العنوان علم وعمل + عزيمة وصبر = فلاح
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 21-يوليو-1998
مشاهدات 93
نشر في العدد 1309
نشر في الصفحة 51
الثلاثاء 21-يوليو-1998
من سنن الله في الحياة أن الدنيا لا تعطي حصادها إلا لمن يزرعها، ولا جناها إلا لمن يغرسها، ولا ينال المرء فيها ما يحب ويرغب إلا بصبره على ما يكره، ولا يتحقق له أمل يصبو إليه إلا بعد امتحان عسير، وصبر طويل، يتحمل فيه مشقات وصعاب وسدود وعقبات، ولذلك كان لا يطمح في إدراك النجاح وتحقيق المعالي السابقة، إلا أولو العزم وأصحاب النفوس الكبيرة، وفي هذا يقول المتنبي:
ذريني أنل ما لا ينال من العلا *** فصعب العلا في الصعب والسهل في السهل
تريدين إدراك المعالي رخيصة *** ولا بد دون الشهد من إبر النحل
ولقد عرفنا أنه من عدالة السنن الإلهية في الكون أن الشيء النفيس لا يدرك إلا بجهد كبير، وصبر عظيم، وكلما كانت نفاسته أظهر، احتاج إلى جهد أكبر وصبر أشد.
وهذا لا يتأتى إلا بعلم عظيم، وعمل كثير، ودأب متواصل؛ لأنه لا فائدة بعلم لا يتبعه عمل، ولا بعمل لا يعقبه صبر وكفاح، هذا شيء يعلمه القاصي والداني، وما أروع تلك الرسالة التي بعث بها الإمام الغزالي إلى أحد تلاميذه يقول فيها: «يا ولدي، النصيحة سهلة، ولكن الصعب قبولها؛ لأنها في فم من لم يتعودها مرة المذاق، وإن من يحصل العلم ولا يعمل به، تكون التبعة عليه أعظم، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أشد الناس عذابًا يوم القيامة عالم لا ينتفع بعلمه».
يا ولدي.. لا تكن من الأعمال مفلسًا، ولا من الاجتهاد في الطاعة خاليًا، وتيقن أن العلم المجرد لا يأخذ باليد، كما لو كان مع رجل عشرة أسياف هندية، وهو في صحراء، فخرج عليه أسد عظيم مهيب، فهل تدفع عنه هذه الأسلحة دون أن يستعملها؟ كذلك مثل العلم والعمل، لا فائدة في الأول بدون الثاني.
يا ولدي.. لو قرأت العلم مائة سنة، وجمعت ألف كتاب، لا تكون مستعدًا لرحمة الله إلا بالعمل ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾ (النجم: 39-40)، ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (الكهف: 110).
يا ولدي.. ما لم تعمل لن تجد الأجر، وفيما ينسب إلى علي- كرم الله وجهه- «من ظن أنه بدون الجهد يصل فهو متمنٍ، والمنى بضاعة الحمقى»، وقال الحسن البصري- رضي الله عنه-: «طلب الجنة بلا عمل ذنب من الذنوب»، وفي الخبر عن أهل الله تعالى: «ما أقل حياء من يطمع في جنتي بغير عمل»، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والأحمق من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني».
يا ولدي.. عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، والعلم بلا عمل جنون، ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (البقرة: 44).
والعمل بغير علم لا يكون، فلا بد منهما معًا، وإن العلم وحده لا يبعدك اليوم عن المعاصي، ولا ينجيك غدًا من النار، فإذا لم تجتهد اليوم في العمل، لتقولن يوم القيامة: ارجعنا نعمل صالحًا، فيقال لك: يا هذا، من هناك جئت؟ ولقد كانت وصايا الصالحين دائمًا بالعمل لا بالكلام، لأن الله- سبحانه- جعل الكلام بدون عمل جريمة، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ (الصف: 2-3)، والعمل دائمًا يحتاج إلى جرعات من الصبر، ودفعات من العزيمة، وقدرات من الكفاح، وهذا شيء لا يستغني عنه عامل، ولا يتجرد منه فالح.
فأهل التقوى لا بد لهم من الصبر؛ لأنهم يجمعون بين أفضل العبادات، وأحسن الطاعات، فلا بد لهم من شيئين: طاعته بفعل المأمور، وترك المحظور، وصبره على ما يصيبه من القضاء المقدور، فالأول هو التقوى، والثاني هو الصبر، والصبر على أنواع كثيرة:
1- صبر على أوامر الله.
2- صبر على النوازل.
3- الصبر على الماضي.
4- الصبر على المتوقع.
5- الصبر في طريق الدعوات، وهو من أشق التكاليف وأشدها وأقواها، لأن الداعية لا بد له- فوق ما يحتاج غيره مما سبق- من صبر على تكاليف الدعوة، وطريقها طويل وشاق، لا يستطيعه إلا أولو العزم، لأنه حافل بالعقبات والأشواك، مفروش بالدماء والأشلاء، مغطى بالإيذاء والابتلاء، مملوء بالفتن والمحن، وهذه سنة الدعوات، ورغم هذا يسير موكب الخالدين، ويتقدم طابور الدعاة الموغل في القدم، الضارب في شعاب الزمن، ماضٍ في الطريق الوعر، يكتسح العقبات، ويقهر الصعاب، مستقيم الخطى، ثابت الأقدام، يطأ في طريقه المجرمين والمفسدين برغم الأذى والمحن والابتلاء، لا ينثني، ولا ينحني، ولا يحيد، وصدق الله: ﴿وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (النساء: 104)، ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ (آل عمران: 140)، ومهما طال الزمن، ومهما طال الطريق، فإن نصر الله دائمًا في نهاية الطريق، وصدق الله: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ (الأنعام: 34).
وعند هذه الآية يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله: «كلمات يقولها الله- سبحانه- للذكرى وللتسرية، وللمواساة والتأسية، وترسم للدعاة بعد رسول الله – صلى الله عليه وسلم- طريقهم واضحًا، ودورهم محدودًا، كما ترسم لهم متاعب الطريق وعقباته، ثم ما ينتظرهم بعد ذلك كله في نهاية الطريق، إنها تعلمهم أن سنة الله في الدعوات واحدة، كما أنها وحدة لا تتجزأ... دعوات تتلقاها الكثرة بالتكذيب، وتتلقى أصحابها بالأذى، وصبر من الدعاة على التكذيب وعلى الأذى، وسنة تجري بالنصر في النهاية بعد التمحيص والصبر، ولكنها تجيء في موعدها، لا يعجلها عن هذا الموعد أن الدعاة والأبرياء والطيبين المخلصين يتلقون الأذى والتكذيب، فإن الله لا يعجل لعجلة أحد من خلقه، ولا مبدل لكلماته سواء تعلقت هذه الكلمات بالنصر المحتوم، أو تعلقت بالأمل المرسوم».
نعم، أراد الحق سبحانه أن يرى قوة العزائم، ويختبر قوة اليقين، الذي سيرفع الدعوات، ويرسي قواعد الصروح التي ستحمل المناهج؛ لأن منهج الله ليس أي منهج، ولا دعوته أي دعوة، ولا رجاله أي رجال، ولا أعباءهم أي أعباء، ولا طريقهم أي طريق، وإنما هم رجال إنقاذ، وعقول إبداع، وصناع حضارات، وبناة أمم، ورواد شعوب، وأمثال هؤلاء قمم تحتاج إلى إعداد، وكوادر تتطلب تدريبًا، وعزائم تنهد إلى الصدق، فلا بد من أن يصاغوا صياغة إلهية، وأن يربوا تربية ربانية، وهذا له مقاييس معينة، قد تجدها في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (العنكبوت: 69) وفي غيرها من الآيات، ولكن من يستطيع اليوم أن يتحمل وعورة الطريق، وثقل التبعة، ويتسلح بالعلم والعمل والصبر والكفاح؛ حتى يكون من الفالحين.
أقول: من أراد أن يكون من أصحاب الدعوات وطلائع النهضات، فهذا هو الطريق.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل