العنوان ذكاؤك العاطفي «٣».. أهميته - مكوناته - تشكله
الكاتب أ. د. سمير يونس
تاريخ النشر السبت 06-ديسمبر-2008
مشاهدات 62
نشر في العدد 1830
نشر في الصفحة 58
السبت 06-ديسمبر-2008
هل سمعت يومًا ما تلك المقولة: «علينا أن نستخدم عواطفنا بذكاء»؟
إن هذه العبارة توجز لنا أهمية الذكاء العاطفي.. وبمعنى آخر: لكي ينجح الواحد منا ينبغي أن يناغم ويوازن بين الشعور والفكر، أو بين القلب والعقل، ومن ثم يتعاونان، فيحسن إدارة التفكير واتخاذ القرارات، ويجنب نفسه الوقوع في الزلل، وتلك نتائج طبيعية لفهم مشاعر وعواطف الآخرين، والتصرف في ضوئها.
فللحياة العاطفية تأثيراتها، وبقدر ما يمتلك الفرد من مهارات الذكاء العاطفي يكون قادرًا على تحقيق النجاحات في حياته.
وثمة فوائد كثيرة يحققها الذكاء العاطفي لصاحبه، يمكن إيجازها فيما يلي:
أولًا: قدرة الشخص على فهم عواطفه:
فحجر الأساس للذكاء العاطفي هو أن يفهم الشخص مشاعره هو؛ لأن ذلك هو الطريق الصحيح للتحكم في الانفعالات، واتخاذ القرار الصحيح.
ثانيًا: القدرة على إدارة العواطف الذاتية:
وأقصد بإدارة العواطف الذاتية هنا: «التحكم فيها والسيطرة عليها»، وذلك يعطي الشخص حصانة من الوقوع في الشهوات العارضة، وتحقيق الاتزان العاطفي الذي يضمن استمراره في حياة مطمئنة مستقرة سعيدة.
فالشباب الذين يعيشون خارج القفص الذهبي، والفتيات اللائي لم يتزوجن.. هؤلاء جميعًا ليسوا سواء فمنهم من يتحكم في نزواته وشهواته العارضة ويلتزم بهدي الإسلام الذي أوجزه رسولنا الحبيب في قوله: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء».. ومنهم من يستسلم لشهواته ونزواته ولا يستطيع مقاومتها، وهذا الصنف من الناس لا يمتلك القدرة على إدارة عواطفه، ويقع فريسة لها، وما هي إلا لحيظات يقضي فيها شهوته في ثوان أو دقائق، ثم تورثه ندما وحسرة أعوامًا وأعمارًا!!!
ثالثًا: القدرة على التقمص الوجداني:
التقمُّص الوجداني يعني قدرة الفرد على فهم مشاعر الآخرين وإحسان التصرف في ضوئها، وتلك قدرة تمكن الفرد من كسب الآخرين، وتجنبه الصدام معهم، وتمنحه القدرة على احتوائهم اجتماعيًا.
وتحدثنا السنة المطهّرة عن مواقف متعددة تبين لنا كيف استخدم رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم تلك المهارة مع أصحابه الكرام رضي الله عنهم، ففي أثناء عودتهم من سفر لاحظ النبي صلى الله عليه وسلم تأخر سيدنا جابر بن عبد الله عن القافلة، وكانت دابته ضعيفة متعبة فتأخر النبي صلى الله عليه وسلم لأنه قرأ مشاعر سيدنا جابر وأراد أن يمنحه خصوصية في الحوار، ليخفف عنه ما يشعر به، وينقله من أجواء الحزن إلى أجواء السعادة والسرور.
وإليك - عزيزي القارئ - هذا الحوار الذي حدث في طريق عودة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام من غزوة «ذات الرقاع»، ولندع سيدنا جابر ابن عبد الله رضي الله عنه يقص علينا هذا الحوار:
عن جابر بن عبد الله قال: خرجت مع رسول الله ﷺ في غزوة «ذات الرقاع» مرتحلًا على جمل لي ضعيف، فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم.. جعلت الرفاق تمضي - أي تستبقني- وجعلت أتخلف عنهم، حتى أدركني رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال النبي ﷺ: «مالك يا جابر؟ لماذا أنت متخلف عن الركب؟» قلت: يا رسول الله أبطأ بي جملي هذا. قال: «فأنخه»، وأناخ رسول الله ﷺ جمله، وأنختُ جملي، ثم قال: «أعطني هذه العصا من يدك ففعلت فأخذها رسول الله ﷺ، فنخس بها الجمل نخسات «أي وخزه بها» ثم قال: «اركب»، فركبت، فانطلق جملي، والذي بعثه بالحق صار جملي يجاري ناقة رسول الله! قال: «أتبيعني جملك هذا يا جابر؟».
ثم يعلق سيدنا جابر على ذلك قائلًا: ما أدري لماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ذلك؟ قلت: يا رسول الله، بل أهبه لك، فقال ﷺ: «لا بل بِعْنيْهِ» قلتُ:
«فَسُمني به». قال: «أخذته بدرهم». قلت: لا، إذا يغبنني رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «فبدرهمين». قلت: لا. فلم يزل يرفع لي رسول الله صلى الله عليه وسلم الثمن حتى بلغ الأوقية فقلت: قد رضيت. قال ﷺ: «قد رضيت»؟ قلت: نعم، هو لك. ثم قال لي: «يا جابر هل تزوجت»؟ قلت: نعم يا رسول الله. قال: «أثيبًا أم بكرًا»؟ قلت: بل ثيبًا، قال: «أفلا تزوجت بكرًا تداعبها وتداعبك»؟ قلت: يا رسول الله، إن أبي أصيب يوم أحد- أي استشهد - وترك سبع بنات له، فتزوجت امرأة جامعة تجمع رؤوسهن، وتقوم عليهن، فقال: «قد أصبت إن شاء الله»، ثم وصل سيدنا جابر إلى بيته وأخبر امرأته بما جرى بينه وبين رسول الله، قالت: سمعًا وطاعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم - أي بع جملك لرسول صلى الله عليه وسلم - يقول سيدنا جابر: فلما أصبحت أخذت برأس الجمل، فأقبلت به حتى أنخْتُه على باب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم جلست في المسجد قريبًا منه، فخرج النبي ﷺ، فرأى الجمل، قال: «ما هذا»؟ قالوا: هذا جمل جاء به جابر، قال: «فأين جابر»؟ فدعيتُ له. فقال ﷺ: «تعال يا ابن أخي، خذ برأس جملك فهو لك»، ودعا بلالًا فقال: «اذهب بجابر وأعطه أوقية من الذهب»!!
فانظر -أخي القارئ- كيف كان رسولنا الرحيم يشعر بأصحابه، ويقرأ أحاسيسهم قراءة واعية، فيشاركهم تلك الأحاسيس، وذلك ما يسميه علماء النفس حديثًا بـ «التمقص الشعوري أو الوجداني أو العاطفي».. تأمل- أخي الكريم- كيف عامل النبي صلى الله عليه وسلم سيدنا جابر بن عبد الله، وكيف داعبه، وكيف أشعره بأن جمله هذا جمل ثمين وغال، وكيف واساه اجتماعيًا.
كفى المرء منا أن يسأله صديقه عن حاله وعياله، فكيف بمن يتفقده رسول الله ﷺ؟! ثم كيف سأله: «أتزوجت؟» وبعد أن أجابه يقول له: «هلا تزوجت بكرًا تداعبها وتداعبك؟»، فيشرح له جابر دوافع زواجه من زوجة خبيرة بالحياة وتربية الأولاد، فيقره ويقوي دعائم بيته كي يستقر ويسعد، ثم أنظر -أخي القارئ - كيف يَصْدق رسولُنا الصادق الأمين في مزاحه مع سيدنا جابر فيرد عليه جمله ويعطيه أوقية الذهب التي حددها ثمنًا لهذا الجمل الضعيف، الذي أصبح قويًا غاليًا عظيمًا، وكفاه شرفًا أن ذكره رسول الله ﷺ، فهلا اقتدينا برسولنا الكريم ﷺ في قراءة مشاعر الآخرين وإحسان التعامل معهم في ضوء ما نقرؤه نحن من تلك المشاعر والأحاسيس؟!
رابعًا: قدرة الفرد على توجيه العلاقات الإنسانية:
وهذ يعني أنك إذا كنت تمتلك الذكاء العاطفي فإنك تستطيع أن تطوع عواطف الآخرين وتوجهها صوب الاتجاه الصحيح، وفي هذا السياق يطيب الاستشهاد بموقف لرسول الله ﷺ عند فتح مكة، وذلك عندما نادى في الناس أن «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن»، وذلك لعلمه بشخصية أبي سفيان المحبة للفخر، وبذلك استطاع أن يطوع مشاعر أبي سفيان ويوجهها وجهتها الصحيحة، ويطيب نفسه.
خامسًا: الذكاء العاطفي يعالج انخفاض احترام الذات:
حيث أدت تنمية مهارات الذكاء العاطفي إلى رفع تقدير الشخص لذاته، وعلاج كثير من مشكلات الإدمان والإحباط.
سادسًا: الذكاء العاطفي يحقق علاقة اجتماعية وطيدة داخل البيئة الأسرية بين الزوج والزوجة وبين الآباء والأولاد.
سابعًا: مساعدة الموظفين في المؤسسات والشركات على تحقيق علاقات إنسانية قوية وتحسين التعاون فيما بينهم.
ثامنًا: حفز العاملين والموظفين على تحسين الأداء، ومن ثم زيادة الإنتاج والأرباح.
تاسعًا: ضبط النفس عند الغضب، وفي ذلك يقول رسولنا الكريم ﷺ: «ليس الشديد بالصرعة، وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب».
عاشرًا: تحفيز الذات لتحقيق الأهداف، والتغلب على صعوبات تحقيق الهدف ومعوقاته.
حادي عشر: بث الأمل في النفس، ونبذ اليأس والإحباط.
ثاني عشر: تحكم الشخص في نزواته العارضة، ومن ثم تحقيق الاتزان العاطفي، وتجنب خطر الاضطراب العاطفي.
ثالث عشر: تنمية القدرة على التفكر ومواصلة التفكير مهما كانت المعوقات والإحباطات.
رابع عشر: كسب قلوب الآخرين وحبهم، والنفاذ إلى قلوبهم وعقولهم، واستمرار التواصل معهم.
خامس عشر: فهم لغة الإشارة ولغة الجسد، وإجادة التعبير بها.
سادس عشر: تجنب الإصابة بالاكتئاب والحزن والقدرة على الانتقال من تلك الأجواء السلبية إلى أجواء إيجابية.
سابع عشر: التعاطف مع الآخرين المتألمين أو المظلومين المكلومين، ومن ثم تحصيل الثواب والأجر العظيم، وتلك سمة المؤمن، وفي ذلك يقول رسولنا الكريم ﷺ: «مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر».
ثامن عشر: القدرة على النهوض من كبوات الحياة، فنقطة التحول في شخصية «إسحاق نيوتن» كانت هزيمته، حيث لكمه زميله الأقوى منه، وكان «نيوتن» ضعيف البنية، ففكر في مجال ينتصر على زميله فيه، ويثبت لذاته أنه قادر على النجاح، فتحول من فاشل دراسيًا إلى عالم كبير ملأ علمه الآفاق.
تاسع عشر: يؤثر الذكاء العاطفي تأثيرًا إيجابيًا في الصحة النفسية للفرد، فالأذكياء عاطفيًا أكثر قدرة على مواجهة ضغوط الحياة ومشكلاتها.
عشرون: يؤدي الذكاء العاطفي إلى التفوق الدراسي، حيث يؤثر إيجابًا في اتخاذ القرارات وإجادة التفكير، والتغلب على صعوبات الدراسة ومعوقاتها.
مكونات الذكاء العاطفي
يوجز «دانيال جولمان daniel goleman مكونات الذكاء العاطفي فيما يلي:
1- الوعي الذاتي self-awareness:
ويقصد بالوعي الذاتي هنا قدرة الشخص على فهم مشاعره وعواطفه ودوافعه وتأثيرها على من يتعامل معهم.
2- ضبط الذات self-control:
ويعني: «القدرة على ضبط الانفعالات والمشاعر القوية تجاه الآخرين».
3- الحافز Motivation:
ويقصد به: «الأثر الإيجابي المادي أو المعنوي الذي يشعر به الشخص فيكون سلوكه سلوكًا إيجابيًا، فيسبب له راحة معنوية أو مادية، مما يدفعه إلى تكرار هذا السلوك الإيجابي».
4- التعاطف Empthy:
ومعناه: «القدرة على تفهم مشاعر الآخرين وإجادة التعامل معهم فيما يخص ردود أفعالهم العاطفية».
5- المهارات الاجتماعية Social skills:
ويقصد بها: «كفاءة الشخص في بناء العلاقات الاجتماعية مع الآخرين، واستيعابه لمن حوله، عن طريق إيجاد قوائم مشتركة بينه وبينهم، ومد جسور التفاهم معهم».
كيف يتشكل الذكاء العاطفي؟
ان عواطفنا تنبع من أربعة أبنية أساسية هي:
أ- القدرة على فهم العاطفة فهما دقيقًا.
ب- القدرة على توليد المشاعر التي تيسر للشخص فهم ذاته والآخرين.
ج- القدرة على فهم نواتج العواطف.
د- قدرة الشخص على استخدام عواطفه في تنمية مشاعره وعقله وأفكاره.
ويرى علماء النفس أن كل واحد من هذه الأبنية يسهم في تنمية مهارات الذكاء العاطفي، كما يرون أن الذكاء العاطفي ينمو بالتدريب والممارسة على المهارات التي يتشكل منها، ومن ثم اهتم التربويون وعلماء النفس ببناء برامج تدريبية وتنموية تهدف إلى تنمية مهارات الذكاء العاطفي في مؤسسات العمل وأصبح ذلك جزءًا أساسيًا من برامج تطوير الموارد البشرية لتدريب الموظفين والمديرين وذلك لتفعيل قدرات الكوادر البشرية على فهم بعضهم بعضًا، وإحسان التعامل فيما بينهم، وتوطيد العلاقات الإنسانية والاجتماعية بين الفرد وغيره.
لم تعد مهارات الذكاء العاطفي- إذن- فضفاضة، بل أخضعت للتطوير والقياس، وذلك لأهميتها في مؤسسات العمل.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل