العنوان الرقمية.. والعلاقات الإنسانية
الكاتب مصطفى عاشور
تاريخ النشر الأربعاء 01-سبتمبر-2021
مشاهدات 111
نشر في العدد 2159
نشر في الصفحة 24
الأربعاء 01-سبتمبر-2021
الإنسان في السابق كان يخترع الآلة ويُخضعها له ثم صارت الآلات عملاقة وتضاءل أمامها الإنسان!
دراسة حذرت من أن الأجيال الجديدة أصبحت متنمرة أكثر بفعل الرقمية التي قلَّلت تعاطفها وسلبت قدراتها الإبداعية
هناك تحذيرات غربية من الإدمان الرقمي الذي يشبه إدمان المخدرات حيث يتسبب في «انعدام التلذذ»
هناك مَنْ يطالب بالعودة إلى شاشة التلفزيون لتحقيق التواصل الأسري بعد الانعزالية التي خلقتها شاشات الهواتف
مصطفى عاشور
باتت مقولة العلامة ابن خلدون: «الإنسان اجتماعي بطبعه، وهذا يعني أن الإنسان فطر على العيش مع الجماعة والتعامل مع الآخرين؛ فهو لا يقدر على العيش وحيداً بمعزل عنهم، مهما توفرت له سبل الراحة والرفاهية»، ليس لها ما يدعمها من حقائق الحياة في العصر الرقمي، بعدما أصبح الإنسان كائناً منعزلاً، متوارياً عن محيطه الإنساني والعائلي، بعدما ابتلعته الرقمية ابتلاعاً.
العلاقات الإنسانية في العصر الرقمي تشهد نوعاً من التذويب والتلاشي؛ وفي أحسن الحالات إعادة هيكلة جذرية، تُغير مفاهيم التواصل الإنساني المباشر، نحو التواصل الافتراضي، الذي أصبح يحقق الدفء والهروب من الملل وضغوط الحياة، لكن ضريبة الرقمية على الجانب الإنساني ذات تكلفة عالية؛ فالإنسان في السابق كان يخترع الآلة ويُخضعها له، ثم صارت الآلات عملاقة وتضاءل أمامها الإنسان؛ فالهواتف الذكية المتصلة بالإنترنت اخترقت الحدود والحواجز، وأصبح الكثير من الناس أسرى لتلك التكنولوجيا.
وقد شعر الكثير من الأدباء والمفكرين بتهديد الآلات والتكنولوجيا على الإنسان، بعدما غابت الغاية عن الآلة؛ فمثلاً رواية «فرانكشتاين» للروائية البريطانية «ماري شيلي» المنشورة عام 1818م، تحكي عن الآلة التي تمردت على صانعها وقتلته، أما قصة «الآلة تتوقف» (The Machine Stops) التي نشرها البريطاني “إي. إم. فورستر” عام 1909م، فتحكي عن آلة تحكمت في حياة البشر، حتى عبدوها، وعندما تعطلت، انتهت حياة الإنسان على الأرض.
الرقمية.. وتغيُّر الإنسان
لكل تكنولوجيا تأثيرها الثقافي والسلوكي على الإنسان؛ فعندما اختُرع التلفزيون عام 1926م على يد الأسكتلندي «جون بيرد»، دار حديث واسع عن هذا الجهاز الذي تسلل إلى البيوت وأحدث فيها تغيرات كبيرة، وغيَّر في شكل العلاقات الاجتماعية، القائمة على التواصل والتفاعل المباشر، وبعد ما يقرب من ثمانية عقود أصبح الإنسان أمام مأزق آخر، وشاشة من نوع آخر وهي شاشة الهاتف الذكي، الذي أصبح فردياً، شديد الخصوصية، يمنح الفرد حرية في التفاعل، وقدرة على التخفي، يستهلك من الشباب ما لا يقل عن إحدى عشرة ساعة يومياً، كما تشير «سوزان غرينفيلد» في كتابها «تغير العقل» إذ تركت التقنيات الرقمية تأثيرها على العقل الإنساني، خاصة مع غياب الاعتدال في استخدامها، فأصبحت الرقمية هي المتعة والملاذ، والبديل عن التفاعل الإنساني والعائلي، وتسلل الموبايل إلى غرف النوم، فلكل فرد شاشته الخاصة، وهو ما أوجد هوساً بالذات والعزلة.
يُطلق على هذا الهوس «الإدمان الرقمي» (Digital addiction)، وهو يشمل إدمان الهاتف، والإنترنت، ومواقع التواصل الاجتماعي، والألعاب الإلكترونية، وصدرت صيحات تحذير غربية من هذا الإدمان الذي لا يختلف عن إدمان الخمور والمخدرات؛ فالإدمان الرقمي يتسبب في ظاهرة “انعدام التلذذ” (Anhedonia)، وهي عدم الإحساس بالمتعة، وهي ظاهرة تحدث عنها كتاب “مسرور حتى الموت” (Thrilled to Death)، لعالم النفس الأمريكي “أرشيبالد هارت”، وهو إحساس يؤثر على الشخص في محيطه العائلي والإنساني، وهي ظاهرة تؤدي إلى الاكتئاب، وفقدان السعادة والبهجة، فالإفراط في شيء ما يؤثر سلباً على مراكز المتعة في الدماغ الإنساني، وهكذا فالإفراط في الاستخدام الرقمي، الذي يمتد ربما أكثر من نصف ساعات اليوم عند الكثير، يدمر مركز المتعة في الدماغ، ويعرض الإنسان للاكتئاب، خاصة وأن الكثير من مدمني الرقمية يفتقرون إلى مهارات التواصل الاجتماعي.
وظهر في الغرب ما يعرف بـ”العائلة الرقمية” (The Digital Family)، تلك العائلات التي أدمن جميع أفرادها الهواتف الذكية، وزاحمت العلاقات الإنسانية على مائدة الطعام؛ فتجاورت الأجساد، لكن لكل وجه شاشة ينظر إليها ويغوص فيها، وتغوص هي في أعماقه؛ فالرقمية أصبحت شبحاً على المائدة، ولعل هذا ما دفع بأستاذة الطب في جامعة هارفارد “آن ك. فيشل” إلى إصدار كتابها “المنزل للعشاء” (Home for Dinner)، مؤكدة أن حديث العائلة على العشاء أصبح منقرضاً، في ظل طغيان الرقمية مثل انقراض الديناصورات، وربطت “فيشل” بين دور التواصل العائلي على المائدة، ومنح الأفراد الثقة واحترام الذات، كما أنه حائل دون الانجرار إلى تعاطي المخدرات والإدمان.
كذلك حذرت دراسة من أن الأجيال الجديدة أصبحت متنمرة أكثر بفعل الرقمية التي قلَّلت تعاطفها، وسلبت قدراتها الإبداعية، فالعواطف أصبحت أقل تحت تأثير الرقمية، وهذا ما ينشئ علاقات سلبية داخل الأسرة، ويخلق توترات بين أفراد العائلة، فالرقمية جعلت الآباء “تحت الطلب”، فحضور الأب إلى البيت لا يعني انقطاعه عن العمل؛ بل يظل مرتبطاً بالعمل من خلال مطالعة بريده الإليكتروني والرسائل التي يتلقاها، التي قد تحمل أخباراً سيئة، وهذا يجعله أقل تفاعلاً مع أسرته، وأكثر شروداً عنها، وأبطأ في استجاباته العاطفية نحو عائلته، ومن ناحية أخرى كانت الرقمية مجالاً للهروب بين أفراد الأسرة في ظل علاقاتهم الباردة، واحتقاناتهم المتزايدة، ومن ثم غيرت الرقمية من مساحة وطبيعة التفاعلات بين أفراد الأسرة، وبات الوقت المتبقي للتواصل بين أفراد العائلة قليلاً، وغاب التوازن بين الرقمية والعائلة.
وهو ما تحدث عنه أستاذ الطب النفسي “جيمس إيه روبرتس” في كتابه “الكثير من الأشياء الجيدة” (Much of a Good Thing)، حيث أشار إلى أن العلاقات هي حجر الزاوية لتحقيق السعادة، وأن الهاتف المحمول قد يفقدنا الشعور بالسعادة، بل قد يؤدي إلى الاكتئاب، حيث تُظهر الأبحاث أن الهواتف الذكية هي أجهزة قوية لتغيير العقل والمزاج، ويمكن أن تكون مسببة للإدمان مثل المقامرة، بل إنها مُعدية، فعندما يستخدم شخص ما هاتفه، فإن من حوله يميلون إلى سحب هواتفهم، لذا لــ”روبرتس” تعبير ساخر، وهو “التهاب الموبايل مرض ينتقل اجتماعياً”.
ضريبة الرقمية
والحقيقة أن كل وقت تنفقه الأسرة على الرقمية له ضريبته؛ التي تنعكس في أوقات النوم، أو التواصل، أو الراحة وتناول الطعام، فنسبة كبير من الأطفال تعاني، لتشتت انتباه أبويهم بسبب الهواتف الذكية، فالرقمية أصبحت حجاباً بين أفراد الأسرة، وربما يسبب ذلك في مشكلات أخلاقية، ومن الطريف أن البعض طالب بالعودة إلى الشاشة الكبيرة (التلفزيون) لتحقيق التواصل الأسري بعد الانعزالية التي خلقتها شاشات الهواتف.
لقد زحفت الرقمية على وقت الفراغ داخل الأسرة، فأصبح الهاتف هو المستحوذ على وقت الفراغ، وأصبح عدد الكلمات التي يتحدث بها أفراد العائلة معاً قليلاً للغاية، بل ربما جاءت عبر الهواتف وليس عبر التواصل المباشرة، حتى الضحك أصبح عن طريق الأشكال التي يزخر بها الهاتف، وليس أصوات الضحكات المبهجة التي تطرب لها الأذن، ولعل هذا ما دفع بعالمة النفس «كاثرين شتاينر أدير» إلى الحديث بعمق عن تلك المشكلة في كتابها «الانفصال الكبير: حماية الطفولة والعلاقات الأسرية في العصر الرقمي»(1)، حيث رأت أن وهج الشاشة الصغيرة أصبح مسيطراً على العائلة، التي باتت تخسر مع كل تقدم في الرقمية.
ولعلنا هنا نقف مع مقولة جلال الدين الرومي: "بالأمس كنتُ ذكياً، كنت أريد أن أغيِّر العالم، اليوم أنا حكيم أريدُ أن أغيِّر نفسي".
لقد خفضت الرقمية حلم تغيير العائلة، واكتفت بتحديث برامج الهواتف.
الهامش
(1) The Big Disconnect: Protecting Childhood and Family Relationships in the Digital Age.