; على هامش الاستفتاء الأخير.. المعارضة الباكستانية بين الهدم والبناء | مجلة المجتمع

العنوان على هامش الاستفتاء الأخير.. المعارضة الباكستانية بين الهدم والبناء

الكاتب عبد الرحمن الناصر

تاريخ النشر الثلاثاء 25-ديسمبر-1984

مشاهدات 59

نشر في العدد 697

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 25-ديسمبر-1984

المراقب لتوجهات وسائل الإعلام المختلفة يلاحظ مدى الاهتمام الذي منحته هذه الوسائل للاستفتاء الذي تم مؤخرًا في باكستان، فمع إعلان الرئيس الباكستاني ضياء الحق في مطلع شهر ديسمبر عن رغبته في إجراء استفتاء شعبي على برنامجه السياسي للمرحلة القادمة، بدأت على الفور وسائل الإعلام الغربية والشرقية والوسائل الإعلامية في العالم الإسلامي ذات التوجه الغربي والشرقي على السواء بتناول الأوضاع الباكستانية من جميع جوانبها مع أن هذه الوسائل ذاتها لم تعط العديد من الإجراءات والاستفتاءات التي جرت ولا تزال تجري في مناطق كثيرة من العالم الإسلامي الاهتمام الذي منحته للإجراء الباكستاني مما يدفعنا إلى التساؤل عن السر الكامن وراء هذه الدرجة من الاهتمام؟

الاستفتاء والتوجهات الإعلامية:

 قلنا إن الوسائل الإعلامية المختلفة منحت الاستفتاء الباكستاني درجة ملحوظة من الاهتمام وأن هذا الاهتمام أثار فينا تساؤلًا عن السر الكامن وراء هذا الاهتمام الإعلامي والمطلع على عرض هذه الوسائل لأخبار الاستفتاء منذ الإعلان عنه وحتى انتهاء الإجراءات التنفيذية الخاصة به وظهور نتيجته يتبين له أن هذه الوسائل الإعلامية اتخذت مسارًا متشابهًا إلى حد كبير، ويكاد هذا التشابه أن يقنع القارئ على أن هذه التوجهات تخرج من مشكاة واحدة، وهذا التوجه يكمن في المنطلقات العدائية لهذه الوسائل تجاه الإسلام وحيث إن الاستفتاء «وبغض النظر عن بعض الجوانب السلبية» كان خاصًا ببرنامج تطبيق الشريعة الإسلامية المزمع تنفيذه خلال المرحلة القادمة لهذا كان التوجه الإعلامي منصبًا على استغلال الجوانب السلبية في النظام الباكستاني للانطلاق نحو تشويه البرنامج الخاص بتطبيق الشريعة الإسلامية، والتحريض على رفض الاستفتاء ومقاطعته، وعلى سبيل المثال تقول صحيفة لوفيغارو الفرنسية «إن هذا الاستفتاء سيتيح للنظام الباكستاني الفرصة لبناء سد جديد في طريق محاولة التحديث التي كان يعتبر بوتو ونظامه المفتوح على أسلوب الحياة الغربية رمزاً لها».

وفي مقارنة سخيفة تقول الصحيفة ذاتها «إن هذا الاستفتاء يثير الضحك؛ حيث إن ۹۷% من الباكستانيين يدينون بالإسلام فكيف يدعوهم إلى تأكيد رغبتهم في تطبيق الإسلام، وهذا يعادل قيام رئيس أيرلندا بإجراء استفتاء لمعرفة ما إذا كان مواطنوه ۹۱% كاثوليك يرغبون في أن تكون قوانين بلادهم مطابقة لتعاليم الكنيسة».

وهكذا فإن ما ذهبت إليه الصحيفة الفرنسية وغيرها من وسائل الإعلام المختلفة والتي نحت نفس المنحى يدل على محاولة مكشوفة للتشويه والتحريض وإلا فما معنى أن تطبيق الشريعة سيكون بمثابة سد جديد أمام محاولة التحديث على الطريقة الغربية.

 المعارضة اليسارية:

وتتجلى هذه المعارضة في التنظيم المعروف باسم «حركة إعادة الديمقراطية» التي تتزعمها ابنة الرئيس السابق ذو الفقار علي بوتو الذي أطاح به ضياء الحق عام ٧٧، وهذه الحركة ذات توجهات علمانية ترفض تطبيق الشريعة الإسلامية في الباكستان، ومعظم الأحزاب المنضوية في الحركة ذات ميول يسارية ومؤيدة للسياسة السوفياتية، ولهذا فإن أحد قادة المعارضة الإسلامية يؤكد على الاختلافات العقائدية بين المعارضة الإسلامية وحركة إعادة الديمقراطية، والملاحظ أن هذه الحركة تعتمد مبدأ العصيان المدني واللجوء إلى العنف ابتداء بخطف الطائرات إلى تحطيم المرافق العامة وإلقاء القنابل والمتفجرات كما حدث خلال الاضطرابات التي حدثت في إقليم السند مسقط رأس بوتو في العام الماضي، والغريب أن مناداة هذه الأحزاب بعودة الديمقراطية لم يكن ليتفق مع الممارسات غير الديمقراطية التي انتهجها بوتو وحزبه أثناء توليهم السلطة إثر الحرب التي أدت لانفصال باكستان الشرقية «بنغلادش»، وحتى الانتخابات التي جاءت ببوتو وحزبه ثبت أنها كانت مزيفة في معظمها وقد أثبت القضاء الباكستاني هذه الحقيقة كما أثبت تورط بوتو في عمليات الاغتيال لخصومه السياسيين، ومن هنا فإن الضرب على وتر الديمقراطية والتباكي عليها ليس إلا ستارًا يخفي التوجهات الحقيقية لهذه المعارضة ولأسلوبها غير الديمقراطي، ومن المناسب أن نشير إلى أن هذه الحركة تضم أحد الأحزاب ذات التوجهات العرقية والقومية.. كالحزب الوطني الباكستاني في مقاطعة بلوشستان.

وجدير بالذكر أن التأييد الذي منح للاتجاهات المعارضة للنظام الباكستاني يؤكد على حقيقة انتماء حركة المعارضة للاتجاه المعادي للإسلام، فمن المعروف أن ليبيا منحت تأييدها للمعارضة أثناء زيارة السيدة نصرت بوتو زعيمة المعارضة لليبيا عام ٨٣ واجتماعها بالعقيد القذافي وكذلك زيارة مرتضى بوتو وشهناواز بوتو إلى دمشق.. وإعلان الهند عن تأیيدها لمطالب حركة إعادة الديمقراطية وتأييد الاتحاد السوفياتي.. كل هذا يؤكد على التوجهات المعادية للإسلام والتي تتميز بها حركة إعادة الديمقراطية. ويكفينا أن نذكر تصريح بينازير بوتو ابنة ذو الفقار بوتو والتي ترأس حاليًا حركة المعارضة اليسارية خلال مقابلة صحفية جرت معها في شهر يونيو من العام الحالي حول الحركة الجهادية في أفغانستان تقول ابنة بوتو «إن إقامة هؤلاء اللاجئين الأفغان في بلادنا يؤثر على المعطيات السياسية والاقتصادية فيها وعلى ذلك يجب أن يعودوا من حيث أتوا ومن أجل ذلك يجب البحث عن حل مع الحكومة الأفغانية، أما فيما يتعلق بالمقاتلين فليس من مصلحة بلادنا أن تستمر أرضها قاعدة لقوات أجنبية».

المعارضة الإسلامية:

وتتجلى هذه المعارضة بالتنظيمات الإسلامية المكونة من بعض الأحزاب والتجمعات والهيئات الإسلامية وتقف على رأسها الجماعة الإسلامية وهذه المعارضة وإن حلت رسميًا عبر قانون الأحكام العرفية إلا أن وجودها على أرض الواقع لا زال قويًا رغم كل المضايقات والملاحقات التي يتعرض لها أعضاء الجماعة ومع ذلك فإن الجماعة لم تلجأ إلى أسلوب العنف الذي لجأت إليه أحزاب المعارضة الأخرى لأنها تعتقد أنه رغم الاختلافات المتعددة بينها وبين النظام ورغم معارضتها لأسلوب الحكم العسكري ورغم مطالبتها بإجراء انتخابات برلمانية أن هناك بعض النقاط الإيجابية في النظام والتي تفرض على الجماعة تغليب المصلحة العامة، ومن أهم هذه النقاط المناداة بتطبيق الشريعة الإسلامية وهذا يصب في نهاية الأمر بالمسار الأساسي للجماعة الإسلامية، ومن هنا فإن هذه القضية المبدئية تقف عندها الجماعة الإسلامية لأن تحقيقها يأتي في مقدمة الطموحات التي تسعى الجماعة إلى تحقيقها مضحية في سبيل ذلك بكل جهد بذلته ولا زالت تبذله على الساحة الباكستانية لأنها تطالب تحكيم الشريعة ولا تطلب الحكم.

ولا بُدَّ من الإشارة هنا إلى أن محاولات كثيرة بذلت ولا زالت تبذل من أجل دفع الجماعة الإسلامية للصدام مع النظام عن طريق استدراج الشباب الإسلامي الذي يسيطر على اتحادات الطلاب بعد إلغاء هذه الاتحادات واعتقال بعض قياداته، ومن ثم قيام القوات المسلحة بضرب المعارضة الإسلامية، وكما يقول الأستاذ طفيل محمد أمير الجماعة الإسلامية «إن هذا المخطط الدروس رسمته كل من الهند وروسيا للإيقاع بباكستان ولهذا فقد صبرنا وعالجنا الوضع بحكمة ولم نفقد وعينا بل تحكمنا في أعصابنا ومنعنا الشباب من الاصطدام المباشر وهكذا خيبنا أمل أعداء الحركة الإسلامية».

الاستفتاء والنظام:

من المؤكد بعد ظهور نتيجة الاستفتاء أن الرئيس الباكستاني ضياء الحق قد كسب جولة جديدة لصالح النظام، ونحن هنا وإن كنا لا نعطي قضية الاستفتاء اهتمامًا كبيرًا لإيماننا بأن تطبيق الشريعة أكبر من أن يستشار بشأنها أو أن تجمع الأصوات للبدء بالتنفيذ، إلا أننا نحب أن نؤكد على أن تأييدنا لاتجاهات الرئيس الباكستاني أمر حتمي يتفق مع مبادئنا ومنطلقاتنا لأننا لم نؤمر بالكشف عما في قلوب الناس وليس لنا إلا الظواهر أما السرائر فأمرها إلى الله وحده، ولهذا فإننا نؤيد من غير تعلق ونساند من دون جزاء ونغض الطرف عن كل ما أصاب إخوتنا في الجماعة الإسلامية في سبيل تحقيق الهدف الأسمى الذي تسعى إليه الحركات الإسلامية أني وجدت.

ولكن لا بُدَّ لنا أن نشير إلى أن تطبيق الشريعة الإسلامية يحتاج إلى قاعدة قوية تساند كما يحتاج إلى قيادة مؤمنة صادقة تعمل من أجل تنفيذه وخاصة أن المخاطر المحيطة في باكستان والمتمثلة في الاتجاهات العدائية لكل من الهند وروسيا تقف متربصة تنتظر الفرصة السائحة للانقضاض على باكستان ومن ثم العمل على تجزئتها وإنهاء وجود هذه الدولة التي قامت على أساس إسلامي قبل ما يقرب من ٤٠ عامًا، والتجربة الأفغانية خير شاهد على حقيقة هذه التوجهات والاحتمالات.

ومن هنا فإننا وبدافع الحرص على باكستان المسلمة والشعب الباكستاني المسلم نرجو من الرئيس ضياء الحق أن يضع يده بيد أبناء الدعوة الإسلامية في باكستان ويمنحهم الثقة الكاملة، ويعطيهم حرية التحرك حتى يمكن بناء القاعدة المسلمة القوية التي تستطيع حماية البرامج الهادفة إلى تطبيق الشريعة وصيانة هذا التطبيق من أي عبث أو تعطيل أو.... فإن أعداء الداخل أشد خطورة من أعداء الخارج، وإن كل ما جرى على الأرض الباكستانية يؤكد على سلامة منطلقات واتجاهات وأساليب المعارضة الإسلامية.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل