; سؤال أهل الذكر | مجلة المجتمع

العنوان سؤال أهل الذكر

الكاتب د. عدنان علي رضا النحوي

تاريخ النشر السبت 29-ديسمبر-2001

مشاهدات 83

نشر في العدد 1482

نشر في الصفحة 56

السبت 29-ديسمبر-2001

جمع الله تعالى الذكر كله في رسالة محمد صلى الله وعليه سلم.. وأهل الذكر هم أمة الإسلام

البعض يسوغ لنفسه الاكتفاء بسؤال العالم دون النهوض إلى طلب العلم

مهمة العالم في الأمة لا تقف عند الإجابة عن السؤال

معنى الذكر في القران ثابت ومحدد.. ولا يصح أن نجعل من أصحاب مهنة ما أهل ذكر

قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 43)

والآية الثانية في سورة الأنبياء: قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (الأنبياء: 7)

وجاءت هذه الآيات كرد على الذين ينكرون بعثة الرسل من البشر، لإظهار أن الرسل هم بشر يحملون رسالة الله إليهم.

قال الضحاك عن ابن عباس: لما بعث الله محمداً رسولاً، أنكر العرب ذلك، أو من أنكر منهم، وقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشراً، فرد عليهم القرآن أبلغ رد في أكثر من موضع مع التأكيد والتكرار حتى تثبت القضية في النفوس، ويرتبط الرد مع كل آية بقضية من قضايا الرسل أو الدار الآخرة، أو الإيمان، أو واقع المكذبين، واستمع إلى هذه الآيات التي تعرض القضية كما تعرض دعوى الكافرين وترد عليهم:

﴿وَقَالُوا لَن نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنبُوعًا، أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا، أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا، أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا، أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ، وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ، قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا﴾ (الإسراء: 90-93).

هذا هو ادعاء الكافرين: إنهم لا يدركون ما معنى الرسول والنبي، ولا يدركون مهمته، ولا يدركون قبل ذلك كله جلال الألوهية، وإنما يفلتون لخيالهم المضطرب المريض العنان ليفتروا كل مرة قضية تكشف جهلهم وكفرهم وهوان حجتهم.

فبعد أن طلبوا من محمد طلبات التعجيز، ردهم إلى القول الحق وبيان مهمته، فقال: ﴿وَقُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا﴾. أثبت جلال الألوهية وتنزهها عما يفتريه الكافرون: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي﴾. هذه هي الحقيقة الأولى، ثم تأتي الحقيقة الثانية لتبين طبيعة الرسول ومهمته: ﴿هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا﴾.

ثم تمضي الآيات الكريمة تزيد القضية وضوحاً، وتزيد الرد حجة وحسماً: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَىٰ إِلَّا أَن قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَّسُولًا، قُل لَّوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَّسُولًا، قُلْ كَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ (الإسراء: 94-96).

وانظر كم هي ميسرة هذه الآيات الكريمة حتى تكون بياناً جلياً، وانظر كم هي الحجة قاطعة، ولكنها مع الكفر والقلوب المغلقة والآذان الصم أنى لها أن تدرك الحق.

ويظل الكافرون يثيرون هذه القضية ليلقوا على الرسل شبهة، وليلقوا بين الناس فتنة ليصدوا بذلك عن سبيل الله، وتتعدد وسائل التشكيك، وكلها ادعاء باطل لا حجة معه:

﴿وَقَالُوا مَالِ هَٰذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ، لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا، أَوْ يُلْقَىٰ إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا، وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا، انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ (الفرقان: 7-9).

نعم سقطت حجتهم وضلوا بها فلا يستطيعون سبيلاً، فالرسل بشر حقيقيون.

اصطفاهم الله لحمل رسالته إلى الناس، قام واقع مسيرة الأنبياء والرسل على إثباتها، وقام اتصال المسيرة في التاريخ البشري على إثباتها وإثبات صدق الرسالة، وجاءت الرسالة الخاتمة مصدقة لما بين يديها ومهيمنة عليه.

انحراف التصور

لعلها طبيعة في بعض النفوس البشرية أن تنحرف بتصوراتها إلى ظنون ووهم وخيال يغذيه فساد الفطرة والأهواء. يريدون أن يجعلوا من الرسل صورة ليست بشرية، ولو كان الرسل على أي صورة ما آمنوا بهم لأن منطلق الاعتراض هو الكفر والانحراف، ولقد كان انحراف التصور عند النصارى بالنسبة لعيسى ابن مريم انحرافاً واضحاً جعلوا منه إلهاً، أو ثالث ثلاثة، أو ابن الله. وما كان هذا الانحراف إلا استجابة للطبيعة المريضة والفطرة المنحرفة والتأثر بالوثنية اليونانية، ولذلك رد القرآن الكريم على هذا الانحراف وجعله كفراً.

قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ۖ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ۖ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ (المائدة: 72).

﴿ لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ۘ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۚ وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ (المائدة: 73).

هذه النزعة المنحرفة المريضة هي التي يحاربها الإسلام ويلح بحربها، ويضع الرسل في منزلتهم العادلة الأمينة فهم يبلغون رسالة الله إلى الناس. 

وفي كتاب الله عرض مفصل لمعنى الألوهية والربوبية، وعبودية الإنسان لله رب العالمين، وعرض مفصل للرسل ومهمتهم، حتى لا يكون هنالك خلط أو افتراء.

حقيقة الأنبياء والرسل

وجاءت الآيات تأكيداً لهذه الحقيقة، وتوضيحاً لمهمة الرسل وطبيعتهم، فأكدت أن الله لم يرسل إلا رجالاً، وأن الله يوحي إليهم فمن كان في شك من ذلك فليسأل اتباع الرسل: هل كان رسلهم بشراً أم لا؟ وسيجدون الإجابة واحدة هي أن الرسل كانوا بشراً.

فأهل الذكر تعني أصحاب الرسل الذين أنزل الله عليهم الذكر، فآمنوا بهم واتبعوهم، كالنصارى واليهود، فليسألوا: هل كان موسى بشراً أم لا، وكذلك سائر الأنبياء والرسل والمسلمين الذين ...الله فيهم، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ ۚ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِي وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة: 44).

نعم، يحكم بها النبيون الذين أسلموا، فقد كانوا كلهم مسلمين، يحكمون الأقوام بشرع الله المنزل عليهم. وهكذا تأتي الحجة القاطعة على كل مشكك ومفتر بأن يرجع إلى جميع الرسل السابقين ويسير في الأرض في تاريخ البشرية، فيسأل أتباعهم: هل كان رسلهم بشراً أم غير بشر؟

فالخطاب موجه إلى العرب الذين شككوا وأنكروا، وكذلك إلى كل مشكك منكر على مر التاريخ، لتظل هذه القضية واضحة جلية لا يتطرق إليها الغموض أو الشك.

أهل الذكر

فأهل الذكر هم القوم الذين أنزل الذكر على رسول فيهم، وكان لهم اتباع يمكن أن يسألوا، وقد جمع الذكر كله في رسالة محمد خاتم الأنبياء والمرسلين، وأمته هي الأمة المسلمة التي تحمل الذكر كله، فمن أراد أن يسأل اليوم أو غداً فليسأل الأمة المسلمة التي تحمل الذكر، لتقول لهم إن الأنبياء والرسل بشر.

فإن كان السائلون هم من أيام بعثة محمد فأهل الذكر هم أهل الكتب الماضية، وأما بعد أن قامت أمة الإسلام في الأرض، فأهل الذكر هم أمة الإسلام المعتدة، ويدخل فيها أهل الكتب السابقة الذين صدقوا بالذكر، ذلك أن هذه الآيات نزلت في زمن محدد لقضية محددة، ولكن حكمها ممتد مع الزمن كله. 

فبعد أن قامت أمة الإسلام فهي أهل الذكر. أمة الذكر، وهي التي تسأل عن هذه القضية إن ظهر سائل.

ثم يأتي قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 43). أي إن كنتم لا تعلمون الحكم في هذه القضية، الحكم الحق فتعلَّموا حتى لا تبقوا على جهل.

ويستخدم بعض الناس جزءاً من الآية: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 43)، في أمور أخرى كأنهم يقولون: إن كنت لا تعرف القرآن فاسأل من يعرفه، وإن كنت لا تعرف قضية رياضية، فاسأل المختصين العالمين، وإن كنت لا تعرف ثمن البضاعة فاسأل الخبراء. وذلك لقوله سبحانه: «فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ» «النحل: 43». وفي هذا الاستشهاد خطأ، فمن جهل شيئاً فليسأل العالمين به، فذلك أمر طبيعي، ولكن الدليل عليه ليس في هذه الآية الكريمة، ولو جعلناها دليلاً لأصبح معنى "أهل الذكر" معنى آخر غير ما قصدته الآية، وغير ما أجمع عليه المفسرون.

فلا يُعقل أن نجعل من أصحاب مهنة ما أهل ذكر، والذكر في القرآن معناه ثابت محدد، لا يمتد إلى المهن والعلوم التطبيقية أو غيرها.

وأما الاستعانة بالعلماء فهذا ثابت بالآيات والأحاديث، فهم ورثة الأنبياء إلا أن الاستعانة بهم وسؤالهم لا يقف عند السؤال فحسب، ولا تقف مسؤولية السائل عند السؤال وأخذ الجواب، فبعض الناس يستغلون هذه الآية ليسوغوا لأنفسهم الاسترخاء والاكتفاء بسؤال العالم، دون النهوض إلى مسؤولية طلب العلم الذي هو فرض على كل مسلم تهاون المسلمون فيه، وتخلى الكثيرون عنه.

واجب المسلم... والعالم

واجب المسلم أن ينهض لطلب العلم من الكتاب والسنة طلباً مستمراً ممتداً، ويسأل كلما احتاج إلى سؤال أثناء طلبه العلم، وكلما احتاج إلى فقه بسيط في قضية حكمها ثابت واضح بالكتاب والسنة، لا يستغرق الأمر معه إلا وقتاً قليلاً ليتعلمه، لا يتعب نفسه، ويكتفي بالسؤال تلو السؤال، ويمضي عمره وهو جاهل لا يتعلم ولا يفكر ولا يحمل أي مسؤولية.

وواجب العالم لا يقف عند حد الإجابة عن السؤال، فإن كان السؤال مما يجب على المسلم معرفته، نصح له ودعاه إلى أن ينهض ليتعلم دينه ولا يبقى على جهله. مهمة العالم أن ينشر روح العلم في الأمة، وأن يحيي العزائم حتى لا تبقى على هوانها واسترخائها، وأن يرفق مع الفتوى أو الإجابة عن الأسئلة نصحاً يحتاجه المسلمون، وأهمه: طلب العلم فريضة على كل مسلم.

كثيرون من المسلمين اليوم، يبحثون عن أي مسوغ لبقائهم على جهلهم، فمنهم من يقول: "العلم للعلماء، وما لي أنا أن أتعب نفسي بدراسة القرآن، حسبنا أن العلماء يدرسونه، وأنا أكتفي بدراسة العلوم كالهندسة والطب وغيرها، ولست مكلفاً أن أدرس ديني والكتاب والسنة واللغة العربية".

وهي قضية تمس حقيقة الإيمان والتوحيد سواء كان ذلك من حيث

 فهم الرسل ومهمتهم، أو فهم الذكر الحق، أو أهله، أو فهم مسؤولية المسلم اليوم.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 42

105

الثلاثاء 05-يناير-1971

لعقلك وقلبك (42)

نشر في العدد 213

104

الثلاثاء 13-أغسطس-1974

واقع مَرير