; رحل أبيولا بعد أباشا:هل تستريح نيجيريا من حكم العسكر؟ | مجلة المجتمع

العنوان رحل أبيولا بعد أباشا:هل تستريح نيجيريا من حكم العسكر؟

الكاتب محمود الخطيب

تاريخ النشر الثلاثاء 21-يوليو-1998

مشاهدات 77

نشر في العدد 1309

نشر في الصفحة 47

الثلاثاء 21-يوليو-1998

تأتي وفاة زعيم المعارضة النيجيرية مسعود أبيولا في ظل ضغط دولي على الحكومة العسكرية لكي تتنحى، وتعيد الحياة المدنية إلى سابق عهدها في أكبر بلد أفريقي تجاوز عدد سكانه ١٠٤ ملايين نسمة، ٦٠% منهم مسلمون، وظن المجتمع الدولي أن الأزمة في نيجيريا قد انحسرت مع وفاة الدكتاتور ساني أباشا في ظروف غامضة في الثامن من الشهر الماضي، إلا أن وفاة مسعود أبيولا في سجنه في ظروف غامضة أيضًا يوم الثلاثاء 7 من يوليو، وهو الذي ما زال حتى ساعة وفاته يصر على أنه الرئيس الشرعي لنيجيريا بناءً على انتخابات عام ١٩٩٣م، قد أعادت نيجيريا إلى دائرة الغموض حول مستقبل حكم العسكر فيها.

وكان مسعود أبيولا قد خاض انتخابات ۱۲ من يونيو ۱۹۹۳م التي قيل إنها أول انتخابات نزيهة في تاريخ نيجيريا، وأعلن عن فوزه بها، لكن الرئيس الأسبق إبراهيم بابانجيدا اعتبرها غير صحيحة، وصرح بحدوث تلاعب بها، وكانت تلك هي المرة الثانية التي تجرى فيها انتخابات في عهد الرئيس بابانجيدا، حيث أجريت الأولى عام ١٩٩٢م، إلا أن حكومة بابانجيدا ألغتها، وفي أعقاب إلغاء نتيجة انتخابات عام ۱۹۹۳م عمت البلاد اضطرابات ومظاهرات واسعة، نتج عنها مقتل المئات من المتظاهرين، واعتقال كثير من النشطاء السياسيين، ودعاة حقوق الإنسان، واضطر الرئيس بابا نجيدا إلى الاستقالة في شهر أغسطس عام ١٩٩٣م، وعين مكانه إيرنست شونيكان، وهو شخصية مدنية، لكن حكم هذا الأخير لم يدم أكثر من ثلاثة شهور، حيث أزاحه الجنرال أباشا في الأول من نوفمبر ۱۹۹۳م، وكان أباشا وزيرًا للدفاع في حكومة بابانجيدا، ويعتقد بأنه شارك في انقلابين عسكريين سابقين في عامي ۱۹۸۳م و١٩٨٥م.

أكثر الرؤساء شهرة

ويعتبر الجنرال أباشا أكثر رؤساء نيجيريا شهرة في تاريخ نيجيريا بسبب سجله الحافل بالأعمال الوحشية، والإعدامات التي نفذها ضد معارضيه ودعاة حقوق الإنسان، وكان المرشح الرئاسي الفائز في انتخابات عام ١٩٩٣م مسعود أبيولا أهم ضحاياه، حيث زج به في السجن في ١٢ يونيو ١٩٩٤م، بعد مضي عام كامل على الانتخابات التي ألغاها بابانجيدا، بعد أن أحيا أبيولا تلك الذكرى ليعلن أنه كان الفائز في انتخابات الرئاسة الأخيرة!

الدكتاتور الجنرال أباشا توفي الشهر الماضي وهو مازال حاكمًا، وعلى الرغم من الرواية الرسمية التي أعلنها خليفته في الحكم الجنرال عبد السلام أبو بكر، والتي زعمت بأن أباشا توفي بالسكتة القلبية، إلا أن بعض التقارير الغربية تورد روايات أخرى عن سبب الوفاة، فحسب تقرير بثته شبكة التلفزيون الأمريكي «إن بي سي» مات ساني أباشا مسمومًا «عن طريق دس السم له في كأس من شراب البرتقال أثناء سهرة ماجنة مع ثلاث مومسات» وكانت قد دارت شائعات أيضًا بأن أباشا توفي بسبب أزمة قلبية داهمته بعد تناوله لحبوب الفياجرا!

ومن غير المستبعد أن تكون وفاة أبيولا جنائية هي الأخرى في ظل تصارع وتناحر مراكز القوى السياسية والعسكرية، في بلد لم يعرف الهدوء والاستقرار منذ استقلاله عن الاستعمار البريطاني عام ١٩٦٠م، وتمزق البلاد النزاعات القوية بين قبائل الشمال والجنوب، حيث يهيمن أهل الشمال الفقير بموارده الطبيعية على أهل الجنوب الغني بالنفط والمعادن الأخرى منذ استقلال نيجيريا، وقد سبق لنيجيريا أن عانت من حرب أهلية طاحنة في الستينيات، بعد أن حاول الجنوبيون الانفصال عن الشمال، وذهب أكثر من مليون شخص ضحية لتلك الحرب، ويدور الصراع والتنافس أساسًا بين قبيلتي اليوروبا الجنوبية وهوسا الشمالية التي ينتمي إليها غالبية حكام نيجيريا منذ استقلالها.

توفي مسعود أبيولا الذي ينتمي إلى قبيلة اليوروبا في سجنه بعد أسبوع واحد على لقائه مع الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة كوفي عنان، ولفظ أنفاسه الأخيرة أثناء لقائه وفدًا أمريكيًّا برئاسة توماس بيكرينغ- مساعد وزيرة الخارجية أولبرايت- بحضور مسؤولين نيجيريين جاؤوا ليفاوضوه على شروط إفراج عنه كان محتملًا، وعندما عاد كوفي عنان إلى نيويورك من زيارة رسمية لنيجيريا أعلن أن الرئيس الجديد الجنرال عبد السلام أبو بكر قد وعده بالإفراج عن السجناء السياسيين، ومنهم أبيولا في وقت قريب، وأكد عنان أنه التقى أبيولا قبل وفاته بأسبوع، وكان يبدو في صحة جيدة، وأضاف أن أبيولا كان معزولًا عن العالم الخارجي منذ اعتقاله عام ١٩٩٤م، لدرجة أنه لم يكن يعرف بأن الرجل الذي يزوره هو كوفي عنان أمين عام الأمم المتحدة، ويقول عنان: «دخلت السجن وصافحته، وسألني ماذا جرى للمصري؟!» في إشارة إلى الأمين العام السابق بطرس غالي، ويقول توماس بيكرينغ عن آخر لحظات أبيولا: «كان يبدو مشرقًا متعافيًا في بداية اللقاء، لكنه طلب كوبًا من الشاي، وبعد أن شربه بدأ يتنفس بصعوبة.

ثم غادر أبيولا الغرفة، وعندما عاد مرة أخرى كان يبدو مكتئبًا، وطلب دواء لتهدئة السعال والألم، ثم جلس على كرسي، وخلع قميصه، وطلب فتح النوافذ لتهوية الغرفة، وبعد لحظات عاد يسعل بشدة، وخرجت روحه وهو كذلك».

 وقد رفضت عائلة أبيولا الرواية الرسمية حول وفاته، وطالبت بحضور لجنة طبية أجنبية لتشريح الجثة، الأمر الذي استجابت له حكومة الرئيس أبوبكر، وقام فريق طبي برئاسة الأمريكي الدكتور جون بليس وعضوية أطباء شرعيين من كندا وبريطانيا بتشريح الجثة، وخرج التقرير الأولي يوم 11 من يوليو ليعلن أن الوفاة كانت طبيعية، وقرر الفريق الطبي أن الوفاة حدثت لأسباب طبيعية بسبب مرض القلب الذي يعاني منه منذ فترة طويلة، واستبعد الفريق تمامًا أن يكون أبيولا قد توفي مسمومًا، لكن عينات من أنسجته ارسلت لفحصها في مختبرات بريطانية وكندية، حسب ما أعلنه الفريق الطبي للتأكد من سبب الوفاة.

اغتيال زوجته

وكانت إحدى زوجاته وتدعى «قديرات»، قد اغتيلت على أيدي عسكر أباشا عام ١٩٩٦م بعد محاولتها إطلاق سراح زوجها من خلال منظمات حقوق الإنسان العالمية، وقد اندلعت أعمال عنف ومظاهرات في عدد من المدن والمناطق النيجيرية في أعقاب الإعلان عن وفاة أبيولا، ذهب ضحيتها حوالي ٦٠ مدنيًا من أنصاره، كما اعتقلت السلطات النيجيرية أكثر من ٤٠٠ من المتظاهرين.

الرئيس الجديد أبو بكر- وهو من الشمال أيضًا- وعد بالعودة إلى الحياة المدنية خلال الشهور القريبة القادمة، يعتقد أنه شهر أكتوبر القادم، وهو الموعد الآخر الذي كان الجنرال أباشا قد حدده لإجراء انتخابات عامة في البلاد، وكان أول قرار اتخذه الجنرال أبو بكر عقب توليه الرئاسة إقالة الحكومة التي كانت تتألف من ٢٤ وزيرًا من المدنيين والعسكريين، ويعتقد محللون نیجیريون بأن على الرئيس الجديد أن يتحرك بسرعة باتجاه إعادة نيجيريا إلى العهد المدني، إن كان يريد الإبقاء على الدعم والتأييد الذي يحصل عليه بشكل متزايد منذ مجيئه إلى الحكم الشهر الماضي، وقد بدأ أبو بكر باتخاذ خطوات نحو الحكم المدني، حيث أطلق سراح العشرات من السجناء السياسيين الذين صدرت ضدهم أحكام بالإعدام والسجن المؤيد في عهد الدكتاتور أباشا.

وتبدو احتمالات استقرار الأوضاع في البلد الإفريقي الغني بالنفط ضعيفة في ظل وجود أكثر من ۲۰۰ مجموعة عرقية في البلاد، وفي ظل الفرز الإقليمي والطبقي فيها، ومنذ استقلالها لم تعرف نيجيريا الحكم المدني إلا لعشر سنوات متقطعة، ويعتقد العسكر بأن وجودهم في الحكم كان العامل الرئيس الذي أبقى على نيجيريا موحدة.

الرابط المختصر :