; المجتمع التربوي (العدد 1483) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (العدد 1483)

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر السبت 05-يناير-2002

مشاهدات 48

نشر في العدد 1483

نشر في الصفحة 54

السبت 05-يناير-2002

وقفة تربوية

سذاجة بعض الدعاة

تبين عشرات الآيات القرآنية والأحاديث النبوية أصناف الدجالين، والكذابين، ومدعي الصلاح، والنصابين، والمستغلين للدين لمنافع شخصية، كل ذلك ليسهل على المسلم التعامل مع الآخرين في هذه الحياة، وحتى لا يتبع غير الصادقين، ولا يعطي الأمانة لمن لا يستحقها، فيكون الدمار والهلاك.

ومن أبرز هذه المفاهيم العامة، علاقة الإيمان بالعمل، فلم تذكر آية في القرآن الإيمان إلا وقرنته بالعمل، قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ (البقرة: 25)، وآيات أخرى رتبت العقوية العظيمة على من يقول ما لا يفعل، قال تعالى: ﴿ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (الصف: 3).

ومن هذه المفاتيح أيضًا ذكر عشرات من صفات المنافقين، سواء النفاق العملي أو الاعتقادي، الذي منعه استهزاؤهم بمن ينفقون في سبيل الله، وقيامهم للصلاة وهم كسالي، ومشقة صلاتي العشاء والفجر عليهم، وكثرة اعتذارهم عند طلبهم لنصرة الإسلام والجهاد، وولاؤهم لأعداء الله، وحبهم لنشر الفاحشة، وإخلافهم للوعد، والكذب، وغيرها كثير في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ.

ومع كل هذه المفاهيم والضوابط والمفاتيح، إلا أن الدعاة بشكل عام أو الكثير منهم لم يتشرب بعد هذه الأمور، وما زال يخلط الحابل بالنابل، ويوثق من لا يستحق، ويوالي من لا يستحق الولاء، ويثق بالكذابين والدجالين بمجرد ادعاء هؤلاء الصلاح، أو إظهارهم لبعض الأعمال الإسلامية! أليست هذه سذاجة لم يفق بعض الدعاة منها حتى الآن؟.

أبو خلاد

albelali@bashaer.org

عباداتنا والانسجام الكوني

عبد القادر أحمد عبد القادر

يدخل المسلمون في الصلاة بعد نظر في الماء، ويؤدون الزكاة بعد نظر في: الزمن، والثمر، ويؤدون الصيام بعد نظر في الفضاء، ويؤدون الحج بعد نظر في كل ما سبق، فهلا تدبرنا في عباداتنا التي جمعت شمل الكون في وجدان كل مسلم؟

الصلاة بعد نظر في الماء

يؤدي المسلم الصلاة بعد الوضوء، والذي لا يقوم به المسلم إلا بعد نظرة فاحصة في الماء، وقد ابتدأت المصنفات الفقهية أبواب الصلاة بتصنيف للمياه، طاهرة أو نجسة، صافية أو مخلوطة.

إن النظرة الشرعية في الماء قبيل الدخول في الصلاة أكبر وأوسع وأعمق من القدر المطلوب لطهارة المسلم، لوضوئه أو لغسله! إن النظرة تكبر وتتسع وتتعمق لتتناول العيون والأنهار والبحار والسحاب المعلق بين السماء والأرض.

لقد انشغل الإنجليز في بعض الأيام بنهر «التيمز»، إذ كان قد تلوث، وتوسخ شاطئاه وصار مصدرًا للاشمئزاز والنفور... فأقبل القوم على نهرهم، فأعادوه نظيفًا جميلًا... فعلوا ذلك، وليس مطلوبًا منهم وضوء ولا اغتسال واجب.... فما بالنا بأحواض أنهارنا، وقد صارت إلى ما صارت إليه؟ ومنها نهر النيل الذي رآه النبي ﷺ في السماء، في رحلة المعراج، هل نظرنا في أمره حين التهيؤ لكل صلاة، أو لكل اغتسال؟! فما بالنا بنظرة

قبيل الشرب الهنيء، أو الري؟!.

إن تصنيف المياه في كتب الفقه قبيل الصلاة يدعونا إلى أمر أكبر مما فعله الإنجليز مع نهرهم... إنه يدعونا إلى النظر في جميع مصادر المياه في وطننا الإسلامي، وذلك يقتضي مضاعفة العلماء المتخصصين جهدهم، حتى نستمتع بصلاة قال عنها القرآن: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (المؤمنون: 1-2) والوضوء مفتاح الصلاة، والطهارة شرط مياه الاغتسال والوضوء.

إن علماء المياه قبل علماء الفقه، وكلاهما له دور في تحقيق الفلاح للمصلين، فهلا وعينا هذه الإشارات؟

للزكاة نظرات

يمكننا مطالعة موضوع الزكاة في جزء من الساعة، في أحد المصنفات الفقهية، ولكننا حين نريد استقصاء الجوانب التي تتشكل منها عبادة الزكاة نجدها كثيرة وذات أعماق بعيدة.

-استقصاء الحول يستدعي نظرات في الزمن حديدًا وحسابًا، وبالشمس والقمر، نعرف وقت الوجوب.

-واستقصاء مجالات الإنتاج يقتضي معرفة بالزراعة والتجارة والصناعة والثروة الحيوانية والمعادن والسلع، وما يتصل بذلك كله من علوم الحسابات.

-واستقصاء النقود يقتضي الرجوع إلى الأصل من الذهب والفضة وما تفرع عنهما من الأوراق النقدية والمشغولات، كما يستدعي معرفة وسائل الكسب وأساليب الادخار ووسائل الاستثمار.

-واستقصاء البشر يستدعي معرفة الشرائح التي تستحق الزكاة، فضلًا عن الأصناف التي يجب عليها الزكاة، وذلك يقتضي معرفة بأحوال الناس من خلال المعايشة الاجتماعية اليومية، وأكثر ذلك يتحقق من خلال الصلوات الخمس في المساجد، كما يتحقق من خلال التعارف بين المجتمعات الإسلامية، بصرف النظر عن الحدود «اللورنسية» المصنوعة.

-والزكاة بجميع أنواعها تتطلب معرفة بعلم الحساب، لتحديد المقادير من كل نوع، ولكل صنف... فما أوسع وأعمق المجالات التي يتبلور عنها موضوع الزكاة، ذلك الشكل التعبدي الذي تعرف إليه المسلم في وقت محدود.

إن موضوع الزكاة بجميع روافده يستوعب أكثر طاقات الأمة المالية والبشرية والفكرية والعلمية، أو هي جميعها.

الصيام ونظرة في الفضاء

لا يبدأ الصوم إلا بعد رؤية الهلال بعد نظرة في الفضاء والحكمة ما قال الله: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ (البقرة: 185).

إن جعل الرؤية تكليفًا فرديًا يفهم منه شغل كل مسلم بأمر الفضاء المحيط بهذا الكون، يجعل المسلم -والله أعلم -ينشغل بالفضاء وبالعلو الذي يناسب الإنسان ذي القامة المرفوعة، خلافًا للحيوان المنكفئ على الأرض.

أليس يثير سخريتنا من أنفسنا أن يسبقنا أقوام غير مكلفين بالنظر في الفضاء الأقرب والأبعد؟!

سبقونا اختراقًا وإحاطة وسباحة واستخدامًا... ولا يزال بعضنا غير مصدق لوصول «أرمسترونج » إلى القمر، وبعضنا يكذب مجرد الخبر بالوصول إلى القمر، لأنه «خبر غير مسند»!!.

لقد امتلك غيرنا الفضاء بما هو معلوم، وما زالت مشكلات المرور تخنقنا على الأرض في المدن الصغيرة، ناهيكم عن المدن الكبرى!.

إن النظر في الفضاء لمعرفة بدء شهر رمضان، يدعونا إلى السمو الوجداني والسمو المادي، فما بالنا لم ننظر هذه النظرة؟

الحج ونظرات عدة

بعد نظرة في الفضاء يبدأ شهر ذي الحجة، ويتحدد اليوم التاسع يوم وقفة عرفة..

-ونظرة مطلوبة في الأموال والأنعام، وفي صحة الأفراد، حتى ندرك الاستطاعة، ولنؤدي شعيرة الهدي أو الأضحية.

-ونظرة عامة في الماء للتطهر، أو البحار من أجل السفر البحري، ونظرة خاصة لماء زمزم طعامًا وشرابًا وشفاء.

-ونظرة في البشر الآتين من كل فج عميق.... نظرة لما عساه يتحقق من خلال الاجتماع البشري الهائل الموسع في ساحات المشاعر.

-وفي أثناء الإحرام نظرات في الكائنات التي يحرم صيدها أو التعرض لها بالأذى.

-ونظرات قبل الارتحال، ونظرات في أثناء الرحلة في البر والبحر والجو، وما يتعلق بوسائل السفر من صناعات واستثمارات وفنون إدارة، ونظم انتقال.

-وتتطلب شعيرة الحج أعمالًا زراعية وتجارية وصناعية وطبية وأمنية، وعلاقات دولية، ويصب ذلك كله في توضيح معنى قوله سبحانه وتعالى: ﴿لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ (الحج:28).

العلوم الكونية والشرعية معًا

تقتضي العلوم الشرعية استنفارًا فقهيًا، قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ

لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ (التوبة: 122)، هذا الاستنفار يضاف إلى استنفار علماء الكون، ﴿قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ (يونس: 101)، فيجتمع في وجدان المسلم شمل الكون، فيستشعر حينئذ أنه الخليفة عن الله في الأرض، وما حوت، وما فوقها، وما تحتها، الخليفة العابد لا الخليفة الجاحد.. يجتمع شمل الكون في وجدان المسلم بانسجام وتآلف يرفض الفكرة العلمانية جملة وتفصيلًا... ويرفض التنازع المذهبي أو الصراع الحضاري المتوهم، ويرفض النزعة الانفصالية بالعبادة، أو بالعلوم الكونية، انسجام يؤصل الأداء الجماعي للمجتمع البشري، انسجام بين الإنسان وعناصر الكون الغازية والسائلة والصلبة، والساكنة والمتحركة من حيوان أو نبات أو طير أو غيرها.

إنها دعوة للتحرر من معتقلات الكلمات والجمل والعبارات الجامدة والمتقوقعة، دعوة للتحرر من صراع المصطلحات المتنافرة، حتى يستمتع المسلم بالانسجام التعبدي مع الكون كله.

ماذا بعد الليالي الغالية؟

خالد يوسف الشطي

ماذا بعد صيام شهر رمضان؟ ماذا بعد ختم القرآن؟ ماذا بعد الصدقة والإحسان إلى الناس؟ ماذا بعد التوبة والإنابة والاستغفار؟ ماذا بعد الاعتكاف في المساجد وإحياء الليالي بالقيام؟ ماذا بعد ذلك كله؟!!

الإجابة عن هذه الأسئلة تحتاج إلى تمهل ووضوح، تمهل بحيث يجلس المرء مع نفسه جلسة هادئة شعارها: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أعمالكم قبل أن توزنوا وتزينوا للعرض الأكبر»، ليحدد فيها ما اقتطفه من ثمار جميلة في هذا الشهر الفضيل، ووضوح مع نفسه بأن يعرفها ما لها وما عليها.

إن مما يجب الانتباه إليه بعد انقضاء هذا الشهر الكريم... أمور عدة منها:

1-المداومة على العبادة وإن قلت:

يقول ﷺ: «أحب الأعمال إلى الله تعالى أدومها وإن قل»، ولقد مارس المسلم في هذا الشهر الفضيل صنوفًا كثيرة من الطاعات مثل الصيام وقراءة القرآن وصلة الأرحام والدعاء والقيام والاعتكاف وغيرها من القرب والطاعات، فيجب عليه ألا ينقطع عنها مباشرة، بل يبقى على صلة تامة مع ربه ومولاه سبحانه وتعالى فيحرص مثلًا على صيام الستة من شوال بعد رمضان، ويدرب نفسه على صيام التطوع مثل أيام الاثنين والخميس، وغيرها من أنواع الصيام، وكذلك قراءة القرآن فيجعل لنفسه وردًا ثابتًا يتلوه آناء الليل وأطراف النهار، ويصل رحمه باستمرار خاصة والديه وأقاربه، ويستشعر حديث الرسول ﷺ: «من أحب أن يبسط له في رزقه وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه» (صحيح البخاري).

وكذلك الدعاء فيعمل جاهدًا على حفظ الأذكار المأثورة خاصة أذكار الصباح والمساء التي تحمي الإنسان من وساوس الشيطان، يقول تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (الرعد: 28).

وأيضًا قيام الليل وصلاة الوتر تحقيقًا لوصية النبي ﷺ: «يا أهل القرآن أوتروا فإن الله وتر يحب الوتر» (رواه أحمد)، وكذلك عبادة الاعتكاف التي هجرها كثير من الناس فيدرب نفسه على المكث في المسجد خاصة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس، يقول ﷺ محفزًا عليها: «من صلى الفجر في جماعة ثم جلس يذكر الله  حتى تطلع الشمس فصلي ركعتين كتب له أجر حجة وعمرة تامة، تامة، تامة» أو كما قال ﷺ.

وقس أيها المسلم على ذلك سائر العبادات والطاعات، ذلك أن الله تعالى يحب ما يداوم عليها المسلم وإن قلت.

2-تأصيل معنى الإحسان في النفس:

ذلك أن عبادة الصيام تختلف عن غيرها من العبادات، إذ إنها بين العبد وربه، ولا يعلم مكنونها إلا الله جزاء ذلك، قال تعالى في الحديث القدسي: «كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به» (رواه مسلم).

فتجد المسلم في هذا الشهر الفضيل مراقبًا لله عز وجل في كل شؤونه صغيرها وكبيرها فحري به أن يؤصل ذلك المعنى في نفسه في كل لحظة من لحظات حياته ويحقق ما قاله رسولنا الكريم ﷺ عندما سأله جبريل عن الإحسان فقال: «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك».

ختامًا لا يسعني إلا أن أقول ما قاله الشيخ عائض القرآني مودعًا رمضان:

أقبل اللهم ربي صومنا * ثم زدنا من عطاياك الجسام

لا تعاقبنا فقد عاقبنا * قلق أسهرنا جنح الظلام

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل