العنوان الأمية عقبتنا على طريق التنمية
الكاتب عجلان محمد العجلان
تاريخ النشر الثلاثاء 31-مارس-1981
مشاهدات 88
نشر في العدد 522
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 31-مارس-1981
● تعتبر المنطقة العربية من المناطق التي تتميز بارتفاع مفرط في نسبة الأمية
● مشكلة الأمية ما هو حجمها.. وتأثيرها وأسبابها؟!
● ما مدى تأثير النسبة العالية للأمية على خطط التنمية في المنطقة العربية؟
● القضاء على الأمية يتطلب تعليما إجباريا للأطفال وحملة تعليم واسعة للكبار
تعتبر مشكلة الأمية من المشكلات الخطيرة في المنطقة العربية، وعلى الرغم من انتشار التعليم وانخفاض نسبة الأمية انخفاضًا ملموسًا وسط الشباب (الأعمار ١٥- ٢٦) فإن النسبة العامة للأمية لا تزال مرتفعة.
ما هو حجم المشكلة وما مدى تأثيرها مع خطط التنمية في المنطقة؟ ما هي الأسباب وراء ارتفاع نسبة الأمية ارتفاعًا مفرطًا؟ كيف نستطيع أن نكبح جماح تلك المشكلة؟ ثلاثة أسئلة ملحة، من غير شك، لا تستطيع مثل هذه المقالة أن تدعي الإجابة عنها إجابة تحليلية وافية، وإنما ستتقدم- في عرض موجز- ببعض الحقائق وتنبه الأذهان إلى أهمية المشكلة وخطورتها.
حجم المشكلة:
تعتبر المنطقة العربية من المناطق الرئيسية في العالم، والتي تتميز بارتفاع مفرط في نسبة الأمية، يظهر ذلك بوضوح من خريطة الأمية العالمية والتي رسمها السيد تشارلز جفريس «انظر الخريطة المرافقة» في كتابه «الأمية، مشكلة العالم». في مكان آخر من هذا الكتاب السيد جفريس يعطي النسب التالية للأمية: «1»
المنطقة 1950 1962
إفريقيا 80-85 78-84
الأمريكتان 20-21 18-20
الدول العربية 82-87 78-82
آسيا 67-71 53-57
أوروبا والاتحاد السوفييتي 6-10 3-7
بالإضافة إلى ذلك، فإن بعض الدراسات التي صدرت أخيرًا من منطقتنا تؤكد بأن تلك الصورة القائمة لا تزال تسود المنطقة، ما مدى تأثير تلك النسبة العالية للأمية مع خطط التنمية في المنطقة؟ من السهولة القول بإن التأثير سيكون بالغًا «لأن التركيب الاجتماعي والسياسي والاقتصادي للمجتمع الحديث يعتمد مع الافتراض بأن كل مواطن يستطيع التفاهم ومن الاستطاعة التفاهم معه عن طريق الكلمة المطبوعة أو المكتوبة». (2).
بسبب ارتفاع الأمية فإن القوة العاملة في المنطقة محدودة جدًا لا تستطيع أن تقابل مطالب وحاجات التنمية، لذا فإن دول المنطقة تلجأ إلى الاستيراد والاستعانة بالآخرين. هذا الاستيراد يخلق بدوره مشاكله الخاصة: مشاكل إسكان وارتفاع في نسب المعيشة، أزمات في المرافق العامة (مدارس ومواصلات ومستشفيات..) وهجرة في العملات المحلية... الخ.
الأسباب:
لمعرفة أسباب هذا الارتفاع العالي في نسبة الأمية فإننا نستطيع أن نذكر الأشياء التالية:
1- الاحتلال الأجنبي من قِبَل بعض الدول الأوروبية، وخصوصًا الدولتين: بريطانيا وفرنسا. خلال فترة الاستعمار، والتي اختلفت من بلد إلى آخر، فإن نسبة التعليم لم ترتفع إلا بمقدار ضئيل، وعلى سبيل المثال فإن الأمية في الجزائر لم تنخفض إلا بنسبة 2% فقط خلال الست سنوات الأخيرة من الاحتلال الفرنسي (3)․
2- جزء غير يسير من سكان المنطقة بدو يعيشون حياة متنقلة، ومن هنا فإن عددًا غير قليل من أطفالهم لا يصلون إلى المدارس.
3- الدول الغربية وبعض الدول الشرقية بدأت ممارسة التعليم الإلزامي للأطفال خلال القرن التاسع عشر.. إنجلترا مثلًا بدأته في عام ۱۸۷۰، واليابان عام ۱۸۷۲، الولايات المتحدة ۱۹۰۰، مثل معظم دول العالم الثالث فإن كثيرًا من الدول العربية لم تبدأ التعليم الإلزامي إلا في هذا القرن.
4- التطور والنمو الصناعي في الغرب سبب انتشارًا واسعًا في حركة التعليم في المناطق الريفية بين المزارعين، وفي المدن بين عمال المصانع على حد سواء، من دون الحاجة إلى تنظيم واع لنشر التعليم. عملية العرض والطلب الطبيعية أدت إلى النتائج المطلوبة بطريقة تدريجية.
الحل:
منظمة اليونسكو أشارت في أكثر من تقرير إلى أن القضاء على الأمية يتطلب عملين مزدوجين: تعليم إجباري مجاني للأطفال، وحملة تعليم على نطاق واسع للكبار.. نجاح كل عملية يرتبط ويكمل نجاح العملية الأخرى. وهكذا فإن القضاء على الأمية يحتم إيجاد مدارس لتعليم الأطفال في كل مكان، وإنشاء شبكة مراكز تعليمية للكبار في كل مكان أيضًا. مشروع بهذا الشكل يتطلب شيئين بالدرجة الأولى: موارد مالية ضخمة وحكومة مستقرة تملك القدرة على إصدار القرار وعلى تنفيذه.
المنطقة العربية تملك القدرة المالية والقدرة السياسية لبدء مثل هذا المشروع، إضافة إلى ذلك فإن هناك عددًا من العوامل الأخرى التي تجعل فرص نجاح هذا المشروع في منطقتنا أقرب إلى التحقيق منها في كثير من المناطق الأخرى:
1- الغالبية العظمى من سكان المنطقة يدينون بالإسلام، وبالتالي فإنه يفترض أن يكون لديهم تجاوب طبيعي وولع مع هذا المشروع، لأن الدين الإسلامي الحنيف قد جعل من طلب العلم فريضة على كل إنسان مسلم، ومن هنا فإن الحافز داخلي وخارجي في آن واحد.
2- هناك لغة واحدة في المنطقة هي اللغة العربية، وهي غنية بآدابها ومادتها.
لقد كان تعدد اللغات وفقر آدابها في المناطق التي مارست تجارب محو الأمية في إفريقيا وآسيا في مطلع هذا القرن ومنتصفه من العراقيل الكبرى التي واجهتها تلك المناطق وأثرت في مدى نجاح تجاربهم.
وأخيرًا التجربة الروسية الناجحة والتي تمت في الفترة ١٩١٤- ١٩٣٩ من الممكن أن تكون حافزًا قويًا لسكان المنطقة العربية للتشابه في الظروف. فروسيا عندما بدأت تجربتها كانت بلدًا واسعًا يضم أقلية متعلمة بالإضافة فإن جزءًا من مواطني روسيا كانوا بدوًا.
السيد تشارلز جفريس يحدثنا عن التجربة في عام ۱۸۹۷ حيث كان أقل من ربع السكان في روسيا يستطيعون القراءة والكتابة، في عام ١٩٢٠ لجنة خاصة أنشئت بغرض تنظيم حملات تعليم. بناء على الإحصائيات الرسمية أكثر من مليونين تعلموا القراءة والكتابة في سنة ۱۹۲۸، وثمانية ملايين في الفترة ٢٩- ١٩٣٠ وأحد عشر مليونا في الفترة ٣٠ - ١٩٣١ وفي سنة ١٩٤٠ أكثر من أربعين مليونا تعلموا القراءة والكتابة» (4).
إزاء هذه الصورة أود أن أضع صورة أخرى من منطقتنا العربية.. في عام ١٩٦٦ عقد وزراء التعليم والمالية العرب اجتماعًا في طرابلس. بعد النظر في مشكلة الأمية للمؤتمر «دعا الدول العربية إلى أن تعطي الأولوية لمشكلة محو الأمية وأن تربط بالخطة التعليمية التي يجب أن تربط بدورها إلى الخطة الاقتصادية» ست عشرة سنة مضت على هذا الاجتماع فهل نستطيع أن نقول إن هناك تغيرًا جوهريًا.. طفرة تعليمية.. في مجال محو الأمية مثلما رأينا في التجربة الروسية؟