; أين مكانك بين أهل الصدق وأهل الفلاح وطلاب المغفرة؟ | مجلة المجتمع

العنوان أين مكانك بين أهل الصدق وأهل الفلاح وطلاب المغفرة؟

الكاتب عبد الفتاح إبراهيم أبو ريدة

تاريخ النشر الثلاثاء 14-مارس-1972

مشاهدات 103

نشر في العدد 91

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 14-مارس-1972

أين مكانك بين أهل الصدق وأهل الفلاح وطلاب المغفرة؟

بقلم الأستاذ عبد الفتاح إبراهيم أبو ريدة

من صفات المؤمنين في القراَن الكريم:

يكاد ينصرف ذهن القارئين لسورة الحشر عامة، وللآيات العشر الأولى منها خاصة، إلى أن الله جل جلاله قد أنزلها أحكامًا في قسمة ما أفاء الله على رسوله- صلوات الله وسلامه عليه- من بني النضير من اليهود، حين سلطه الله عليهم فحاصرهم وحاربهم وأجلاهم عن قريتهم قرب المدينة المنورة، في شهر ربيع الأول من السنة الرابعة للهجرة.

لكن تلك الآيات، تعني عند أهل الأذواق من المؤمنين، أشياء أخرى مع الأحكام، ذلك بأن آيات الله أوسع مدلولًا وأشمل أفكارًا من مجرد الصلة بأسباب النزول، ومن هنا كان للكتاب المبين إعجازه في إطلاق العقول الرشيدة، وفتح البصائر النيرة للتأمل فيه، والاستنباط منه ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (فصلت:41-42)، والواقع الذي لا شك فيه، تلاوة وتأملًا، وتذوقًا لرحيق آيات الذكر الحكيم، أن الله سبحانه قد قسم الأمة الإسلامية من أولها إلى آخرها ومن أقصاها إلى أدناها، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، إلى ثلاث طبقات أو ثلاثة أجيال، في الآيات الثلاث: الثامنة والتاسعة والعاشرة من سورة الحشر، وصفهم فيها بأخص أوصافهم، ونعتهم فيها بأليق نعوتهم، وسماهم فيها بأرق أسمائهم ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (النساء:87)، وقد ربط الله- عز وجل- بين هذه الطبقات أو الأجيال بعدة من الروابط، هي من صميم الفطرة الإنسانية حسًا ومعنى، ومن رفيع الفضائل الإنسانية نقيبة وخلقًا، وإن شئت فقل هي العروة الوثقى للوحدة بين أهل السمو والقربى والوصول في خير أمة أخرجت للناس، بها تحيا، وعليها تعيش، وبقدر الأخذ بها ترتفع بين الأمم إلى أعلى عليين.

 هذه الروابط دون تزويق، هي: السبق إلى الله، فضله ورضاه، ونصر الله ورسوله، والحب في الله، والإيثار على النفس، والبرء من الشح، والإخوة الأبدية في الدين، وطهارة القلوب من الحقد والغل لكل من آمن بالله وأسلم وجهه إليه وكان من المحسنين.

والطائفة أو الطبقة أو الجيل الأول- وتخير من التعبير ما شئت- «هم أهل الصدق» هكذا سماهم الله رب العالمين حين قال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ( الحشر:8)

والطائفة الثانية هم «أهل الفلاح»، وهكذا سماهم ربهم حين قال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (الحشر:9)  والطائفة الثالثة هم بقية الأمة المحمدية، جاءت تسميتهم بما ألهمهم الله من مقالة والأصل في الأسماء أنها أفعال حين قال الله فيهم: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ (الحشر:10) فهم كما ترى «طلاب مغفرة وقلوب طاهرة»،  نسبهم هو إخوتهم لمن سبقهم من أسلافهم وأجدادهم الأولين من الصادقين والمفلحين.

وربما جاز للمؤرخ أن يقول: إن جيل الصادقين والمفلحين قد انتهى بانتقال آخر صحابي من صحابة الرسول الكرام إلى جوار ربه، وربما جاز له أن يقول: إن الأجيال الإسلامية المتعاقبة- لو عقلت وفهمت- هي أجيال الإخوة الأبدية التي قيدها الله بالإيمان، وبالإيمان وحده، وهو الوشيجة القوية التي ربطت بين الأولين والآخرين وستبقى هي الوشيجة القوية التي تربط بينهم إلى يوم الدين.

 وشروط الإخوة الربانية كثيرة، أوردها الله- تعالت حكمته- في العديد من آيات القرآن الكريم، لا نكاد نفطن إليها إلا عند الضرورة، كأنما قد وقعنا-كبقية الأمم السابقة، فيما حذرنا الله من الوقوع فيه، من نسيانه ونسيان آياته. ولقد كانت آيات خبرية وتحذيرية لنا، تلك التي أنزلها الله على رسوله في قوله: ﴿وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَآ إِلَىٰٓ أُمَمٖ مِّن قَبۡلِكَ فَأَخَذۡنَٰهُم بِٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمۡ يَتَضَرَّعُونَ (42) فَلَوۡلَآ إِذۡ جَآءَهُم بَأۡسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَٰكِن قَسَتۡ قُلُوبُهُمۡ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ (43) فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِۦ فَتَحۡنَا عَلَيۡهِمۡ أَبۡوَٰبَ كُلِّ شَيۡءٍ حَتَّىٰٓ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوٓاْ أَخَذۡنَٰهُم بَغۡتَةٗ فَإِذَا هُم مُّبۡلِسُونَ (44) فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْۚ وَٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ. (الأنعام:41-45)

ألم يقل لنا ربنا عن بني إسرائيل: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ۖ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ ۙ وَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ۚ(المائدة:13) ألم يقل لنا ربنا عن النصارى: ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۚ(المائدة:14)

ألم يحذرنا ربنا- نحن المسلمين- بقوله في سورة الحشر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ أن اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (الحشر:18-21).

 إن علينا أن نتذكر على الدوام ولا ننسى أن الرباط الوحيد الذي يجمعنا بالذين سبقونا بالإيمان هو رباط الأخوة، إن قوي هذا الرباط قوينا وإن ضعف هذا الرباط ضعفنا على كثرة وتداعت علينا الأمم تداعي الأكلة على قصعتها، كما أخبرنا بذلك نبينا الصادق الأمين عليه الصلاة والسلام، هو حال مشاهد في عالمنا الإسلامي المعاصر، نظرًا لانحلاك الشعور الصادق بالأخوة الإسلامية بين المسلمين شعوبًا وقبائل إلا من عصم الله.

إن علينا أن نعود إلى إخوتنا كي يتصل حاضرنا بماضينا وتجدد إخوتنا لأوائلنا، ذاكرين قول الله جل شأنه: ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّار فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ۚ وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105) (اَل عمران:103-105).

 ومن شرط الأخوة الربانية الصادقة، الحب الإلهي الذي لا تشوبه في التوحيد شائبة، بدايته اتباع الرسول- صلوات الله وسلامه عليه، وعقباه غفران من الله ورحمة، وقد أمر الله سبحانه رسوله الكريم أن يبلغ إلينا قوله: ﴿قُلْ إن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ قُلْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ(اَل عمران:31) وإذن فالطاعة شرط  ثان مضاف إلى الحب الإلهي الخالص

على أن هناك حديثًا جامعًا رواه أنس بن مالك- رضي الله عنه- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: «من أحب الله- عز وجل- فليحبني، ومن أحبني فليحب أصحابي، ومن أحب أصحابي فليحب القرآن، ومن أحب القرآن فليحب المساجد، فهي أفنية الله أبنيته، أذن في رفعها، وبارك فيها، ميمونة ميمون أصحابها، محفوظة محفوظ أهلها، هم في صلاتهم والله- عز وجل-  في حوائجهم، هم في مساجدهم والله من ورائهم»، ولعلك تتلو قول الله جل شأنه: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لّا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ رِجَالٌ لّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ(النور:35-37)، فتعلم أن النبي عليه الصلاة والسلام في هديه القويم قد أخذ بالمؤمنين في رفق، ومن أرق عاطفة وأنبل شعورًا واسمي إحساسًا، فغمسهم في أنوار الربوبية، ووضعهم موضع الشهود الروحاني لرب العالمين، في مواطن الخلوص، حيث لا يذكر الذاكرون شيئًا من دنياهم، وحيث لا يحق لهم إلا أن يذكروا الواحد الأحد، حين يجتمعون في المساجد زمرًا ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا(الجن:18) ونحن إذا رجعنا إلى صدر الإسلام، وجدنا أن بيوت المقربين من أصحاب الرسول رضي الله عنهم، كانت تفتح على المسجد النبوي بالمدينة، فإذا سمعوا النداء إلى الله خرجوا إليه ملبين فمن أحب منا أن يكون في مقاعد الصدق عند الله مع أخبار البشر عامة ومع أخبار الأمة المحمدية، وفي رفقة الرسول وأصحابه من أمثال أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وأبي أيوب الأنصاري وسعد بن معاذ وسعد بن عباده وغيرهم من المهاجرين والأنصار، فليكن عند قول الله جل شأنه ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا(النساء: 69) صدق الله العظيم

الرابط المختصر :