العنوان جابر عصفور.. وحصاد الهشيم!
الكاتب أ.د. حلمي محمد القاعود
تاريخ النشر الثلاثاء 01-فبراير-2022
مشاهدات 76
نشر في عدد 2164
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 01-فبراير-2022
- من مقولاته: «أعتبر المقالات التي يكتبها عدد من فقهاء الشريعة بالأزهر دليلاً على تميزهم بضيق الأفق»!
- كان طموحه منذ بداياته حتى آخر نفس له أن يتقرب إلى السلطة بأي وسيلة وأي ثمن.
- مكَّن أصدقاءه وتلاميذه من مفاتيح المشهد الثقافي الذي أضحى يتلخص في حرمان الثقافة الإسلامية من الحضور.
- آذى كثيراً ممن ينتمون إلى الأزهر ودار العلوم من مخالفيه في الرأي وحرمهم من الترقيات.
في لفتة غير عادية، اهتمت الصحف العبرية في الوطن السليب (فلسطين) بوفاة د. جابر عصفور، وزير الثقافة المصري الأسبق، الذي رحل إلى الدار الآخرة في 31 ديسمبر 2021م.
ففي أوسع الصحف انتشاراً بالكيان الصهيوني الغاصب، كتب «تسفي برئيل»، في 3 يناير 2022م، مقالة مسهبة تناول فيها مواقف الراحل من عدة زوايا؛ فأوضح موقفه المائع من مسألة التطبيع الذي عرّفه بـ«العمل الذي يتمتع من ينفّذه بفائدة مالية أو روحية»! وأشار «برئيل» إلى بعض ما كتبه المثقفون العلمانيون في مصر والدول العربية حول الراحل؛ حيث أطلقوا عليه «المناضل الكبير من أجل التنوير»، و«طلائعي التنوير المصري»، و«رمز التنوير»، الذي انبرى لمحاربة المحافظة (...) والقتال ضد الراديكالية الدينية (الإسلامية)، ومهاجمة زعامة الأزهر -وهو المؤسسة الدينية الأهم في الدول الإسلامية، ومقره مصر- وزعم أن الخطاب الديني ليس هو الدين، ورد على انتقاد حاد لعلماء الأزهر: «أعْتبر المقالات التي يكتبها عدد من فقهاء الشريعة في الأزهر دليلاً على تميزهم بضيق الأفق»!
وبعد أن ترك الوزارة، عاد عصفور إلى انتقاده الشديد للأزهر، وسماه «مؤسسة تنتج إرهابيين متطرفين»، وقال في مقابلة مع المجلة الأدبية «الجديد»: «تطوُّر الخطاب الديني إلى خطاب إرهابي هو من علامات ثقافة التخلف».
يشير «برئيل» في سياق التطبيع إلى أن جابر عصفور نفسه تجاوز الخطوط عدة مرات والتقى صهاينة في مصر وخارجها، وعندما فاز الكاتب اليهودي «دافيد غروسمان»، في عام 2017م، بجائزة «بوكر» عن كتاب «حصان واحد دخل إلى البار»، قال عصفور، في مقابلة مع صحيفة «اليوم السابع» المصرية: إن «فوز غروسمان أمر طبيعي»، وأضاف: «يجب القول بنزاهة بأن الأدب «الإسرائيلي» يستحق الجوائز العالمية»!
ذكاء وطموح
لا ريب أن جابر عصفور، المولود بمدينة المحلة الكبرى بمحافظة الغربية، في 25 مارس 1944م، كان يمتلك ذكاء كبيراً، وأوتي نشاطاً ملحوظاً بالنسبة لأقرانه، وطموحاً بغير حدود، وهو ما صعد به إلى سدة الوزارة، وجعله يتصدر حركة الثقافة في مصر، ويوجهها الوجهة التي تريدها السلطة.
لقد نشأ في أسرة متواضعة، وهذا ليس عيباً في حد ذاته، ولكن العيب أن يتحول الأمر إلى حالة من التكبر والعلو والإفساد في الفكر والمعتقدات، لم تحُل النشأة المتواضعة لعصفور دون انتظامه في التعليم، والبروز بين أقرانه، والحصول على درجة الليسانس من قسم اللغة العربية بكلية الآداب جامعة القاهرة، ثم درجتي الماجستير والدكتوراه من الكلية ذاتها التي عين معيداً بها بعد أن نقله عبدالناصر من التدريس في إحدى مدارس التعليم الإعدادي بالفيوم.
ساعده ذكاؤه ونشاطه وطموحه على إنتاج عدد هائل من المؤلفات، استطاع نشرها في مؤسسات الدولة وخارجها بعد أن انفتحت له الأبواب على مصاريعها، وأذكر أنه ما كان ينتهي من سلسلة مقالات ينشرها في كبريات الصحف التي تكافئ بسخاء كبير، فلا يكاد يمضي على نشر آخر مقالة أقل من شهر، حتى يراها الناس كتاباً مطبوعاً بين أيديهم في سلاسل واسعة الانتشار، وللأسف الشديد؛ فإن معظم إنتاجه الفكري والأدبي والنقدي لا يُحسب له، فبينما يمكن الجدل والنقاش، والأخذ والعطاء مع دراساته النقدية ومترجماته، فإن كتبه التي تناولت الإسلام وقضاياه المعاصرة كانت تمثل بالنسبة له حصاد الهشيم، وتمثل حالة غريبة بالنسبة لأستاذ في اللغة العربية يفترض فيه أن يكون درعاً للإسلام وحامياً لمفاهيمه الصحيحة ومبشراً بها.
كان من الطبيعي، وهو رجل الثقافة الأول في البلاد في وجود وزراء ثقافة رسميين، أن يحظى على مدى أربعين عاماً بكثير من التكريمات والجوائز والأوسمة الرسمية داخل مصر وخارجها، من بينها جائزة القذافي الشهيرة التي اعتذر عن عدم قبولها الكاتب الإسباني «خوان غويتسولو»؛ احتجاجاً على استبداد مانح الجائزة، فضلاً عن جوائز الدولة الكبرى.
لقد استطاع أن ينشئ للسلطة ما عرف بـ«الحظيرة الثقافية»، وتعني أن من يعلن ولاءه للوزارة صار مرضياً عنه ودخل الحظيرة، ومن لم يؤيد سياسة الوزارة فقد حرم من نعيم الحظيرة وجنتها!
الطموح والولاء
كان طموح عصفور منذ بداياته حتى آخر نفس من أنفاسه أن يقترب من السلطة بأي وسيلة وأي ثمن، وقد نجح في ذلك!
كان ناصرياً في فترة عبدالناصر، وأعلن ولاءه للحاكم المهزوم أبداً، المستبد طول حياته، الفاشل في إدارته، وظل يفاخر أنه أنصفه بتعيينه معيداً في الكلية التي تخرج فيها، ولم يذكر كلمة عن استبداده وطغيانه ووحشيته ضد خصومه، فعصفور لا يعنيه المواطن ولا الوطن!
بعد رحيل عبدالناصر كان في بلاط السادات، حيث تولى مع أستاذته سهير القلماوي وآخرين العناية بأمر الطالبة جيهان صفوت رؤوف المعروفة باسم جيهان السادات، مذ كانت طالبة في الليسانس بقسم اللغة العربية في كلية الآداب جامعة القاهرة، حتى حصلت على الماجستير والدكتوراه في الأدب المقارن، وبعد رحيل السادات حظي بهجاء مرير من عصفور!
وفي عهد مبارك، كانت الجائزة الكبرى، فقد استطاع عصفور أن يتخطى أستاذه عز الدين إسماعيل، الذي أشركه معه في تحرير مجلة «فصول»، وأن يكون لصيقاً بالوزير الجدلي فاروق حسني، الذي أفاد منه إفادة كبيرة في إنشاء الحظيرة الثقافية، وتصدر المشهد الثقافي، وأن ينشئ المركز القومي للترجمة، وهذا مما يحسب له، وقد كتبت في حينه أشيد بهذا المركز الذي تحتاجه الثقافة، وإن كان المركز قد اتخذ اتجاهاً آخر يصب في الاهتمام بالأفكار المعادية للهوية الثقافية الإسلامية للأمة.
لقد سيطر عصفور في عهد الوزير الجدلي على المجلس الأعلى للثقافة، والجوائز، والمؤتمرات، والمجلات، ونوافذ النشر، ومنابر الثقافة في الصحف والتلفزة، وقصور الثقافة، ومكن أصدقاءه وتلاميذه من مفاتيح المشهد الثقافي الذي أضحى يتلخص في حرمان الثقافة الإسلامية من الحضور، وإتاحة المجال للثقافة العلمانية بكل تجلياتها الشيوعية واليسارية والناصرية والطائفية والأرزقية، وفقاً لتعبير الكاتب الساخر محمود السعدني.
وإذا عدنا إلى بعض مؤلفاته، سنجده أول من تجرأ على وضع الإظلام بدلاً من الإسلام! وتأمل هذه العناوين: «التنوير يواجه الإظلام»، «محنة التنوير»، «دفاعاً عن التنوير»، «هوامش على دفاتر التنوير»، «إضاءات»، «أنوار العقل».. وهي تدل لأول وهلة على مدى الكراهية والبغض للدين الحنيف ومعطياته، ولا يظنن أحد أني اكتفيت بدلالة العناوين، فقد تناولت فحوى معظم هذه الكتب في سلسلة ممتدة من مقالاتي منذ التسعينيات، ورأيت فيها لعباً بالمصطلح المراوغ الذي يستخدمه عصفور لتبرير حربه الشرسة ضد قيم الإسلام ومفاهيمه.
المهمة الشريرة!
إن الحملة المحمومة ضد الإسلام التي قادها عصفور ورفاقه في العقود الأخيرة، وأشار إلى بعضها الكاتب الصهيوني «برئيل»، تجعلنا نتساءل: لماذا قام عصفور بهذه المهمة الشريرة؟ وماذا أخذ معه وهو يغادر الدنيا إلى دار الآخرة؟
لقد تجاوز في مهمته إلى الانتقام ممن خالفوه الرأي والفكر، فآذى كثيراً ممن تقدموا للترقي ممن ينتمون إلى الأزهر ودار العلوم، وحرمهم من الترقيات.
لقد دفعه طموحه ذات يوم إلى أن يدوس على جثث شهداء ثورة يناير ودمائهم ليقسم اليمين الدستورية في وزارة يقودها الفريق أحمد شفيق، وزيراً للثقافة لأول مرة، وفي أول اجتماع للوزارة التي سبقت انتصار الثورة بأيام، اكتشف رئيس الوزراء أنه لم يوقع أوراقاً مطلوبة، فاشتدّ عليه أمام زملائه الوزراء بما يفيد إقالته، ولم ينطق عصفور بكلمة، وانسحب يجلله السواد والخزي، وراح يزعم أنه استقال، بعد عشرة أيام كئيبة!
عصفور لم يحصد إلا الهشيم، وغفر الله لنا وله!>
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل