدأ يلفظ البنيوية والتفكيك باعتبار أن البنيوية انتهت إلى ما أسماه الرافضون لها بسجن اللغة، وأن التفكيك في حقيقة الأمر قد وصل بالعقل الغربي إلى طريق مسدود، هو ذات الطريق المسدود الذي كانت قد وصلت إليه فلسفة الشك الغربية، التي قامت عند التأويليين الألمان على وجه الخصوص مثل: هايدجر، وجادامر على انفصام عُرى الكون ووحدته، وغياب المركز، أي مركز للإحالة المرجعية بعد أن أحلُّوا العقل في مرحلة ما مكان الله !!.
● هل توقفت عند نقض المذاهب الحداثية الغربية فقط أم قدمت البديل؟
○ بعد الضجة التي أثارها كتابي «المرايا المحدبة»، واجهني الجميع بسؤال مُلِح طاردني فترة طويلة وهو: وماذا بعد المرايا المحدبة؟ ماذا بعد أن رفضت المذاهب النقدية التي فرزتها الحداثة الغربية وما بعدها؟ لابد للبديل أن يكون عربيًّا، والبحث عن البديل العربي، فرضته التغيرات السياسية التي حدثت على الساحة الدولية ابتداءً من التسعينيات، وما مثله النظام العالمي الجديد، من تهديد صريح ومباشر للثقافات القومية والهويات القومية رغم كل دعاوى الثقافة العالمية أو الكونية الواحدة، وهكذا بدأ مشروعي الثاني، وهو البحث عن بديل عربي داخل بيت البلاغة العربية نفسها، تأسيسًا على مقولة مبدئية ذكرتها في تمهيد «المرايا المقعرة»، حيث قلت إنني أرفض أن أكون علاقة ثقافية هائمة تطالب بأن تستقر على شواطئ سوسير، وشتراوس، ودريدا بل وهو ليسيرن، وهايدجر، بينما شطآن العقل العربي، شطآن الجاحظ، وقدامة بن جعفر، وابن طباطبا العلوي، وعبد القاهر الجرجاني، وحازم القرطاجني، قريبة، أقرب مما يتصور الكثيرون من العقل والقلب.
سوسير والجرجاني
● كيف كان منهجك في قراءة التراث العربي؟
○ بدأت قراءة تعتمد على الانتقاء الذكي في تراث البلاغة العربية في عصرها الذهبي ولم أقل في أي موضع من الكتاب الجديد إنني قرأت كل التراث البلاغي العربي، فلم يكن هذا هدفي، ثم إن هذا مشروع يمكن أن ينصرف له عمر كامل، ولكنني قمت بتتبع بعض الخيوط في البلاغة العربية التي يمكن جَدْلُها أحيانًا في ضفيرة أو نظرية لغوية، وجَدْل البعض الآخر منها في نظرية أدبية تؤسسان معًا لشرعية التراث البلاغي، وليس لشرعية الحداثة المعاصرة كما يفعل البعض!! وكان المنهج الذي اتبعته بل الذي فرضته طبيعة الدراسة، هو تثبيت خلفية حداثية في النظرية اللغوية، أي أنني توقفت مثلًا عند أبرز مقولات عالم اللغة السويسري دي سوسير في بداية القرن العشرين الذي أقام الدنيا ولم يقعدها، حددت أبرز إنجاز النظرية اللغوية، التي خرجت من عباءتها الدراسات اللغوية المتطورة المعقدة طوال القرن العشرين، وبهذه الخلفية في الاعتبار، درست نماذج من البلاغة العربية متتبعًا نظرية لغوية عربية.
● هل كشفت لك قراءاتك المقارنة ما يعضد رؤيتك ويؤكد أسبقية البلاغيين العرب على الحداثيين؟
○ أذهلني أنه لا توجد قضية توقف عندها اللغويون في القرن العشرين، لم يتوقف عندها البلاغيون العرب، وبتفصيل أكثر في أكثر من مرحلة في القرون الخمسة المعروفة للعصر الذهبي للبلاغة العربية، أتوقف في أحيان كثيرة عند قراءة مقارنة لبعض مقولات الجرجاني مثلًا، ومقولات سوسير في شبه ذهول يقترب بي من حافة الجنون حينما أجد البلاغي العربي قد سبق الحداثي الغربي بثمانية قرون، وبتفاصيل تقترب من التطابق الذي دفع أحد أصدقائي ممن قرأ النسخة الأولى للكتاب إلى القول: إن مثل هذه المقتطفات تكاد تؤكد أن سوسير قرأ الجرجاني، وهذا غير ثابت، فقد ثبت خلفية وضعت فيها أبرز علامات الطريق في النقد في القرن العشرين ابتداء من الشكليين الروس وانتهاء بالتفكيك، ثم عدت إلى تراث البلاغة العربية مرة أخرى أحاول تتبع خيوط النظرية وقد أصابني ذات التوفيق، وتوقفت أيضًا بالذهول نفسه عندما أدركت أنه لا توجد قضية نقدية توقف عندها العقل الغربي في القرن العشرين، لم يتوقف عندها البلاغيون العرب وهكذا أعود إلى نقطة البداية، وهي نقطة الانطلاق للدراسة الجديدة، وهي تلك الازدواجية المؤلمة والمؤسِّية التي رصدتها عند بعض المثقفين العرب، وهي ثنائية قامت عند هذا البعض على أساس الانبهار بكل ما أنتجه العقل الغربي، والتقليل من شأن - بل احتقار - كل ما أنتجه العقل العربي، وكانت دعوتي لوصل ما انقطع هي مشروعي الثقافي المتواضع، لوضع نهاية لهذه الثنائية التي خلقت ما أسميته بثقافة الشرخ، خاصة أن الانبهار بالحداثة الغربية وما بعدها جاء تمهيدًا للتبعية للثقافة الغربية، ثم تكريسًا لتلك التبعية في عصر تهدد فيه الثقافة الغربية المهيمنة بمحو الثقافات العربية المختلفة.
تلفيقات لا توفيقات
● نريد مثالًا لهذا السبق العربي على الحداثة الغربية؟
○ لنأخذ مثلًا نموذجًا مصغرًا، فمن المعروف أن أبرز الأركان الثلاثة التي قامت عليها نظرية سوسير اللغوية، هي عفوية العلاقة بين شطري اللفظ وهما الدال والمدلول، وتوقف الكثيرون عند هذه العلاقة العفوية التي تكتسب قوة العرف بعد أن تتفق عليها الجماعة المستخدمة للغة، عبد القاهر الجرجاني قبل سوسير بثمانية قرون على الأقل تحدث في إسهاب مذهل مثير للعجب عن لفظ «ضرب» وكيف كان من الممكن أن يكون «ربض» أو «بضر»، وهذا على وجه التحديد هو جوهر مقولة سوسير، وقِس على ذلك كثيرًا جدًّا، بل الكثير جدًّا من العلاقة
بين اللغة والكلام، اللفظ، والمعنى الأشياء والعلاقات!!
● قارنت الحداثة الغربية بالبلاغة العربية، ولكن ماذا عن النقد الداخلي للحداثة؟
○ هذا هو مشروعي الجديد.. دراسة الحداثة الغربية ذاتها بمعنى تقديم منظور نقدي للحداثة الغربية من داخل إنتاج الثقافة الغربية نفسه، لأنقض الحداثة الغربية وما بعدها من داخلها، ولأبين الاختلاف الذي أشرت إليه في عجالة في الكتابين حتى الآن وأبيِّن اختلاف القيم المعرفية التي أفرزت الحداثة، والتي تحملها إلينا، المشروع لم يتبلور بعد، أنا في مرحلة القراءة المتعمقة في النقد الغربي منذ أرسطو وأفلاطون حتى نهاية القرن العشرين!!
● وماذا تقول عن التوليفات التي يصيغها الحداثيون العرب؟!
○ هي ليست توليفات، بل تلفيقات والحديث عنها لا ينتهي، وفي رأيي أن الحداثيين أنفسهم بدؤوا يدركون خطورة هذه التلفيقات أو هذه «التوليفات»، ولنقل خطورة عمليات النقل المباشر وغير المباشر عن الحداثة الغربية وما بعدها، ومنذ ثلاث سنوات أكرر دون ملل التحدي الصريح لأي حداثي عربي أن يدلني على حداثة عربية أصيلة أفرزوها، فالحداثة التي ينتجونها ما زالت حداثة النقل والابتسار والترجمة والتشويه والتلفيق!!.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل