; أدب(العدد864) | مجلة المجتمع

العنوان أدب(العدد864)

الكاتب المحرر الثقافي

تاريخ النشر الثلاثاء 26-أبريل-1988

مشاهدات 62

نشر في العدد 864

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 26-أبريل-1988

 

همسات إلى عرب سات

شعر: إسماعيل محمد صباح

 

أرسلتُ سلامًا وتحيةً

ومشاعر حبٍّ قلبيةْ

وهمستُ بأذن "عرب سات"

بعض الهمسات الوديةْ

 

قمر الأعراب تُبصِرُنا

بأمور ذات أهميةْ

كرة وفنون وسباق

لخيول- النصر- العربيةْ

 

للكون تبث مباراةً

رغم الأحوال الجويةْ

من كل الدنيا تنقلها

عبر الشاشات الفضيةْ

 

يا قمري هلَّا تنقلنا

يومًا للضفة الغربيةْ؟

لنُشاهد طفلًا يتحدى

بالصدر رصاص الدوريةْ

 

ونُشاهد ما يجري فيها

من إجراءاتٍ قمعيةْ

فاسمع يا قمري موعظةً

فيها وصفاتٌ طبيةْ

 

إن كانت عينك عن وطني

فيها رمدٌ وحساسيةْ

فابحث عن شيءٍ يشفيها

حتى لا تصبح معميةْ

 

لا تغضب يا قمري مِنِّي

إن قلتُ حقائق مخفيةْ

واللهِ بأنك ممنوعٌ

أن تعرف أصلًا وهويةْ

 

لا تنقل خبرًا ينفعنا

حتى الأرصاد الجويةْ

يأتينا خبر عن مطرٍ

فتثور عواصف رمليةْ

 

عذرًا يا قمري إن كانت

كلماتي فيها سخريةْ

-عربي أنت- ستغفر لي

هفواتٍ جاءت عفويةْ

 

وستكتب عني تقريرًا

لحساب الإمبرياليةْ

تخبرها أن أناشيدي

فيها كلماتٌ ثوريةْ

 

كي تطلب عقد محاكمتي

بقضية شعر أمنيةْ

 

عندما يبلغ الشاعر حد الإفلاس

يبدو أن نزار قباني ما زال مُصرًّا على امتطاء صهوة الشعر، ومصرًّا أيضًا على حمل الراية التي حملها قبل ثلاثين عامًا. وما دامت الثورة الفلسطينية قد انطلقت على بركة الله، فلا بد لنزار من أن يكون ملتزمًا بهذه الثورة، وأن يأخذ دوره -في طابور- الشعراء قبل أن ينتهي الموقف ويفوته القطار.

 

ولقد قرأت له قصيدة «الغاضبون» في جريدة القبس التي قدمت لها تقديمًا حارًّا، وأشارت إلى أنها القصيدة الثانية للشاعر في الموضوع نفسه.. وأن الشاعر قد آثر القبس بها فأرسلها إليها بخط يده.

 

ولنكن أمناء، بعيدين عن الهوى، ولننظر في القصيدة من أجل استكناه أغوارها، والعثور على مفاتيحها الفنية ودرجة تحققها أو تفردها. فالقصيدة تخاطب أطفال غزة الباسلة، إذ يقول:

 

يا تلاميذ غزة علِّمونا

بعض ما عندكم فنحن نسينا

علِّمونا بأن نكون رجالًا

فلدينا الرجال صاروا عجينا

 

ثم:

 

يا تلاميذ غزة لا تعودوا

لكتاباتنا ولا تقرؤونا

نحن آباؤكم فلا تُشبهونا

نحن أصنامكم فلا تعبدونا!!

نحن موتى لا يملكون قبورًا

ويتامى لا يملكون عيونًا

 

ويسترسل الشاعر في النسج على هذا المنوال، وتوليد الأفكار الجزئية من الفكرة الأساسية، فكرة السخط على الواقع، وشتمه، ولعنه، فيصفنا تارة بالجرذان التي تؤثر جحورها، وتارة بالموتى الذين لا يملكون قبورًا، وتارة باليتامى الذين لا يملكون عيونًا.. وأتساءل: ما علاقة اليتامى بالعيون، وأية قيمة فنية في هذا التركيب: "ويتامى لا يملكون عيونًا"؟ ولعل الكلمة المناسبة بدلًا من "يتامى" قد أخطأت الشاعر، ففقد الشطر قيمته الجمالية، بل على العكس، صدم ذوق القارئ، وخلخل السياق كله.

 

ولنرجع عشرين عامًا إلى الوراء، ولنقرأ قصيدة نزار الشهيرة «على هامش دفتر النكسة». ماذا يقول فيها؟ إنه يقول:

 

يا أيها الأطفال لا تقرؤوا أخبارنا، لا تقتفوا آثارنا، فنحن جيل الزار والنعاس ونحن جيل الدجل والرقص على الحبال.

 

ويقول في قصائد أخرى بعدها: مقموعون، مقموعون أو مهزومون، مهزومون إلخ.. أو نحن جيل الحشيش والأفيون، والقات إلى آخر القائمة النزارية المعروفة. وأعود لأطرح السؤال الجديد: ماذا أضاف الشاعر في قصيدته الجديدة بعد رحلة عشرين عامًا؟ وأين التطور الفني؟ أين الأرض الإبداعية الجديدة التي كسبها والأفق الذي ارتاده؟

 

ولا أريد أن أتوقف كثيرًا عند هذا الجانب، بل أريد أن أسترسل مع الشاعر في قصيدته إذ يقول:

 

أمطرونا بطولة وشموخًا

واغسلونا من قبحنا، اغسلونا

لا تخافوا موسى ولا سحر موسى

واستعدوا لتقطفوا الزيتونا

 

أستغفر الله، فنزار يقول تمامًا كما يقول فرعون وأتباعه: «إن موسى -عليه السلام- ساحر». كما أنه يجعل من موسى -عليه السلام- عدوًا لنا. قال تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾ (الأعراف: 109)، وقال أيضًا: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ * إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ (هود: 96-97)، وقال سبحانه: ﴿وَإِذْ نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰ أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ (الشعراء: 10-11).

 

فكيف يجعل نزار إذًا من موسى -عليه السلام- عدوًا لنا ويطلب من الأطفال ألا يخافوه! ويضيف أنه ساحر «ولا سحر موسى»؟

 

أليست هذه غيبوبة فكرية، وتخلفًا مدهشًا؟ وهل هناك طفل مسلم في أي صقيع من أصقاع الأرض، عرف أبجدية الإسلام، يجهل هذه الحقيقة؟!

 

وإذا كان نزار لا يقصد هذا المعنى، فماذا يقصد إذًا؟ ولماذا استخدم لفظ «موسى» بالذات رمزًا لأي معنى يرمي إليه؟

 

والذي قرأ نزارًا، وأزعم أنني قرأت جلَّ ما كتب بحكم اهتمامي، يستغرب منه مثل هذه الشطحات. فنزار هو نفسه الذي قال في عبد الناصر بعد وفاته: «قتلناك آخر الأنبياء»، وهو نفسه الذي قال في زوجته: «أيتها الرسولة»، وهو نفسه الذي قال في قصيدة أخرى: «لأكون ربًّا أو أكون رسولًا».

 

ويبدو أن الشاعر يَحِنُّ إلى عهد الأصنام وعبادة الأصنام حين قال: "نحن أصنامكم فلا تعبدونا".

 

إن الشاعر لم يقدم جديدًا على مستوى الصياغة، أو على مستوى الإضافة الفنية الجادة، ولكنه أضاف الكثير على مستوى الخروج عن الإسلام، والتطاول على مبادئه وقيمه، والسباب والشتائم والتجديف.

 

وإنني لأعجب والثورة المباركة في أرض الإسراء والمعراج قد انطلقت من المساجد وشحنتها المنابر، وكانت الأيدي التي تقذف الحجارة والتي يتاجر على حسابها نزار وغير نزار طاهرة بالوضوء، كما كانت الحناجر لا ترفع إلا شعارات الإسلام من تهليل وتكبير، وتستلهم الثورة في كل خطوة تخطوها، نبع القرآن العظيم، وهدي سيد المرسلين، وترفع راية الاستشهاد رمزًا للمرحلة بعد أن سقطت كل الرايات.

 

أقول: بعد كل هذا يأتي نزار ليتغزل بالأصنام ويقول قولته المنكرة: «لا تخافوا موسى ولا سحر موسى!!». وكأن نزارًا لا يريد أن يقتنع أن الإسلام هو الذي بدأ يقود المرحلة، ويوجه دفة الأحداث، ويطلق الطاقات الكامنة في هذا الشعب، وما زال يسخر بكل تعاليم الإسلام وتأخذه العزة بالإثم ويتحرج من ذكر شيء من هذا أو الاعتراف به، كأن في فمه ماء وفي أذنه وقرًا. ولم أقرأ في تاريخنا الشعري المعاصر شاعرًا يتجرأ على مقدسات الإسلام -الإسلام فقط- ويسخر من مبادئه وتعاليمه وقيمه مثل نزار. وإذا أراد القارئ الكريم التحقق مما أقول فليرجع إلى دواوينه من «طفولة فهد» وحتى «أشهد أن لا امرأة إلا أنت». وقد يسأل سائل: وما سر هذه الضجة حول نزار، وما سر احتفال كثير من الصحافة الأدبية بما يكتب؟

 

وأقول بكل بساطة ووضوح وإيمان:

 

إن نزارًا وجد في مرحلة ابتعد فيها الجيل عن الله تعالى، وأن الجيل الذي يلهث وراء نزار هو جيل بلا عقيدة ودون اتجاه، جيل بلا معوقات وبلا هوية وبلا انتماء، جيل القش أو الغثاء، فهو لا يقيم للإسلام وزنًا هذا من جهة. ومن جهة ثانية، فإن نزارًا قد أتقن فن الشتم واللعن والتنديد والتطاول على هذه الأمة بدعوى حرية الشاعر، ولا ينال من هذه الأمة إلا أعز ما تملك: عقيدتها ومثلها العليا. ولهذا وجد في مرابع لبنان جمهوره الذي ما زال يبكي عليه، ولا أريد أن أتكلم عن طبيعة هذا الجمهور فالقارئ الكريم يعرف ذلك تمامًا. ولكنني أسأل نزارًا: لماذا أيها الشاعر الكبير وأنت تهدم كل شيء، وتلعن كل شيء، وتلغي كل شيء، لماذا لا تقدم البديل؟ إنك تقول لنا: «أنتم مرضى، مقموعون، مسكونون بالخوف والهزيمة، جيل متخوِّن معطوب، أن باطن الأرض خير لكم من ظهرها، إلخ..».

 

وتسألك: وما الحل؟ ما البديل؟ أعطنا حبة أسبرين واحدة تخفف صداعنا وآلامنا، أضئ لنا شمعة واحدة تدلنا على الطريق.. فهل نكتفي منك بلعن الظلام دون إشعال شمعة واحدة؟

 

إن نزارًا بطبيعة الحال، لا يملك جوابًا عن هذا السؤال، لأن فاقد الشيء لا يعطيه. إلا أن الجواب هناك في المخيمات الفلسطينية في غزة ونابلس والخليل، حجارة أطلقها الإسلام وراية لا تمجد إلا الرحمن وآيات قرآنية تنطلق من الشفاه الظامئة للنور، وجباه أضاءها السجود لله سبحانه. هل يقتنع نزار بهذا الواقع؟

 

أم أنه ما زال يعاني من غيبوبة الفكر فلا يرى سوى الأصنام ولا يملك سبيلًا لكسب القطيع واستجداءه، إلا مطر السباب واللعنات والتطاول والتنكر، تلك القائمة السوداء التي يجترها منذ ثلاثين عامًا وهو يعتقد أنه يحسن صنعًا. ونزار نفسه هو القائل: إن الجمهور العربي ما هو إلا قطيع فما عليك إلا أن تلوِّح له بالرداء الأحمر حتى يهيج. فنزار ما زال يلوح بهذا الرداء الأحمر، ولكن إلى متى يبقى الجمهور قطيعًا؟ إنني لا ألوم نزارًا بقدر ما ألوم جريدة القبس -جعلها الله قبسًا إسلاميًّا ساطعًا- وهي التي سمحت بنشر هذه القصيدة على صفحاتها.

 

أبو حسان

 

 

 

 

 

 

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 116

124

الثلاثاء 05-سبتمبر-1972

بريد القراء (116)

نشر في العدد 184

89

الثلاثاء 22-يناير-1974

نزار قباني وقصته مع الشعر