الثلاثاء 14-سبتمبر-1982
حينما كان الإنسان العربي يتابع مشدوها ما يجري على أرض لبنان، كانت تتساقط من ذهنه كثير من المقولات التي طالما وجدت لها حيزًا من تفكيره، بفعل أجهزة الإعلام العربية الرسمية وحتى الشعبية، في كثير من الأحيان- هذا إن وجدت أجهزة إعلام شعبية- وبفعل التربية التي تلقاها الإنسان العربي في المدرسة منذ نعومة أظفاره، وحتى في الجامعات العربية وغير العربية، هذه التربية وهذه الثقافة التي طبعته بطابع اتكالي أو فردي أناني، أو انحرفت بعقليته في اتجاه خيالي أو نظري، أو تقليدي اتباعي فجعلته مبهورًا بحضارات الأمم الأخرى شرقييها وغربييها، فابتعد عن الفطرة التي فطره الله عليها، وعن المنهج الذي وضعه الله له فضل السبيل وتاه، وهو يحسب أنه يسير في الطريق الصحيح ويفكر تفكيرًا سليمًا.
أقول: إن هذه الهزة العنيفة التي شلت تفكير الإنسان العربي إلى حين، لم تدم طويلًا، ثم عاد التفكير مرة أخرى، ولكن في صورة مراجعة هذه المرة، ونقد ذاتي للفكر والمنهج، لتبيان الصواب والخطأ، ومن نتيجة هذه المراجعة كان لا بد له أن يسقط المقولات التالية:
المقولة الأولى: «إن الدول العربية بأنظمتها الحالية وإمكانياتها الحالية وإمكانياتها العسكرية والاقتصادية والبشرية قادرة على تحرير فلسطين، كل فلسطين. عندما تحين الفرصة، ويكتمل الإعداد، وتنتهي الخلافات بين البلاد العربية»
هذه المقولة سقطت مع حرب لبنان، إذ تبين أن الدول العربية مجتمعة ومنفردة لم تحرك ساكنًا لمواجهة الغزو الصهيوني، ولم تملك الخطة ولا النية لذلك، رغم علمها كلها أو بعضها بالغزو، بل تواطؤها كما ذكر الزعيم الفلسطيني «أبو إياد» والمبعوث الأمريكي «فيليب حبيب».
بل إن الحصار العربي على الفلسطينيين كان أشد فتكًا من حصار الصهاينة، والشواهد على ذلك كثيرة منها منع المتطوعين من الوصول إلى لبنان، وحجز الأسلحة والأغذية والأدوية وحتى طائرات الفلسطينيين وطياريهم الذين كانون يعتزمون القيام بعمليات استشهادية، ولا أقول انتحارية احتجزوا ومنعوا من الحركة، وقيل لمن هم داخل الحصار «انتحروا»!!
المقولة الثانية: «إن هنالك دول صمود وتصدي، وأخرى دول دعم ومساندة، وأن هناك دولًا تقدمية ثورية وأخرى رجعية محافظة، وأن هناك دولًا متحررة وأخرى تابعة...»
هذه المقولة سقطت وثبت زيفها، إذ لم تصمد أي دولة عربية ولم تتصد للغزو، وإن تظاهرت إحدى هذه الدول بذلك أحيانًا ذرا للرماد في العيون، ولم تدعم أي دولة ولم تساند بالمعنى الحقيقي لإحباط الغزو، وإفشال المؤامرة بل العكس هو الصحيح، فإن الكثير من الدول العربية- أقصد الأنظمة- إن لم يكن كلها، كانت تنتظر قطف الثمر وهو انتهاء الثورة الفلسطينية التي تقف حجر عثرة في طريق الاستسلام الذي يسمونه السلام.
المقولة الثالثة: «إن الدول العربية أو بعضها على الأقل ستتحرك إذا طالت الحرب وطال صمود اللبنانيين والفلسطينيين، وستندفع هذه الدول أو شعوبها على الأقل لتقلب الموازين لصالح المقاومة الفلسطينية».
وقد طالت الحرب أكثر من سبعة وسبعين يومًا، وصمد المقاتلون الفلسطينيون واللبنانيون المسلمون، ولم تتحرك دولة عربية واحدة لنجدتهم، ولم يتحرك شعب عربي واحد لقلب الموازين، باستثناء بعض التململات المسيطر عليها أو المرسومة هنا وهناك، والتي لم تقدم شيئا ذا بال للمحاصرين في بيروت، ولم تسهم بفعالية في تحطيم الهجمة الصهيونية الشرسة.
المقولة الرابعة: إن قوة الدول العربية يكون بمقدار سيطرتها على شعوبها وتقويتها لجيوشها وتكديسها لأسلحتها، وهذا هو الكفيل بوقف التوسع الصهيوني».
هذا ما تصوره كثير من حكام العرب، أو صور لها بأن قوتهم تأتي عن طريق قهر شعوبهم، وأن الحفاظ على أنظمتهم أهم من الحفاظ على تراب وطنهم، وأن الجيش المسخر لحفظ النظام هو القادر على حماية الوطن، وقد سقطت هذه المقولة فتبين أن الجيوش العربية بتركيباتها الحالية أعجز من أن تحمي أوطانها ومواطنيها من الغزو الخارجي، بل إنها أعجز من أن تحمي من أنشأها، ما دام الهدف من إنشائها قهر الشعب وإذلاله، وإن جماهير الشعب المنظمة والمسلحة والمتلاحمة مع جيوشها هي القادرة على إنزال الهزيمة بالأعداء وحماية نفسها وترابها الوطني، وأنظمة حكمها أيضًا شريطة أن تملك إرادتها الحرة، وأن يكون الإنسان فيها محترمًا لكونه إنسانًا. ولعل الشعوب العربية لو كانت منظمة ومسلحة بنفس مستوى تسليح وتنظيم آلآف من المقاتلين الفلسطينيين واللبنانيين في بيروت الغربية، لنام حكام العرب مطمئنين إلى أن أوطانهم بخير وعروبتهم بخير، ثم إن الإنسان العربي لو كان محترمًا من حكامه بنفس درجة احترام حكام إسرائيل لليهودي سواء كان حيًا أو ميتًا لما استطاعت قوة في الأرض إذلال هذه الأمة.
المقولة الخامسة: «إنه لا مجال للحياد بين الشرق والغرب، وأنه لابد للانتماء إلى إحدى الكتلتين الشرقية أو الغربية» ولذلك اتجهت بعض الدول العربية إلى الشرق واتجه بعضها الآخر إلى الغرب، بينما اتفقت الكتلتان الشرقية والغربية على توزيع مناطق النفوذ، فأصبحت المنطقة العربية خاضعة في مجملها للكتلة الغربية، وإن تظاهرت بعض الأنظمة العربية أنها مع الكتلة الشرقية.
وقد تبين من خلال حرب لبنان أن الغرب متآمر، وأن الشرق متواطئ، وأن الكل متفق على أن إسرائيل يجب أن تبقى، وأن القضية الفلسطينية يجب أن تصفى وأن شعب فلسطين يجب أن يرضخ، وأن الأمة العربية يجب أن تقبل بالأمر الواقع وتعترف بإسرائيل.
المقولة السادسة: «إن الصراع في لبنان هو صراع بين اليمين واليسار أو صراع بين اللبنانيين والفلسطينيين»
وقد اتضح بما لا يدع مجالًا للشك أنه صراع بين الهلال والصليب، وأن الإسلام هو المستهدف في أشخاص المسلمين، حتى وإن كانوا مسلمين انتماءً لا عقيدة، ذلك أن المسلم بالانتماء سرعان ما يتحول إلى مسلم بالعقيدة، ولذلك كانت الحرب اللبنانية جزءًا من الهجمة الصليبية العالمية واليهودية المجرمة والشيوعية الدولية ضد الصحوة الإسلامية، التي ظهرت واضحة في السنوات الأخيرة، والتي كان الهجوم المضاد عليها بينا في كثير من البلدان العربية وغير العربية، وإلا لماذا كان ذبح المسلمين في لبنان على الهوية؟ ولماذا كانت منطقتهم الآهلة بالسكان- حتى وإن كانوا أطفالًا ونساء وعجزة في الملاجئ ومرضى في المستشفيات- هي المستهدفة بآلاف الأطنان من القنابل؟ ولماذا مسحت مخيمات للفلسطينيين بأكملها عن وجه الأرض؟ ثم لماذا هرع المسلمون حتى من غير العرب للقتال مع الفلسطينيين، وهرع النصارى- حتى وإن كانوا من العرب- للقتال مع الكتائبيين؟!!
المقولة السابعة: «القضاء على الثورة الفلسطينية أمر سهل والصلح مع إسرائيل بعد ذلك يصبح مسألة وقت..»
ولقد أخذت محاولات القضاء على الثورة الفلسطينية أشكالًا مختلفة، منها صنع منظمات زائفة وتابعة وعميلة، ومنها دس تيارات بعيدة عن أصالة الشعب العربي المسلم لإحراف الثورة عن هدفها الأسمى، ومنها الإبادة الجماعية على أيد عربية، ومنها محاولات التدجين والتسييس والوصاية غير الشرعية، ومنها التلمييع والنفخ الإعلامي المبالغ فيه أو التعتيم والصمت الإعلامي المريب، وعندما لم يجد كل هذا نفعًا في القضاء على الثورة الفلسطينية أوكل الأمر لإسرائيل، على اعتبار أنها القوة القادرة على حسم الأمر في النهاية، ولكن إسرائيل التي ضربت الثورة الفلسطينية ضربة موجعة، تلقت هي أيضّا ضربة موجعة لم تعهدها في الحروب السابقة مع الدول العربية، وبقيت الثورة الفلسطينية على قيد الحياة، بل ربما أصبحت في قابل الأيام أكثر قوة، وقد قيل إن الضربة التي لا تميت تقوي..
وتصور صناع الجريمة أن الصلح مع إسرائيل أمر يصبح في المتناول، بعد القضاء على العقبة المشاكسة وهي الثورة الفلسطينية، ولم يدر في خلد هؤلاء أن الثورة الفلسطينية لا تمثل حزبًا من الأحزاب، أو جماعة من الجماعات بل تمثل ضمير شعب فلسطين الذي هو جزء من الأمة العربية الإسلامية، وأن هذه الثورة لم تبدأ من ٦٥/١/١ وإنما هي أبعد من ذلك بكثير، وأن القائد المؤسس لها هو الشهيد المسلم البطل «الشيخ عز الدين القسام» الذي استشهد برصاص الإنجليز في غابات «يعيد» قرب «جنين» عام ١٩٣٥، ولو كانوا يعقلون قوله تعالى ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ (سورة الإسراء: ١) لأدركوا أن أرض فلسطين مباركة من الله، وأن من يفرط فيها لأعداء الله وقتلة الأنبياء ومصاصي الدماء لقاء عرض زائل يتولاه الله بأمره، ولهم في أنور السادات عبرة، فقد سخر الله عليه فئة مؤمنة أحالت اعتزازه بغير الله إلى مذلة حقيقية، فخر على وجهه صريعًا وما شيعه إلا الكافرون.
والآن.. وبعد أن سقطت هذه المقولات من ذهن الإنسان العربي المسلم، لا بد أن تحل محلها مقولات جديدة لأن التفكير من خصائص الإنسان المميز المكلف، ولأن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يقول «من لا يهتم بأمر المسلمين فليس منهم» فما هي هذه المقولات الجديدة؟ وماذا سينتج عنها؟
ادعوك أخي القارئ المسلم أن تفكر؟ لأنه يراد لأمة محمد صلى الله عليه وسلم أن تذل ويراد لأمة الكفر أن تعز، والله تعالى يقول ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾. (سورة المنافقون: ٨)
يراد لحكام العرب أن يعقدوا «صلحًا» مع «إسرائيل» أي أن يتنازلوا عن فلسطين العربية المسلمة لليهود سالمين غانمين، وقد ضغطوا على شعب فلسطين وثوار فلسطين ضغطًا رهيبًا ليقولوا «نعم».. تركوهم بين خيارين أحلاهما مر، إما الإبادة والتشتت الأبدي أو الرضوخ والاستسلام والتنازل عن الوطن والكرامة والحرية باسم «السلام العادل والشامل» وما هو والله بسلام ولا هو والله بعادل.
قال أحد الصحفيين العرب بعد أن وقع أنور السادات «الصلح» مع «إسرائيل»: «لقد سبق السادات عصره بعشرة أعوام» فهل كان هذا الكاتب مطلعًا على المخطط؟ وهل كان يقصد أن حكام العرب «سيعقدون صلحًا مع إسرائيل» بعد السادات بعشرة أعوام بالضبط؟ وهل سيطوى ملف القضية الفلسطينية، وتصبح شيئًا من الماضي، وتصبح الحقيقة الماثلة والمقبولة في «منطقة الشرق الأوسط» في «إسرائيل»؟
يا للهول !!
رجوعًا إلى التاريخ في زمن الانحطاط أيام الصليبيين والتتار، ومقارنة مع الواقع الذي نعيشه، نجد تشابهًا كبيرًا.. ولكن الله لطف بهذه الأمة في ذلك الزمن، فأخرج لها «صلاح الدين» ليقودها إلى النصر على الصليبيين، وأخرج لها «قطز» ليقودها إلى النصر على التتار، فمن سيخرج اليوم ليقود أمة محمد إلى النصر على اليهود وأعوانهم؟
يقول صلى الله عليه وسلم «الخير في وفي أمتي إلى يوم القيامة» ويقول أيضًا: «ألا تحبون أن يغفر الله لكم ويدخلكم الجنة، اغزو في سبيل الله» ويقول جل من قائل: ﴿يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثّاقَلْتُمْ إِلَى الأرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدّنْيَا مِنَ الاَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدّنْيَا فِي الاَخِرَةِ إِلاّ قَلِيلٌ إِلاّ تَنفِرُواْ يُعَذّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرّوهُ شَيْئاً وَاللّهُ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. (سورة التوبة: ٣٨،٣٩)
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل