; استدعاء الأمة لتاريخها العظيم واجب | مجلة المجتمع

العنوان استدعاء الأمة لتاريخها العظيم واجب

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 21-أكتوبر-1997

مشاهدات 71

نشر في العدد 1272

نشر في الصفحة 47

الثلاثاء 21-أكتوبر-1997

مما هو بدهي ولا يحتاج إلى عمق في الفهم أو بُعد في النظر، أن فساد التصرف يدل على فسادالمتصرف، وعوج السلوك يدل على عوج السالك، وسفاهة الأعمال تدل على سفاهة الرجال، وانحطاط التوجهات ترشد إلى انحطاط الموجهين، وهوان القيادات يشير إلى هوان الشعوب، وضياع القيم يقود إلى ضياع الأمم:

مَنْ يهن يسهل الهوانُ عليه *** ما لجرحٍ بميت إيلام

 فمثلًا كلمة الشرف القومي كلمة سمعناها زمانًا لما كان الناس يعرفون للشرف معنى وكلمة الرجولة كلمة عشناها في الماضي وترددت بين الناس حين كانوا يقدرون قيمة الرجولة وكلمات: النخوة، والعزة، والكرامة، ألفاظ سُمعت في الساحة العربية والإسلامية لما كانت الشعوب في حجم الرجولة، وعلى مقاييس النخوة والعزة والكرامة، والقيم العظيمة لا تسكن القلوب الفارغة، والأهداف الكبار لا تحل في العقول الصغيرة، وإذا كانت النفوس كبارًا تعبت في مرادها الأجساد، وأمتنا اليوم في حاجة إلى استرجاع ماضينا وعزتنا، واستدعاء مثلنا وقادتنا العظام الذين علَّموا الدنيا الكرامة والعزة وأنسوهاوساوس الشيطان فقد:

كنا جبالًا كالجبال وربما *** سرنا على موج البحار بحارًا

بمعابد الإفرنج كان أذاننا *** قبل الكتائب يفتح الأمصارا

لم نخش طاغوتًا يحاربنا ولو *** نصب المنايا حولنا أسوارًا

ندعو جهارًا لا إله سوى الذي *** خلق الوجود وقدر الأقدارا

ولقد أخذتني روعة حديث البراء ابن عازب حين قال: أول من قدم علينامن المهاجرين إلى المدينة، مصعب ابن عمير، ثم قدم علينا عمرو ابن أم مكتوم «الأعمى» فقلت رحم الله الرجال رجل أعمى كانت عزيمته تشق الصخر، وتقطع الفيافي، وتخوض القفار نصرةً لدينه، وعزةً بعقيدته، وكان يؤذن لرسول الله في المدينة، بل كان صلي الله عليه وسلم يستخلفه على المدينة حاكمًا يدبر أمورها، ويصلي بالناس، وكان بعد ذلك يغزو ويتقدم الجيوش، ويقول: ادفعوا إلى اللواء فإني رجل أعمى لا استطيع أن أفر، وأقيموني بين الصفين، قال أنس بن مالك كان مع ابن أم مكتوم يوم القادسية راية ولواء.

أمة عرفت طريق العزة فأقدمت ولم تتخاذل أو تتهاون أو تفقد العزم ولو للحظة، ولم يعرف حتى ضعفاؤها معنى التخاذل، أو عميانها معنى القعود عن الغايات الكبار، وصدق الله ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (آل عمران:139-140). 

فليس هناك كفاح بدون ألم، ولا نصر بدون جلاد للعدو، وإن كان المسلم يألم فإنه سينتصر وينال ثواب الله، وعدوه يألم كذلك ولكنه مخذول ويشيع بغضب الله، وصدق الله ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ ۖ إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (النساء:104) فإذا أصر العدو على المعركة فما أجدر المؤمنين أن يكونوا أشد إصرارًا. وإذا احتمل العدو آلامها فما أجدر المؤمنين بالصبر على ما ينالهم من آلام في سبيل غاياتهم وإرضاء ربهم.

ولقد أخذتني الروعة ذاتها حين رأيت التاريخ يعيد نفسه، ورأيت بشائر تعافي الأمة الإسلامية بقيام نهضتها الواعدة غير المتشنجة والملتفتة إلى جهاد العدو، وخاصة في فلسطين حيث الغطرسة اليهودية قد بلغت مداها، واستنوقت لها الجمال العربية ومدت أعناقها للذبح.

فأقام الإسلام رجلًا مثل الشيخ أحمد ياسين في فلسطين ليضرب المثل للأمة ويحيي صمودها رغم ما يعانيه الشيخ من أمراض وشيخوخة، حيث بلغ «٦٠ عامًا» ويعاني من عدة أمراض مزمنة، أضفت على شخصيته روعة البطولة، فهو رجل مقعد يعاني من شلل رباعي في الساقين والذراعين، وعضلات البطن والصدر، ولذلك لا يتحرك فيه إلا رأسه وبصعوبة، مما يستدعي ملازمة شخص له أو أكثر للقيام على خدمته ورعايته، وقد أدى هذا -كما يقول الأطباء- إلى شلل عضلات الصدر عند الشيخ، وإلى انتفاخ الرئتين ثم إلى التهابات مزمنة في الشعب الهوائية، أما شلل عضلات البطن فسبب له الإمساك المزمن الذي أصابه بالبواسير، كما يعاني من التهاب في العينين والأذنين، هذا رغمًا عن السجن وفرقة الأهل والأولاد والديار، وحين سُئل عما كان يشغله في سجنه، قال: لم يشغلني في السجن سوى الإسلام وقضايا المسلمين فقلت: أنعم بك من رجل، ولا نامت أعين الجبناء.

لقد ضعف من ضعف عن قضايا المسلمين وعن ديارهم ودمائهم، وهم في أجساد البغال وتحت أيديهم الأموال والجيوش والسلاح، وجبنوا وهم طلقاء أصحاء فلم يفتحوا فمًا، أو يحركوا لسانًا أو يرفعوا يدًا، إلا على قومهم وبني وطنهم.

ولقد ربى الشيخ ياسين رجالًا وقفوا بعزم أمام العدو، وربى غيره نفاقًا وسفاحًا قهروا به الناس وسرقوا أموالهم، وباعوا ديارهم وصادقوا العدو، وحركهم دمى في مسرحيات هزلية لإجهاض الجماهير وضرب القوى الوطنية الفاعلة، فأصبحت الأمة تعاني فقدان الرمز المخلص والعزم المشتعل، والعزة الكريمة وتتخبط على غير هدى ذات اليمين وذات الشمال في سفاهة الأعمال، وفساد التصرف، وانحطاط التوجهات حتى ضاع الطريق من قدميها، وتاه الدرب عن ناظريها، وإلا فقل لي بربك كيف يعتدي العدو وعملاؤه من الموساد على حرمة بلد عربي، وتتورط مخابراته في عمليات إرهابية ومحاولة قتل أبرياء عرب، ويقبض عليهم ويسلمون للأجهزة الأمنية في البلاد، ثم يطلق سراحهم بغير محاكمة، وفي بلد عربي آخر يطلق سراح ٣٠ من عملاء العدو ومخابراته بعد تورطهم في التجسس بدون محاكمة، في حين هناك سجناء وطنيون أبرياء يموتون في سجون دولتهم، وتتناوشهم الأمراض من كل جانب ولا يفرج عنهم، أو يلتفت إلى أهليهم وذويهم، ولهذا فقد سرى في أفهام الناس وجرى على ألسنتهم أن العمالة حماية والوطنية سبة، والإسلامية جريمة، وكلمة الحق قضية، أقول: ولكن دوام الحال من المحال ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (يوسف: 21).

الرابط المختصر :