العنوان التركيبة العرقية للجيش الروسي تهدد بقاء روسيا الاتحادية
الكاتب نادر عبدالغفور أحمد
تاريخ النشر الثلاثاء 02-أبريل-1996
مشاهدات 66
نشر في العدد 1194
نشر في الصفحة 41
الثلاثاء 02-أبريل-1996
▪ رغبة الشعوب في الاستقلال وإدارة أمورها بنفسها سوف تتغلب في النهاية على جيش مكون من قوميات مختلفة لخدمة أغراض خاصة
الهجوم الأخير الذي قام به المجاهدون الشيشان على العاصمة جروزني باغت الحكومة الروسية التي اعتقدت أنها كبدت الشيشان خسائر كبيرة في الأرواح، ولم تعتقد أن بإمكانهم الهجوم على جروزني من جديد، وأصبح الوضع الجديد المتأزم في الشيشان يضع الرئيس الروسي يلتسين في وضع حرج، خصوصًا وأن حملته الانتخابية بدأت منذ فبراير الماضي لإعادة انتخابه للرئاسة مرة أخرى، وقد بلغ عدد الخسائر البشرية نتيجة لحرب الشيشان حتى الآن حوالي ۳۰.۰۰۰ ألف شخص من بينهم عدد كبير من أفراد الجيش الروسي.
وبالرغم من الخسائر البشرية العالية إلا أن يلتسين رفض أساسًا فكرة الانسحاب من الشيشان ومنحها الاستقلال أو حتى التحاور مع الرئيس الشيشاني دوداييف، فالوضع المتأزم في الشيشان وعدم قدرة الجيش الروسي على السيطرة عليه يضع الرئيس الروسي يلتسين في موضع حرج بالنسبة للغرب الذي لا زال يراهن عليه للسيطرة على تفكك الاتحاد السوفييتي ومنع الجمهوريات المسلمة من الاستقلال أو الحصول على السلاح النووي، ويدرك يلتسين جيدًا أن استمرار الوضع المتأزم سوف يعني في نهاية المطاف اختيار الغرب لبديل روسي آخر يمكنهم الاعتماد عليه للمحافظة على الكومنولث الروسي من التفكك.
وتنظر الولايات المتحدة وحليفاتها الآن بعين القلق لهذه الفترة الحرجة من تاريخ روسيا خصوصًا وأن استقلال دول الاتحاد ومنها الشيشان قد يهدد أمن ومصالح الدول الغربية مستقبلًا، ومن المعروف أن الجيش الروسي الذي كان يمثل الثقل الأكبر في جيش الاتحاد السوفييتي لم يثبت جدارته إبان أزمة أفغانستان بعد تكبده خسارة كبيرة على يد المجاهدين الأفغان، ويعزي الخبراء الغربيون بعض أسباب اندحار الجيش الأحمر في حرب أفغانستان إلى اعتماده على أعداد كبيرة من الجنود المسلمين من مواطني مناطق آسيا الوسطى لمقاتلة المجاهدين الأفغان المسلمين، وبذلك تحطمت أسطورة الولاء للأممية العالمية الشيوعية بعد أن التحقت أفواج من الجنود السوفييت المسلمين بصفوف المقاتلين الأفغان ورفضت أفواج أخرى مقاتلتهم مباشرة.
▪ أسباب الاهتمام الغربي
السبب الحقيقي الذي يدفع الغرب إلى حث الحكومة الروسية للاهتمام بفكرة إنشاء اتحاد فيدرالي أطلق عليه اسم كومنولث الدول المستقلة هو تنسيق مواقف هذه الدول السياسية والعسكرية وتأسيس جيش مشترك يمكنه المحافظة على دول الكومنولث من التفكك، وفي نفس الوقت منع بعض الجمهوريات المسلمة ومنها الشيشان من الاستقلال لأسباب اقتصادية وعسكرية، وقد حظي تأسيس هذا الكومنولث بمباركة واهتمام الولايات المتحدة وحليفاتها لضمان عدم وقوع القدرات العسكرية وبالأخص النووية منها بيد قوى أخرى معادية للغرب أي القوى الإسلامية أو بيد بعض الإرهابيين، وبالفعل تم تأسيس الكومنولث وتم التوقيع على الاتفاقية الأمنية في مايو «أيار» عام ۱۹۹۲م من قبل ست دول، وقد أقرَّته ثلاث دول، فقط وهي أرمينيا وقيرغيستان، وطاجيكستان أما الدول الأخرى كأوكرانيا، والبيلاروس، ومالديفيا فإنها شكلت جيوشًا مستقلة آنذاك أعلنت الشيشان عن عزمها على تشكيل جيش قومي خاص بها، لكن التوقيع على تلك الاتفاقية لم تعن سيطرة روسيا على زمام الأمور إذ إن الكومنولث بدأ يعاني من مشكلة كيفية تشكيل قيادة عسكرية مركزية موحدة يمكنها تنسيق القوى العسكرية في هذه الدول خصوصًا وأن معظمها بدأ بالفعل يتجه نحو تشكيل جيوش مستقلة عن الاتحاد، كما أن المشكلة الأساسية التي تواجه تشكیل موحد يشمل قوميات مختلفة تكمن في تذويب الفروق والاختلافات الطائفية والعرقية وضمان ولاء الجيش الموحد للقيادة المشتركة.
▪ جيش متفكك
وقد برزت مؤخرًا بعض الدراسات الاستراتيجية منها دراسات أمريكية لبحث مشكلة الانسجام القومي والطائفي داخل الجيش الروسي الموحد على ضوء المعلومات المتوفرة عن المشاكل القومية داخل جيش الاتحاد السوفييتي سابقًا، وتركز الدراسات الحديثة على الصعوبات التي يمكن أن تبرز عند محاولة إعادة التركيبة السوفييتية القديمة لتشكيل الجيش الموحد الذي يفتقر الآن للتعاليم الأيديولوجية التي كانت تحتلها التعاليم الشيوعية سابقًا، هذه الدراسات الغربية بدأت أولًا خلال فترة الإصلاحات التي قام بها الرئيس السوفييتي السابق جورباتشوف وانقسمت إلى وجهتي نظر متباينتين تعتقد وجهة النظر الأولى أن الضغط على أفراد الجيش المتكون من قوميات وطوائف مختلفة للعيش والعمل معًا بصورة قسرية يحدث عادة مفعولًا عكسيًا مقارنة مع حالة فسح المجال أمام أفراد الجيش للاندماج مع أقرانهم من نفس القومية أو الاندماج مع أفراد آخرين من قوميات أخرى وحسب اختيار الفرد، أما وجهة النظر المعاكسة فتعتقد أن الحياة القاسية في الجيش وظروف المعيشة الجماعية داخل الوحدات المتشكلة من قوميات مختلفة تشجع على حدوث تناسق واندماج مما يقلل التوتر القومي والطائفي، لكن بعض الباحثين السياسيين الأمريكان الذين تتبعوا تاريخ الجيش السوفييتي منذ تأسيسه وحتى الآن لا يعتقدون بوجود أي دليل مادي يثبت صحة الاعتقادين.
وعلى العكس فقد أشارت دراسة أمريكية بل حديثة أجرتها ديبرا يارسكي بول ونشرتها مجلة «آرمد فورسيس آند سوسايتي» في عددها لشتاء عام ١٩٩٤م إلى أن العلاقات القومية والطائفية داخل جيش الاتحاد السوفييتي «الجيش الأحمر» أثرت كثيرًا على الأداء العسكري، إذ إن الوحدات العسكرية ذات التقارب والانسجام القومي تميزت بحسن الأداء مقارنة مع الوحدات التي تحتوي على قوميات مختلفة، وركزت الباحثة الأمريكية على أهمية الدراسة في الوقت الذي تحاول فيه بعض جمهوريات الاتحاد السوفييتي سابقًا إعادة جيوشها التي تشمل مجاميع قومية وعرقية مختلفة بصورة منفردة أو ضمن الجيش الموحد لدول الكومنولث، وعلى سبيل المثال فإن روسيا- تتكون من قوميات أخرى تشكل نسبة ١٨% من سكانها، وهي قوميات غير روسية بالأصل، أما أوكرانيا فتحتوي على ٢٧% من القوميات المختلفة، وفي جورجيا تبلغ نسبة القوميات غير الجورجية٣٠% بينما تبلغ القوميات غير الأذربيجانية التي تعيش ضمن أذربيجان حوالي ١٧%، وهذا يوضح أن جيوش هذه الدول لا بد وأن تحتوي على عناصر ذات قوميات مختلفة ضمن الجيش الواحد، ولذلك يمكن أن تؤثر مثل هذه الجيوش كثيرًا على السياسة الداخلية والخارجية لتلك الجمهوريات، وركزت الدراسة الأمريكية على: ظروف معيشة القوميات المختلفة داخل الجيش- الأحمر سابقًا، إذ إن ذلك يوفر النتائج التي يمكن أن تستعين بها دول الكومنولث وعلى رأسها روسيا لتشكيل جيش جديد قوي موحد، وتشير الدراسة إلى نقطة جديرة بالاهتمام وهي أن الجيش الأحمر تشكل سابقًا على أساس مواجهة القوى الإمبريالية الخارجية ولم يتم توجيهه عقائديًا وعسكريًا إلى مواجهة الحركات القومية والانفصالية داخل الاتحاد السوفييتي، حتى أن احتلال الجيش الأحمر لأفغانستان تم تحت غطاء مساعدة الأفغان ضد القوى الإمبريالية الطامعة وتنفيذًا لاتفاقية الدفاع الموقعة بين الطرفين السوفييتي والأفغاني سابقًا، وبعكس ذلك فإن الجيش الجديد سيوجه أساسًا لمواجهة وقمع الحركات الانفصالية ضمن دول اتحاد الكومنولث أو خارجه كما يحدث الآن في الشيشان، وهنا تبرز أهمية دراسة تأثير وجود قوميات مختلفة ضمن الجيش الواحد على كفاءة، مثل ذلك الجيش للقيام بالمهام المناطة به، وهي قمع الحركات الانفصالية، وبالفعل حدث مثل هذا التأثير خلال الحرب الحالية بين الشيشان والقوات الروسية بعد أن قامت مجاميع من الجيش الروسي بالعصيان وعدم إطاعة الأوامر، وربما كان من أهم أسباب ذلك وجود قوميات مختلفة داخله ترفض الانصياع لأوامر قتل الشعب الذي كان يعتبر جزءًا من الاتحاد السوفييتي في السابق، بل وإن أفراده كانوا يقاتلون تحت لواء واحد ضد القوى الإمبريالية كما كانت تشير الشعارات.
▪ فشل الأممية العالمية
من جهة أخرى، يعتقد بعض الباحثين الروس أن الجيش الأحمر حاول منذ بداية تأسيسه التركيز على جانب الصداقة بين القوميات المختلفة ضمن الوحدات العسكرية كجزء من مخطط الأممية العالمية الذي اعتبر من صميم عقيدة الحزب الشيوعي، إلا أن نشرة الجيش السوفييتي التي صدرت عام ۱۹۸۹م خلال فترة الجلاسنوست، كشفت عن وجود بعض الفجوات في مثل ذلك التوجه، وقد اعترف وزير الدفاع السوفييتي السابق يازوف بوجود مشاكل كبيرة ذات طابع قومي وطائفي داخل الجيش الأحمر، وأشارت بعض الدراسات السياسية والعسكرية السوفييتية إلى أن الأقليات القومية داخل الجيش السوفييتي لم تمثل تمثيلًا حقيقيًا داخل الوحدات القتالية ذات الطبيعة التقنية الحديثة المتطورة كالبحرية، والقوة الجوية والقوة الصاروخية الاستراتيجية، وقد نظر الجيش الأحمر منذ البداية إلى الأقليات القومية نظرة عدم ولاء وقلة تعليم التمكن من التكلم باللغة الروسية، وعلى سبيل المثال فإن الوحدات القتالية المتخصصة لحماية مرافق الدولة كانت تشكل من قوميات روسية أو أوكرانية وجميع أفرادها كانوا من أعضاء الحزب الشيوعي، وادَّعت مصادر الجيش السوفييتي سابقًا أن عدم تكيُّف الجنود من الأقليات للعمل داخل الوحدات ذات التقنية المتطورة يعود أساسًا إلى عدم إتقانهم اللغة الروسية وعدم حصولهم على التدريب التقنِي والمهني، ويبين ذلك وجود تمييز عنصري أساسي بين الجنود الذين يتكلمون اللغة الروسية والذين لا يتكلمونها ومعظمهم من سكان آسيا الوسطى وتشير دراسات أمريكية إلى أن الوحدات الأرضية السوفييتية كالمدفعية والخدمات العسكرية الخلفية قلت فيها نسبة الجنود الروس بينما ازدادت فيها نسبة الجنود المسلمين، ولم توجد أية وحدات من الجنود المسلمين في البحرية أو القوة الصاروخية الاستراتيجية السوفييتية أما بالنسبة للرتب العسكرية فإن ۸۸% من عرفاء الجيش السوفييتي كانوا من القومية السلافاكية وأن ٤٢,٧% منهم من الروس، أما الضباط فإن نسبة ٨٩,٧% كانوا من السلافاك و٤, ٦٩% من الروس، وليس هذا بالمستغرب إذ إن السلافاك ومن بينهم الروس كانوا يشكلون الأغلبية في المناصب الحساسة ذات التقنية العالية بينما تمركز العسكريون المسلمون في الوحدات ذات التقنية المتواضعة، وتدعم الدراسة رأيها في تأثير التشكيلة القومية على كفاءة الجيش السوفييتي بالقول إن الوحدات العسكرية التي احتوت على قوميات مختلفة كانت من أكثر الوحدات التي تعاني الاضطرابات والمشاكل بعكس الوحدات ذات القومية الواحدة كالوحدات الصاروخية والنووية المتقدمة، ويناقض هذا اعتقاد باحثين آخرين بأن القيادة الحازمة والطعام الجيد هما المسئولان الأساسيان عن المعنويات القتالية العالية ولا دخل للتركيبة القومية بذلك، وتخرج الدراسة بملخص لهذا الرأي قائلة إن على دول الكومنولث بحث تأثير التركيبة القومية للجيش الجديد، وأن أحسن حل لتشكيل جيش جديد ذي كفاءة قتالية عالية يكمن في عزل القوميات المختلفة ضمن وحدات متخصصة ذات قومية واحدة، أما الحل الآخر فهو منع الأقليات القومية من الخدمة العسكرية إلا أن ذلك قد يؤدي إلى مشاكل أخرى غير متوقعة.
وبالرغم من أن تلك الدراسات أشارت إلى نقاط ضعف كثيرة في تشكيلة جيش دول الكومنولث الروسي إلا أنها لم تتطرق إلى نقطة جوهرية وهي أن رغبة الشعب في الاستقلال وإدارة أموره بنفسه سوف تتغلب في نهاية الأمر على جيش جميع أفراده من قوميات مختلفة لخدمة أغراض خاصة ببعض دول الاتحاد، وهذا ما يبرهنه شعب الشيشان المسلم اليوم، وهو أن الرغبة في الاستقلال لا يمكن أن تقمع من قِبل جيش كان ولوقت قريب يعتبر من القوى العظمى في العالم.
وبعد أن فشلت الشيوعية بأيديولوجيتها في السابق على توحيد الجيش السوفييتي.. فهل يمكن للحكومة الروسية التي تنقصها الأيديولوجية أن تجمع فتات ما تبقَّى من الجيش السوفييتي وتوجهه لتحقيق الأحلام الغربية في منع الجمهوريات المسلمة من الحصول على لا استقلالها؟ هذا ما ستبرهنه الأيام القادمة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل