العنوان فقه الزكاة (399)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 13-يونيو-1978
مشاهدات 95
نشر في العدد 399
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 13-يونيو-1978
كيف يزكي التاجر ثروته التجارية؟
الثروة التي يستغلها التاجر في تجارته، لا تخلو أن تتخذ صورة أو أكثر من الصور الثلاث الآتية:
1- فإما أن تكون الثروة التجارية في صورة عروض وبضائع اشتراها التاجر بثمن ما، ولم تبع بعد.
2- أو تكون في صورة نقود حاضرة يحوزها في يده فعلًا، أو تحت تصرفه كالتي يضعها في البنوك لحسابه.
3- أو تكون في صورة ديون له على بعض العملاء أو غيرهم مما تقتضيه طبيعة التجارة والتعامل، ولا شك أن من هذه الديون ما هو ميؤوس منه، ومنها ما هو مرجو الحصول، ولا ننسى هنا أن التاجر كما يكون له ديون على الآخرين، قلما يخلو أن يكون هو أيضًا مدينًا للآخرين.
فكيف يخرج التاجر المسلم زكاة هذه الثروة بمختلف صورها؟ من خلاصة أقوال الفقهاء يتبين لنا أن على التاجر المسلم –إذا حل موعد الزكاة- أن يضم ماله بعضه إلى بعض رأس المال والأرباح والمدخرات، والديون المرجوة، فيقوم بجرد تجارته، ويقوم قيمة البضائع إلى ما لديه من نقود، سواء استغلها في التجارة أم لم يستغلها، إلى ما له من ديون مرجوة القضاء، غير ميؤوس منها، ويخرج من ذلك كله ربع العشر 2.5 بالمائة.
وأما الدين الذي انقطع الرجاء فيه فنرجع للرأي القائل بأن لا زكاة فيه إلا إذا قبضه، فيزكيه لعام واحد، وأما ما عليه من ديون فإنه يطرحها من جملة ماله، ثم يزكي ما بقي.
العروض الثابتة لا تزكى:
والمعتبر في رأس مال التجارة الذي يجب تزكيته، هو المال السائل، أو رأس المال المتداول، أما المباني والأثاث الثابت للمحلات التجارية ونحوه مما لا يُباع ولا يُحرك، فلا يُحتسب عند التقويم، ولا تخرج عنه الزكاة، فقد ذكر الفقهاء، أن المراد بعرض التجارة هو ما يعد للبيع والشراء لأجل الربح، بدليل حديث سمرة كان صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نخرج الصدقة مما نعده للبيع.
بأي سعر تقوم سلع التجارة عند إخراج الزكاة:
بعد طرح الأثاث الثابت ونحوه، مما لا يُعد للبيع، يجب تقويم السلع والبضائع التي حال عليها الحول، ووجبت فيها الزكاة.
ولكن بأي سعر يقومها التاجر، أو المصدق الراجح هو ما عليه الجمهور من تقويم السلعة عند الحول بسعر السوق، والمراد سعر الجُملة، لأنه الذي يمكن أن تُباع به عند الحاجة بيسر.
هل يخرج التاجر زكاته من عين السلعة أم قيمتها؟
بعد تقديم السلعة التجارية يبقى أن نعرف: مم يخرج التاجر زكاته؟ هل يجوز أن يخرجها جزءًا من البضاعة التي عنده، أم يخرجها نقودًا بقيمة الواجب؟ في ذلك عدة أقوال: فيرى أبو حنيفة والشافعي في أحد أقوالهما: أن التاجر مخير بين إخراج الزكاة من قيمة السلعة، وبين الإخراج من عينها، فإذا كان تاجر ثياب يجوز أن يخرج من الثياب نفسها كما يجوز أن يخرج من قيمتها نقودًا وذلك أن السلعة تجب فيها الزكاة فجاز إخراجها من عينها، كسائر الأموال.
وهناك قول ثان للشافعي: إنه يجب الإخراج من العين ولا يجوز من القيمة. وقال المزني: إن زكاة العروض من أعيانها لا من أثمانها.
وقال أحمد والشافعي –في القول الآخر-: بوجوب إخراج الزكاة من قيمة السلعة لا من عينها، لأن النصاب في التجارة معتبر بالقيمة، فكانت الزكاة منها كالعين في سائر الأموال.
قال في المغني: ولا نسلم أن الزكاة وجبت في المال، وإنما وجبت في قيمته وهذا الرأي الأخير هو الذي نرجحه نظرًا لمصلحة الفقير، فإنه يستطيع بالقيمة أن يشتري ما يلزم له. أمّا عين السلعة فقد لا تتفق، فقد يكون في غنى عنها، فيحتاج إلى بيعها بثمن بخس.
ويمكن العمل بالرأي الأول في حالة واحدة، أن يكون التاجر هو الذي يخرج زكاته بنفسه، ويعلم أن الفقير في حاجة إلى عين السلعة، فقد تحققت منفعته بها، والمسألة دائرة على اعتبار المصلحة وليس فيها نص.
زكاة الثروة الزراعية:
زكاة الخارج من الأرض من زرع وثمر ثابتة –في الجملة بالكتاب والسنة والإجماع والمعقول كما قرر العلماء- فأي هذه الحاصلات الزراعية يجب فيها الزكاة المعلومة - العشر أو نصفه؟ أتجب في كل ما يخرج من الأرض أم بعضه؟ وما هذا البعض؟ وما وجه تخصيصه؟ اختلفت المذاهب في ذلك اختلافًا بينا.
والراجح هو مذهب أبي حنيفة الذي هو قول عمر بن عبد العزيز ومجاهد وحماد وداود والنخعي: إن في كل ما أخرجت الأرض الزكاة فهو الذي يعضده عموم النصوص من القرآن والسُّنّة، وهو الموافق لحكمة تشريع الزكاة.
النصاب في زكاة الزروع والأثمار: نصاب الحبوب والثمار:
جاءت الأحاديث الصحيحة بتقرير النصاب في الحبوب والثمار بخمسة أوسق. وأجمع الععلماء أن الوسق ستون صاعًا، فالأوسق الخمسة ثلثمائة صاع، وقد روي في ذلك حديث مرفوع –الوسق ستون صاعًا، ولكن الحديث ضعيف- والاعتماد في هذا التقدير على الإجماع الذي نقله ابن المنذر وغيره.
مقدار الصاع:
القول الصحيح الذي تعضده البراهين كلها هو قول أهل الحجاز ومن وافقهم أن الصاع خمسة أرطال وثلث، والمد ملء كف الإنسان المعتدل.
نصاب الحبوب والثمار بالمقاييس المصرية:
ما دام قد ثبت لنا كل من الصاع والمد بالأرطال، فمن الممكن أن نعرف مقدارها بأي مقياس آخر، بالأرطال المصرية أو بالدراهم أو الجرامات أو اللترات، إذ أن النسب بين هذه الأمور ثابتة.
نصاب غير المكيلات:
الراجح من الأقوال هنا هو اعتبار القيمة فيما لا يوسق ولا يُكال، لأنه مال زكوي لم ينص الشرع على نصابه فاعتبر بغيره، وإذا كان لا بد من اعتبار النصاب بغيره، فليعتبر بقيمة ما يوسق للنص عليه.
متى يعتبر النصاب:
والنصاب إنما يُعتبر بعد الجفاف في الثمار، أي بعد أن يصير الرطب تمرًا والعنب زبيبًا وبعد التصفية والتنقية من القشر المزروع.
المقدار الواجب وتفاوته:
كل ما سقي بكلفة ومؤنة من دالية أو ساقية أو دولاب أو ناعور أو غير ذلك ففيه نصف العشر، وما سُقي بغير مؤنة ففيه العشر، للأخبار الواردة، ولأن الزكاة إنما تجب في المال النامي، وللكلفة تأثير في تقليل النماء، فأثرت في تقليل الواجب.
هل يُعتبر الجهد في غير السقي للدود:
بقي النظر فيما إذا ثقلت المؤنة بسبب آخر غير سقيه بالآلات ونحوها كأن يحتاج إلى حفر الترع والمصارف والقنوات ونحو ذلك.
والذي أفاد بعض العلماء أن حفر الأنهار والقنوات، لا يؤثر في نقصان الزكاة، وعللوا ذلك بأنه من جملة إحياء الأرض ولا يتكرر كل عام.
تقدير الواجب بالخرص:
سن رسول الله صلى الله عليه وسلم في النخيل والأعناب تقدير النصاب ومقدار الواجب فيها بالخرص دون الكيل أو الوزن.
ومعنى الخرص في اللغة: الحزر والتخمين، فهو إذًا تقدير ظني يقوم به رجل عارف مجرب أمين وذلك إذا بدا صلاح الثمار، فيحصي الخارص ما على النخيل والأعناب من الرطب والعنب ثم يقدره تمر أو زبيب، ليعرف مقدار الزكاة فيه، فإذا جفت الثمار أخذ الزكاة التي سبق تقديرها منها.
هل يخرص غير النخيل والأعناب:
الجمهور على ألا يخرص غير النخيل والكرم، وقال بعضهم يجوز الخرص في الزيتون لأنه ثمر تجب فيه الزكاة ويخرص كالرطب والعنب.
والذي نرجحه: أن يكون مدار الجواز هو إمكان الخرص والحاجة إليه وأن يترك الرأي فيه لأهل الاختصاص والخبرة.
وعلى الخارص أن يترك في الخرص الثلث أو الربع توسعةً على أرباب الأموال.
اقتطاع الديون والنفقات وتزكية الباقي هل يدفع قدر الدين والنفقة من الخارج ويزكي الباقي؟
أما الدين الذي يكون على رب الزرع والثمر فهو نوعان:
منه ما يكون لأجل النفقة على الزرع - كما إذا استدان في ثمن البذر والسماد أو أجرة العُمال ونحو ذلك من النفقات.
ومنه ما يكون لأجل نفقة صاحب الزرع على نفسه وأهله. فما الحكم في كلا الدينين اتفق ابن عباس وابن عمر على قضاء الدين الذي أنفقه على الأرض والثمرة وزكاة الباقي فقط واختلفا في الدين إذا كان على نفسه وأهله.
زكاة الأرض المستأجرة:
مالك الأرض إما أن يزرعها بنفسه إن كان من أهل الزرع، وهذا أمر محمود شرعًا، فزكاة ما يخرج منها –عشر أو نصف العشر- لأن الأرض أرضه والزرع زرعه.
وإما إن أعار الأرض لغيره فالزكاة على الزارع.
وإما أن زراعه عليها مزارعة صحيحة بربع ما يخرج منها أو ثلثه أو نصفه –حسب اتفاقهما- فالزكاة على كل واحد من الطرفين في حصته إذا بلغت النصاب.
أما إن أجرها بالنقود أو بشيء معلوم فقال بعضهم العشر على المالك بناء على أن الأصل عنده وذهب الجمهور إلى أن العشر على المستأجر لأن العشر من الزرع لا حق الأرض، والمالك لم يخرج له حب ولا ثمر.
زكاة العسل:
اختلف الرأي فيه بين الموجبين والمانعين، والذي نختاره في ذلك أن العسل مال ويبتغى من ورائه الفضل والكسب فهو مال تجب فيه الزكاة.
مقدار الواجب:
اتفق الموجبون لزكاة العسل على أن الواجب فيه العشر، للأثار الواردة وقياسًا على الزرع والثمر.
والذي نرجحه أن يؤخذ العشر من صافي إيراد العسل، أي بعد رفع النفقات والتكاليف.
نصاب العسل:
الراجح عندنا أن يقدر النصاب بقيمة خمسة أوسق أي 653 كيلو جرامًا أو 50 كيلة مصرية من أوسط ما يوسق كالقمح، باعتباره قوتًا من أوسط الأقوات العالمية.
المنتجات الحيوانية كالقز والألبان ونحوهما:
نرى أن نعامل المنتجات الحيوانية كالألبان وملحقاتها معاملة العسل، فيؤخذ العشر من صافي إيرادها وهذا في الحيوانات غير السائمة التي تتخذ للألبان خاصة، ما لم تعتبر الحيوانات نفسها ثروة تجارية.
والقاعدة التي نخرج بها هنا: أن ما لم تجب الزكاة في أصله، تجب في نمائه وإنتاجه، كالزرع بالنسبة للأرض، والعسل بالنسبة للنحل والألبان بالنسبة للأنعام، والبيض بالنسبة للدجاج، والحرير بالنسبة للدود.