العنوان لغز الأطلسي في البلقان
الكاتب أحمد الأديب
تاريخ النشر الثلاثاء 08-يونيو-1999
مشاهدات 81
نشر في العدد 1353
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 08-يونيو-1999
الحلف بزعامته الأمريكية الطاغية.. هل يتصرف بحماقة أم وفق مخطط غير معلن!
لماذا حجبت أمريكا صور الأقمار الصناعية عن حلفائها الأوروبيين في بداية الأزمة..!
الثابت أن الأمريكيين لا يتحركون لاستقرار البلقان بقدر استقرارهم «هم» في المنطقة..
أليس من المثير ما يتردد بصورة مفاجئة في واشنطن عن الرغبة في انضمام ألبانيا ومقدونيا للأطلسي؟
كيف تحول التفاهم الروسي الأمريكي على حساب الأوروبيين إلى مساع أوروبية للحفاظ على حيوية الدور الروسي ضد الهيمنة الأمريكية ؟
ألغاز عسكرية.. حصيلة الحرب بعد أكثر من شهرين متواضعة.. فالدفاع الجوي والآلية الأرضية الصربية مازالت في وضع جيد
بعد ٦٠ يومًا من بداية القصف تم تشريد مليون مسلم من كوسوفا وهو رقم يعادل ما تم تشريده في ٨١ عامًا
الهوية الإسلامية المميزة للبلقان ظلت هاجس الأوروبيين منذ قرون وعنصرًا مهمًّا في تحديد مواقفهم من الأحداث
المليارات التي أنفقت في عمليات القصف تصب لصالح شركات السلاح الأمريكية وعمليات إعادة البناء بعد انتهاء الحرب ستكون مجال التنافس بين الشركات الأمريكية والأوروبية
كان الهدف الرسمي المعلن للحرب الجوية الأطلسية ضد يوغوسلافيا، وقف مسلسل الاضطهاد لشعب كوسوفا المسلم.. ولكن تكهنات لا حصر لها تسيطر على ما ينشر من تحليلات عن حلف شمال الأطلسي ومصيره، والزعامة الأمريكية ومستقبلها، والعلاقة بين موسكو والغرب، ومخططات دمج منطقة البلقان بأوروبا والخلافات الأمريكية - الأوروبية وقليلًا ما يذكر مسلمو كوسوفا، وإن ذكروا فمع توقع أن مصيرهم هو التشريد زمنًا طويلًا فأين بقي إذن الهدف الرسمي للحلف وأين موقع مسلمي كوسوفا ومسلمي البلقان من الحرب؟ ثم هل يمكن أن تنتهي الأحداث في البلقان، دون أن يكون لذلك تأثير على المسلمين عمومًا، وليس في البلقان فقط؟!..
لم تضع الحرب في البلقان أوزارها بعد وليس من السهل استشراف نتائج مستقبلية للأحداث الجارية، ولكن الحرب الجوية الأطلسية ضد يوغوسلافيا ليست حدثًا قائمًا بذاته، ولا يحتاج تقويمها إلى انتظار نتائجها النهائية، بل إلى ربط ما تبين منها بأرضيته التاريخية وأرضية الظروف الدولية الراهنة، وجميع ذلك معروف فهو عبارة عن وقائع تاريخية ثابتة وتطورات معاصرة مشهودة، ثم استشراف النتائج المستقبلية ما أمكن.
ومكانة البلقان في أوروبا مكانة غير عادية، فقد كانت منذ عصر الإسكندر المقدوني قبل ٢٤ قرنًا مرورًا بمعركة العثمانيين الفاصلة ضد الصرب على أرض كوسوفا الألبانية قبل ستة قرون، وحتى حروب القرن الميلادي العشرين على أرضها كانت بمثابة مفتاح عسكري وسياسي وحضاري لتطورات مفصلية حاسمة في التاريخ الأوروبي، هذا الدور التاريخي للبلقان قد يبدو لغزًا لا نجد له تعليلًا منطقيًّا، ولكنه يشكل على أي حال عنصرًا رئيسًا في تفسير الأوروبيين للأحداث!..
ومن الثابت أيضًا أنه قبل وصول العثمانيين إلى البلقان بزهاء قرنين على الأقل كان قد وصل إليها الإسلام مع المهاجرين من أواسط آسيا، فأصبح عقيدة كثير من الألبان والبوشناق ما بين بودابست شمالًا التي وصل إليها التتار المسلمون من الشرق، وبين البحر الأدرياتيكي جنوبًا، ثم مع وصول العثمانيين كانت الموجة الثانية الأكبر لانتشار الإسلام، فأصبحت البلقان في هذه الأثناء مركز أكبر تجمع بشري إسلامي في أوروبا به زهاء ۱۲ إلى ١٥ مليون مسلم، بين البحر الأسود والبحر الأدرياتيكي من أصل ٣٥ مليون مسلم في أوروبا ما بين المحيط الأطلسي ونهر الفولجا.
هذه الهوية الإسلامية المميزة للبلقان، هي هاجس الأوروبيين منذ قرون، وهي عنصر رئيس في تحديد مواقفهم من الأحداث، وبين هذين العنصرين التاريخيين كانت المنطقة ساحة رئيسة للالتقاء والتعايش أو الصدام والاقتتال، على حسب مواقف الأوروبيين وممارستهم الفعلية لما يعلنونه من تسامح ديني وسقوطهم أو سقوط بعضهم على الأقل - في حمأة التعصب إلى درجة دموية أحيانًا، ويكفي لبيان خصوصية البلقان الإشارة إلى أن أوروبا تضم أكثر من ۲۰۰ طائفة عرقية ودينية وقومية ولغوية على أرض لا تتجاوز مساحتها مساحة شبه الجزيرة العربية، ولكن حتى في أيرلندا الشمالية ومنطقة الباسك، لم تصل الأمور إلى صدامات دموية، من نوعية ما يجري في البلقان على امتداد القرن الحالي، ولا سجلت من وحشية الإجرام مثل ما أصاب المسلمين في البلقان وأدخل على القاموس السياسي مصطلحات جديدة من قبيل التطهير العرقي، وسلاح الاغتصاب الجماعي المنظم وغير ذلك مما يندى له جبين البشرية، ويذكر بالقرون الوسطى الأوروبية ومحاكم التفتيش بعد سقوط الأندلس وانسياح رعاة البقر من الأصل الأوروبي في القارة الأمريكية على جثث الهنود الحمر، وفي القارتين الإفريقية والآسيوية استعمارًا واستغلالًا لا يزالان مستمرين إلى اليوم بصور حديثة متطورة.
اللغز العسكري
إن أرضية قرار الحرب والسلام عند الأوروبيين هذه الأيام، قائمة على هذا البعد التاريخي، الذي يلعب بالتالي دوره في مجرى الحرب الراهنة التي تثير حصيلتها بعد أكثر من شهرين على اندلاعها الألغاز أيضًا.. مع ملاحظة أن المعلومات المنشورة من جانب الطرفين تحتاج إلى كثير من المقارنة والتدقيق قبل الجزم بصحة بعضها وإهمال بعضها الآخر.
الحصيلة عسكريًا وبإيجاز شديد.. هي كما قال القائد الأعلى للقوات الأطلسية ويسلي كلارك يوم 22/5/١٩٩٩م مع نهاية الشهرين الأولين من الحرب حصيلة متواضعة للغاية، فما زال الدفاع الجوي الصربي فعالًا، والقوات الآلية الأرضية في وضع جيدًا، ولكن ما لم يذكره كلارك أن جيش تحرير كوسوفا فقد أثناء القصف الجوي غالبية مواقعه العسكرية في أرضه، والتي اكتسبها خلال عمليات التحرير الدفاعية في أربع سنوات مضت حتى أصبح مستقبل جيش التحرير بعد الحرب رهنًا بما يقرره الأطلسي له والقرار جاهز، وهو تجريده من السلاح، وفق أحد بنود الاتفاق المقرر على مستوى الدول الثماني، وكأساس للبحث عن حل سلمي يعتمد فيما يعتمد على الحيلولة دون استقلال كوسوفا بأي شكل من الأشكال، ويتصل بهذه الحصيلة العسكرية إنفاق المليارات في عمليات القصف، وهو ما تستبشر به صناعة السلاح الأمريكية في الدرجة الأولى.
أما الحصيلة اقتصاديًّا فهي دمار البنية التحتية والبيئة الطبيعية في يوغوسلافيا، وهذا أيضًا مما تستبشر به الشركات والمصارف المالية الغربية.. وسيتنافس عليه الأوروبيون والأمريكيون قطعًا!...
ثم تأتي الحصيلة إنسانيًّا وتتمثل في سقوط المئات من الصرب والآلاف من المسلمين بين قتلى وجرحى وتشريد زهاء مليون مسلم خلال ٦٠ يومًا، وهو رقم يعادل مليونًا آخرين سبق أن شردهم الصرب والكروات في عهد تيتو، ولكن على امتداد ۸۱ عاماً مضت على اغتصاب كوسوفا..
أمام هذه الحصيلة يقول كثير من المحللين الغربيين مثلما قال وزير الخارجية الأسبق هنري کیسينجر في مجلة نيوزويك الأمريكية مؤخرًا: إن حلف شمال الأطلسي تصرف بحماقة بالغة في هذه الحرب، ولكن يصعب التسليم بهذا التفسير هكذا ببساطة.
فالحلف الذي يملك أحدث التجهيزات العسكرية والأسلحة الفتاكة والقدرات الكافية لتدمير الكوكب الأرضي مرات عديدة، يتميز علاوة على ذلك بأنه يتخذ القرار، ويضع المخططات العسكرية، ويراقب تنفيذها خطوة خطوة، ويقومها ويعدلها حسب الحاجة، اعتمادًا على أجهزة تضم خبراء ومتخصصين من أعلى المستويات، ويستعين بمراكز ومعاهد تتوافر لها سائر المعطيات للوصول إلى نتائج صحيحة أو أقرب ما يكون إلى الصحة، أبعد ذلك يقال إن الحلف تصرف بحماقة.
الحماقة المقصودة عند من يقول بها هي ما يستنتج مثلًا من أن الحلف خاض حربًا جوية لتحقيق هدف يستحيل تحقيقه دون حرب برية فهل هي حماقة فعلًا، أم أن الهدف الحقيقي لا يتطابق مع الهدف الرسمي المعلن نحن نميل إلى الأخذ بالتفسير الثاني، فهو يزيل كثيرًا من الملابسات والتساؤلات التي تحيط بتصرفات عسكرية أطلسية عديدة أخرى، تبدو للوهلة الأولى ألغازًا عويصة، ويكفي التنويه بواحد منها، وهو ما يتصل بمسألة القوات البرية حيث يؤكد المسؤولون مرة بعد أخرى منذ بداية الحرب استحالة، إرسال قوات برية إلى ساحة القتال فمن أبسط القواعد العسكرية عدم بيان النوايا والخطط للطرف العدو، وكان المنتظر من حنكة قادة الحلف العسكريين حشد القوات على الحدود من قبيل التخويف، وإن لم تستخدم إلا إذا كان المقصود هو أن يتصرف الطرف العدو وفق ما يتم إعلانه، فكأن قادة الأطلسي بإعلان استحالة الغزو البري يقولون لمجرم الحرب الصربي إن باستطاعته التحرك بقواته في كوسوفا كما يشاء، فالقوات البرية الأطلسية لن تدخل لمواجهته، كما أن الخوف من الخسائر يجعل المقاتلات الأطلسية تحلق على ارتفاعات شاهقة، خارج مدى شبكة الدفاع الجوي اليوغوسلافية من جهة، ومن جهة أخرى خارج مدى إصابة تلك الطائرات لأهداف من قبيل الدبابات والمصفحات في أرض كوسوفا، فتحرك ميلوسوفيتش بقواته البرية فعلًا وصنع ما صنع في كوسوفا، تقتيلًا وتدميرًا وتشريدًا، ثم زعم قادة الحلف بكل بساطة أنهم فوجئوا بذلك.
فهل كان حلف شمال الأطلسي يتصرف بحماقة وغباء فعلًا، أم كان يتصرف وفق مخطط يختلف بأغراضه عن الصيغة الرسمية المعلنة، أليس الأرجح هو أن الغرض العسكري الأطلسي الأمريكي كان من البداية خوض الحرب على مرحلتين، تمكن الأولى منهما الصرب من تفريغ كوسوفا من سكانها المسلمين، ومن كسر شوكة جيش التحرير فيها لتطويعه أمريكيا من بعد ، ثم تمضي المرحلة الثانية لتحقيق أغراض يختلف الأمريكيون فيها عن حلفائهم الأوروبيين.
قد يعزز ذلك أن صور الأقمار الصناعية الأمريكية التابعة للحلف، والتي تعرض الجانب المأساوي في كوسوفا، بقيت في المرحلة الأولى محظورة على الجناح الأوروبي، لتبقى بالتالي محظورة على الرأي العام تجنبًا لثورته، حتى احتجت ألمانيا وفرنسا علنا وأعلنتا العزم على التحرر بمشروع جديد لإطلاق قمر صناعي مشترك في المستقبل القريب.
نزاعات أطلسية مستمرة
شهدت الساحة الدولية في الشريط الشمالي من الكرة الأرضية تحولًا في محاور العلاقات الغربية - الروسية، من تفاهم روسي - أمريكي على حساب الأوروبيين، ولتطويعهم للزعامة الأطلسية الأمريكية إلى مساع أوروبية حثيثة للاستبقاء على الدور الروسي أوروبيًّا وعالميًّا لموازنة الهيمنة الأمريكية المتضخمة مع ما بات يتردد بشأن الدولة العظمى الوحيدة والقوة الكبرى عسكريًا بلا منازع.
والتحول المذكور في المحاور هو العنصر الأوضح سواء في التعامل مع الحرب الجوية الأطلسية في البلقان، والذي يبين كيف تستخدم المنطقة ساحة لصراع قديم على نفوذ جديد، وعلى الزعامة المستقبلية لنظام دولي يجري بناء دعائمه الآن في المرحلة الانتقالية التالية لحقبة الحرب الباردة، ويعلم الأوروبيون أن إمساك واشنطن بزمام صناعة القرار السياسي والعسكري في البلقان، يعني الإمساك بسيف مصلت على الأمن الأوروبي نفسه، وعلى أرضية العلاقات المستقبلية الروسية - الأوروبية في وقت واحد، ولا يستغرب في هذا الإطار توقيت القرار بالشروع في الحرب الجوية الراهنة، قبيل انعقاد قمة واشنطن الأطلسية بفترة وجيزة هذا مع ملاحظة:
1. أن القادة العسكريين الأمريكيين في الأطلسي كرروا مرارًا قبيل الحرب أنها ستكون قصيرة الأجل..
2- وهم أنفسهم الذين انتقلوا خلال أيام بعد بدء الغارات إلى الحديث عن حرب طويلة الأمد..
وكان الموقف الأول من وسائل دفع الأوروبيين إلى الموافقة على قرار الحرب ليصدر بالإجماع وهم يعلمون أن الحرب الطويلة الأمد تستنزفهم أكثر من الأمريكيين، بينما كان استمرار الحرب أثناء انعقاد قمة واشنطن الأطلسية يخدم المصالح الأمريكية، فقد جعل القمة تنعقد في أجواء تمنع الدول الأوروبية من الظهور بمظهر من يخرق تماسك الحلف، وهو ما ساهم في الموافقة الأوروبية على نقاط عديدة لم ينقطع من قبل الخلاف حولها بين الجناحين الأمريكي والأوروبي، وأبرزها:
1 - صيغة الضربة النووية الأولى.. التي تعتبر استفزازًا أطلسيًا للروس بصورة خاصة.. وهو ما ينعكس سلبًا على علاقاتهم مع الأوروبيين في الدرجة الأولى.
2- توسیع صلاحيات الحلف نوعيًّا من حيث المهام المستقبلية، بما يتجاوز الأمم المتحدة وهو ما لا يريده الأوروبيون خشية من جرهم أطلسيًّا إلى مغامرات عسكرية لا قبل لهم بها.
3- توسيع صلاحيات الحلف جغرافيًّا ليصبح أداة عسكرية لقمع من يتحدى المصالح العالمية لأعضائه، وهو تعبير فضفاض مطاط يشمل مطامع الهيمنة أكثر من أي حقوق دولية متبادلة، ويتحول الحلف بذلك إلى منظمة إقليمية تريد احتکار قرار الحرب والسلام عالميًّا، وهو في ظل خلل موازين القوى داخل الأطلسي، يؤدي إلى خلل موازين التنافس الاقتصادي والمالي بين تلك القوى نفسها خارج نطاق الأطلسي.
4- تم توزيع صلاحيات القيادات العسكرية الأطلسية في أوروبا، دون تعديل الخلل القديم لحساب الأمريكيين.. وهو أحد المداخل الرئيسة لرفض أن يكون للأوروبيين تميز إلا على أساس زيادة قسطهم المالي والعسكري في الحلف نفسه.
وتحرك الأوروبيون تحركًا مضادًا بعد القمة أي بعد انقضاء الحاجة إلى تأكيد تماسك الحلف، وبعد تصاعد اعتراضات الرأي العام الأوروبي وانعكس هذا التحرك في إعادة موسكو والأمم المتحدة إلى الميدان، لا بسبب التزام أوروبي بمجلس الأمن الدولي أكثر من الأمريكيين، فلطالما خاضت الدول الأوروبية حروبًا عدوانية، لا تختلف كما ونوعًا عما صنعه الأمريكيون كذلك لم يتحرك الأوروبيون على هذا النحو حبًا في موسكو، التي لم تستقر إلى الآن إنما كان تحركهم لإيجاد ثقل يوازن ثقل الهيمنة الأمريكية الجامحة في سياسة الأمن الأوروبي، واقترن البحث عن السلام أوروبيًّا بمبادرة مستقبلية لدمج البلقان في الاتحاد الأوروبي، اندماجاً يمنع استخدام نزاعاته على حساب أمن القارة ومن المثير هنا أن يتردد بالمقابل وبصورة مفاجئة الحديث في واشنطن عن الرغبة في انضمام ألبانيا ومقدونيا إلى الحلف قريبًا، بينما كانت واشنطن أشد المعارضين لتوسعة الأطلسي بضم بلدان لم يرتفع مستواها الاقتصادي والعسكري إلى درجة تؤهلها للانضمام.
الثابت في الوقت الحاضر على أي حال أن الأمريكيين لا يتحركون لاستقرار أوضاع البلقان قدر ما يتحركون لاستقرارهم هم عسكريًّا وماليًّا واقتصاديًّا وسياسيًا في البلقان، ويعزز ذلك ما يمارسه الأمريكيون من سياسة نصب العراقيل في وجه جهود الأوروبيين لحل سلمي، وهو ما بدأ بتأجيل موافقتهم على عقد لقاء الدول الثماني حتى اللحظة الأخيرة، واستمر إلى الآن فبعد أن وصلت الجهود الروسية والأوروبية إلى مستوى التفاوض الجاد مع ميلوسوفيتش، وتبين أن صيغة الحل المنتظرة لن ترضي الأمريكيين إذا بمحكمة جرائم الحرب في البلقان تتحرك فجأة اعتمادًا على وثائق قدمها الأمريكيون، لتوجيه الاتهام وإصدار أمر اعتقال بحق ميلوسوفيتش، هذا مع أن الضغوط الأمريكية نفسها هي التي حولته من مجرم حرب في البوسنة والهرسك إلى حمامة سلام في دايتون ولم تأبه واشنطن آنذاك، ولا الآن بما يعنيه الامتناع عن توجيه الاتهام ثم توقيت توجيهه المفاجئ الآن، من حيث زعزعة أركان الثقة بمصداقية المحكمة الدولية نفسها وحقيقة استقلاليتها!..
وعند التأمل في زيادة إلحاح الأوروبيين على رغبتهم في التميز الأمني، وهو ما ظهر في التقارب الفرنسي- البريطاني على هذا الصعيد منذ مطلع العام الميلادي الجاري، وظهر مجددًا الآن في آخر قمة ألمانية - فرنسية تنعقد أثناء الحرب وعند التأمل في حجم التناقضات المذكورة بين الأمريكيين والأوروبيين، يمكن القول إن الحرب الأطلسية في البلقان ستضاعف من الخلافات بين الجناحين وستهدد الحلف نفسه بالانهيار.. على المدى البعيد.
«العدو البديل»... في البلقان
في البلقان وصلت واشنطن على ظهر الأطلسي إلى أهداف عديدة، منها إن لم يكن أهمها هو منع قيام كيان مستقل للمسلمين استقلالًا كاملًا بمعطيات سياسية واقتصادية وعسكرية كافية، ليلعب دورًا مؤثرًا في المنطقة وهو ما تحقق عبر اتفاق دايتون ويستكمل في الوقت الحاضر، جنبًا إلى جنب مع ربط أوضاع البوسنة والهرسك، وأوضاع ألبانيا بالقوى الدولية، لا سيما الولايات المتحدة، كما يؤخذ من الاتفاقات السياسية العسكرية العديدة، ومن طرح العضوية في الحلف بالنسبة إلى ألبانيا ومقدونيا.
ومع عدم إغفال أن تحجيم المسلمين في البلقان هدف يتلاقى عليه الأمريكيون والروس والأوروبيون والصرب والكروات على السواء، يبقى أن القسط الأكبر مما يجري تنفيذه على حساب المستقبل السياسي للمسلمين هو من صنع واشنطن، وأبرز محطاته:
عندما تدخلت لإيجاد كيان مشترك للمسلمين مع الكروات يمنع الاستقلال البوسني الناجز..
وعندما تدخلت في دايتون فثبتت للصرب وضعًا يربط المسلمين والكروات بالقيود والشروط الأمريكية.
ثم عندما تدخلت أطلسيًّا الآن لتضاعف من الأخطار على المسلمين في كوسوفا والسنجق.
وعندما انعقدت اتفاقية دايتون كان من التساؤلات التي بقيت دون جواب علام أسقط الأمريكيون في المفاوضات التي أملوا فيها ما يريدون على الأطراف البلقانية الثلاثة، مسألة كوسوفا والسنجق من جدول الأعمال، مع أنها كانت على الدوام نقطة ثابتة في جداول أعمال سائر المؤتمرات السابقة؟
الجواب واضح للعيان الآن.. ويزداد وضوحًا عندما نستحضر ما سبقت الإشارة إليه، أن الخلاف بين أقطاب الأطلسي وبينهم وبين موسكو، لم يكن قط على مسألة «تحجيم الوجود الإسلامي في البلقان وتقييده»..
1. فقد شارك الجميع في التواطؤ الدولي مع الصرب حتى بلغوا من ذلك أقصى ما يمكن أن يبلغوه عبر القوة العسكرية المحضة في عصر يزعم أقطاب الشمال فيه نهاية الحروب وصراع الأيديولوجيات وسيادة الأمن والسلام والانفراج والوفاق، بل وعبر ارتكاب أبشع ما عرفته الإنسانية من جرائم حربية وحشية في عصر العولمة المزعومة لحقوق الإنسان.
٢- كما شارك الجميع أيضًا في التواطؤ الدولي ليكون الكروات والصرب معًا بمثابة حجري الطاحون في التعامل مع كيان البوسنة والهرسك.
3- كذلك فقد كان استثناء ألبانيا وسائر ألبان البلقان من كل دعم مالي واقتصادي قدمه الغربيون بسخاء لمن نزع رداء الشيوعية عن منكبيه، سياسة مشتركة بين الدول الغربية
٤. ولا تصل إلى مستوى التكهن عندما نستكمل القائمة ونقول إن الأطراف المعنية تلاقت الآن، عبر سياسة رفض استقلال كوسوفا بأي حال من الأحوال على متابعة طريقها المشترك لتحجيم الوجود الإسلامي في البلقان وتقييده وإن أدت الحرب في الوقت نفسه إلى افتراق الحلفاء الأطلسيين في مجالات أخرى.
وليس في ذلك توجيه اتهامات للغرب وذراعه الأطلسية العسكرية وزعامته الأمريكية السياسية فما يصنعه الغرب علنًا يكفي للبرهان على عدوانيته، ولا نحتاج إلى إضافة اتهامات قائمة على التكهنات، ولكن من أغرب ما نرصده في الوقت الحاضر بهذا الصدد، أن في الغرب أقلاماً تتهم دوله، وتتهم حلف شمال الأطلسي، وعلى وجه التحديد زعامته الأمريكية بأنها تلحق الضرر بالمسلمين في البلقان، في البوسنة والهرسك من قبل، والآن في كوسوفا وتلحق الضرر بالمسلمين في مختلف مناطقهم وعلى صعيد مختلف قضاياهم... ثم نرصد في الوقت نفسه أن في بلادنا بالمقابل أقلامًا تتهم من يقول عن الغرب شيئاً من هذا القبيل بالتحامل والتجني، والانطلاق من فكر المؤامرة، وما شابه ذلك.
وهل يفيد إحسان الظن شيئًا عند النظر في أوضاع المشردين البوسنيين الآن بعد مضي أربعة أعوام ونيف على سلام دايتون الأمريكي، ومع وجود قوات دولية بقرار من مجلس الأمن الدولي، ومع التكليف الرسمي بإعادة المشردين وبإلقاء القبض على مجرمي الحرب الذين تسببوا في تشريدهم، فضلًا عن جرائم أخرى علام إذن لم يعد سوى ثلث المشردين خارج البلاد حتى الآن، ولماذا لم يعد سوى 5% من المشردين داخل الحدود إلى مواطنهم وقراهم وبيوتهم، وإذا كان هذا حال الوعد بإعادة المشردين البوسنيين، مع كل تلك المعطيات الدولية والعسكرية والسياسية فكيف سيكون مصير الوعد الأطلسي بشأن المشردين عن كوسوفا وسط معطيات لا يخفى على أحد أنها أشد تعقيدًا وصعوبة؟ من أين يأتي إحسان الظن بأن يكون نصيب الكوسوفيين المسلمين من الوعود الغربية وقرارات ما يسمى الأسرة الدولية - أي أقطاب الشمال - أفضل من نصيب البوشناق المسلمين في البوسنة والهرسك؟!..
«العدو البديل».. بعد البلقان
يجب التخلي عن مفعول فكر المؤامرة.. هذا صحيح، وعن الخلط بين الوقائع والتكهنات.. وهذا صحيح أيضًا، ولكن إحسان الظن عند فريق من المسلمين أو التظاهر بإحسان الظن عند فريق له منطلقاته ومقاصده لا ينبغي أن يصل إلى درجة البساطة السياسية، فليس لذلك مكان في عالم السياسة الواقعية المعاصرة ولهذا أيضًا يجب تسمية الأمور بأسمائها، ورؤية ما يجري في البلقان ضمن إطارين الإطار الدولي الشامل، وإطار المساعي الأمريكية الدائمة دون انقطاع لوضع شعار «الإسلام عدو بديل» موضع التنفيذ العملي، وإن غاب ذكره اللفظي عن التصريحات والمواقف الرسمية لتجنب ردود الفعل الحماسية والوجدانية عند المسلمين.
ولقد طرح هذا الشعار عام ١٩٩٠م في ندوة ميونيخ الأمنية الدولية..
ثم دخل مضمونه في تعديل صياغة حلف شمال الأطلسي في قمة روما عام ١٩٩١م..
ثم صدر القرار بتعديل البنية الهيكلية العسكرية للحلف لتوجيه رأس حريته جنوبًا بعد أن كانت متجهة شرقًا وذلك في قمة بروكسل عام ١٩٩٤م..
ثم تشكلت أكثر من فرقة للتدخل السريع مع بيان أن المقصود هو المنطقة الإسلامية التي أعطاها زعماء الحلف وصف «هلال الأزمات».
ثم كان «جس النبض» في القصف الصاروخي الأمريكي لأفغانستان والسودان..
وتأتي الآن مأساة تشريد أهل كوسوفا, وترافقها صياغة المهام الجديدة للحلف في وثيقة قمته الأخيرة في واشنطن، لوضع «عناوين» مناسبة من قبيل مكافحة الإرهاب الدولي، وحظر نشر أسلحة الدمار الشامل، وتأمين طرق نقل المواد الحيوية تجاريًا..
جميع هذه الخطوات المتعاقبة – ويوجد سواها كثير مما رافقها - يؤكد أن السؤال المطروح لم يعد هل سيستخدم الحلف أداة عسكرية لتحقيق أهداف وغايات غربية على حساب المسلمين في بلادهم.. وإنما أصبح السؤال «كيف ومتى» فحسب.. وهنا يأتي الخلاف بين أقطاب الحلف على الكيفية، وليس على الهدف الذي سبق تثبيته بصورة مشتركة وما يجري في منطقة البلقان بمواصفاتها المتميزة وموقعها الجغرافي لا ينفصل عن ذلك الإطار الأبعد مدى للتعامل مع المسلمين عمومًا والآن فقط تكشف بعض الجهات الروسية متأخرة أربع سنوات على الأقل عما وصفته مصادر صحفية بوثيقة أمريكية من عام ١٩٩٤م، بشأن عزم واشنطن البقاء عسكريًا في البلقان وتشير إلى شواهد تعزز صحة هذا القول كاتفاقية الوجود العسكري لأمد طويل في مدينة توزلا البوسنية، ولكن هل يحتاج الأمر إلى الكشف عن وثائق سرية؟!
إن وجود القوات بصورة مباشرة شكل من الأشكال العسكرية التنفيذية، ويمكن الأخذ بسواء أو الأخذ به مع سواه، ولكن الأهم من ذلك هو السؤال ما إذا كان الأمريكيون يريدون في سياستهم الأطلسية، استخدام منطقة البلقان ركيزة موجهة لتحقيق أهدافهم تجاه الروس في شرق البلقان، أو الأوروبيين في غربها، كما يتردد في غالبية التحليلات أم أن الغرض هو استخدام منطقة البلقان قاعدة عسكرية متقدمة لتنفيذ أهداف أطلسية مستقبلية تجاه المنطقة الإسلامية وما الذي يمنع وجود مزيج من هذه الأهداف الثلاثة، وهو الأرجح عند التأمل فيما نشب وينشب من نزاعات بين العواصم الأوروبية والروسية والأمريكية على هامش الحرب الجوية الجارية ضد بوغوسلافيا؟..
ويكمن الخطر في التوجه الأطلسي وفق إرادة الهيمنة الأمريكية، وفي نصوص الوثائق التي اعتمدها الحلف في أعوام ٩١ و ٩٤ و ٩٩م، وما جرى خلال ذلك من تطوير للبنية الهيكلية العسكرية، ومن إعداد لقوات تدخل سريع، ومن تصريح بحقيقة استهداف المنطقة الإسلامية بالذات، وعلى سبيل المثال لا الحصر يمكن التذكير بما يلي:
1. السياسة الرسمية المتبعة لمنع تسلح أي بلد إسلامي بسلاح رادع على مستوى يكفي لمنع عدوان خارجي عليه، وهو ما اتخذ صفة احتكار أسلحة الدمار الشامل والأسلحة المتطورة، حتى وصفته جريدة جارديان البريطانية بتعبير العنصر الأبيض تحت السلاح، وبالمقابل حددت وزيرة الخارجية الأمريكية أولبرايت غايته بتصريحها يوم4/2/1998م عن الحلف أنه قوة من أجل السلام ما بين الشرق الأوسط وأمريكا الوسطى.
2- وثيقة أطلسية - إسبانية كشف عنها النقاب في صحيفة لموندوه الإسبانية في 4/12/97م وتحدد بصورة مباشرة ما يجب أن تضطلع به إسبانيا من مهام عسكرية بما فيها ضمان إنزال عسكري بري في منطقة الشمال الإفريقي، ثم بعد فترة وجيزة تشكلت قوة تدخل سريع رباعية من فرنسا وإسبانيا وإيطاليا والبرتغال هدفها الرسمي مواجهة الأزمات المحتملة في الشمال الإفريقي
3- قرار الحكومة الأمريكية في فبراير عام ١٩٩٦م الذي كشفت عنه معاهد غربية في عام ۱۹۹۸م، بصدد تطوير تدريب الجنود الأمريكيين بما يشمل استخدام السلاح النووي عند الحاجة في مكافحة الإرهاب الدولي ومن أراد معرفة الدول المستهدفة بذلك فعليه بالتقرير السنوي الوزارة الخارجية الأمريكية وقائمة المتهمين بالإرهاب وفق المقاييس المصلحية الأمريكية.
4-محتوى الوثيقة الأطلسية الجديدة الصادرة عن قمة واشنطن وهي تحدد دواعي التدخل الأطلسي في مثل مكافحة الإرهاب، ودفع الخطر عن خطوط نقل المواد الحيوية، وحظر نشر أسلحة الدمار الشامل فضلا عن مواجهة الأزمات الناشبة عن أسباب دينية أو عرقية أو اجتماعية أو سوى ذلك وجميع ذلك مما يمس البلدان الإسلامية مباشرة، نتيجة واقع قائم، أو واقع يمكن اصطناعه، وما قضية الأكراد عن أنظارنا ببعيد، ولا المزاعم عن اضطهاد أقباط مصر مجهولة.
قد يسقط الأطلسي قد ينهار خارجيًّا تحت تأثير خلافاته الداخلية، وقد يجد نفسه في مواجهة قطب جديد ينتصب على الأرض الآسيوية، وقد يعجز عن جمع كلمته على خوض حرب أخرى خارج حدود مجاله الجغرافي، ومع ذلك يبقى ذلك كله رهنًا بالمستقبل، ويبقى احتماله ضعيفًا حتى الآن، فمازال حجم التفاوت الكبير في الطاقة العسكرية والتقنية بين الأمريكيين والأوربيين، يفرض أن يستغرق التميز الأوروبي زمنًا طويلًا قد يتجاوز حدود المستقبل المنظور، ومازال ظهور أقطاب جدد على المسرح الدولي يتطلب مخاضًا طويل الأمد، ومازال الخلاف داخل الحلف يحسم في غالب الأحوال لصالح الطرف الأمريكي الأقوى فيه وبالتالي لا بد مبدئيًا على الأقل من طرح السؤال: من يستطيع أن يجزم الآن, أين ستكون الخطوة الأطلسية التالية؟!