; مصر: بعد الأحكام القضائية التي أكدت بطلان الانتخابات | مجلة المجتمع

العنوان مصر: بعد الأحكام القضائية التي أكدت بطلان الانتخابات

الكاتب بدر محمد بدر

تاريخ النشر الثلاثاء 13-أغسطس-1996

مشاهدات 62

نشر في العدد 1212

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 13-أغسطس-1996

فقهاء القانون وخبراء السياسة يطالبون  بحل مجلس الشعب  المصري:

هل يُحل مجلس الشعب المصري قريبًا؟! هذا هو السؤال الذي يطرح نفسه الآن بقوة في الشارع السياسي المصري، وفي كتابات المحللين والمراقبين وقيادات المعارضة، ويبدو أنه -أي الحل- هو الوسيلة الوحيدة للخروج من الأزمة العنيفة التي يتعرض لها المجلس هذه الأيام، فيمَا يتعلق بمدى صحة عضوية أعضائه وبالتالي مشروعيته ووضعه الدستوري والتشريعي، فالتقارير التي تصدرها محكمة النقض تباعًا -وهي أعلى هيئة قضائية مصرية كلفها الدستور بالتحقيق في صحة عضوية أعضاء البرلمان دون الفصل فيها- فيما توصلت إليه من حقائق حول المخالفات التي شابت العملية الانتخابية التي جرت في نوفمبر وديسمبر ١٩٩٥م، 

أثبتت بطلان الانتخابات في نحو ۱۱٥دائرة من «۲۲٤ هي كل الدوائر» بعد إجراء التحقيق في أقل من ربع الطعون المقدمة إلى المحكمة، وقد أحيلت نتائج التحقيقات إلى مجلس الشعب للفصل فيها حسب نص الدستور!. 

ليس هذا فقط، بل إن محكمة القضاء الإداري برئاسة المستشار عبد العزيز حمادة -نائب رئيس مجلس الدولة- فجَّرت مفاجأة أخرى في جلستها الثلاثاء30/7 الماضي، بالحكم الذي أصدرته برفض جميع الاستشكالات التي قدمتها الحكومة في أحكام القضاء الإداري الصادرة في 5/12/1995م عقب الانتخابات مباشرة، والتي قضت فيها ببطلان إجراء الانتخابات في ١٠٩دوائر انتخابية، وإعادة إجراء الانتخابات فيها وتنفيذ الحكم بمسودته وبدون إعلان... حيث أكدت المحكمة في حكمها الأخير الذي أثار ضجة في الأوساط السياسية «ضرورة احترام الدولة بجميع  أجهزتها وخضوعها لحكم القانون، باعتبار ذلك من السمات الأساسية للمجتمعات المدنية الحديثة التي تحترم الحريات وحقوق الإنسان، وقالت المحكمة: إن وزارة الداخلية، وهي الجهة الإدارية المسئولة عن تنفيذ الأحكام قد امتنعت متعمدة عن تنفيذ الأحكام العاجلة والواجبة النفاذ وهذا يعتبر مخالفة قانونية صارخة، باعتبار ذلك أمرًا لا يليق ببلد متحضر، لأن الامتناع عن تنفيذ الأحكام بغير وجه حق قانوني من شأنه أن يشيع الفوضى وفقدان الثقة بسيادة القانون.. وقالت المحكمة في حكمها التاريخي إنه كان يجب على الدولة أن تتخذ موقفًا تجسد به المبادئ الدستورية، لا أن تتخذ موقفًا فيه إهدار للدستور والشرعية والقانون، وأنه كان يتحتم على وزارة الداخلية أن تكون أكثر حرصًا من الأفراد على تطهير جميع قراراتها التي تؤدي إلى اختيار أعضاء مجلس الشعب من كلّما يمكن أن يوجه إليها من مآخذ وعيوب حتى يضطلع المجلس بالمهام والمسئوليات الملقاة على عاتقه على الوجه الأكمل.

 أحكام واجبة النفاذ:

الحكم الأخير أشعل الأزمة وزادها سخونة، فكيف ترى القيادات السياسية والقانونية الموقف الآن؟ المجلة قامت بهذا الاستطلاع والتقت نخبة من الخبراء السياسيين والفقهاء الدستوريين لتكشف حقيقة الصورة.. 

الدكتور عاطفالبنا أستاذ القانون الدستوري بجامعة القاهرة يقول: إن أحكام محكمة القضاء الإداري يترتب عليها بطلان جميع الانتخابات التي جرت بالتالي، بطلان تشكيل مجلس الشعب، وكل ما سيصدره بعد ذلك من تشريعات، كما أن مجرد اجتماعه يعد باطلًا، ويشير الدكتور البنا إلى أن أحكام القضاء الإداري واجبة النفاذ بمجرد صدورها، ولا يوقف تنفيذها إلا صدور أحكام من المحكمة الإدارية العليا بإلغائها، وإن لجوء الحكومة إلى تقديم إشكالات أمام محكمة الأمور المستعجلة -وهي قضاء غير مختص- يعد تحايلًا وإهدارًا لأحكام القضاء، أما بخصوص تقارير محكمة النقض فهي دليل دامغ على عمليات التزوير التي صاحبت العملية الانتخابية الأخيرة مما سيكون له الأثر الأكبر في عدم الاستقرار السياسي في مصر، وأرى أن يصدر قرار من السلطة بحل مجلس الشعب خاصة بعد أن أثبت القضاء مدى التزوير الذي شاب العملية الانتخابية، وإن كان ذلك سيعود علينا بالخسارة المادية إلا أنه في ذات الوقت مكسب كبير للحرية، بل ومكسب كبير للاقتصاد المصري فيمَا بعد.

الدكتور محمدحلمي مراد -أستاذ القانون ونائب رئيس حزب العمل- يعلق على تحقيقات محكمة النقض مؤكدًا أن العيب ليس في المحكمة أو في مجلس الشعب الذي انتهز الفرصة، وإنما في الدستور الذي ينص على أن محكمة النقض في قضايا انتخابات مجلس الشعب ليست سلطة قضائية فيمَا يخص الطعون، وسلطاتها تنحصر في تحقيق الوقائع وإرسالها إلى مجلس الشعب، وصاحب الحق الدستوري في الفصل في نتائج تلك التحقيقات التي أجرتها محكمة النقض، إنما هو مجلس الشعب لا غيره.. ومن الناحية السياسية نستطيع أن نقول إن كثرة هذه الطعون التي تجاوزت ثلث حجم المجلس والتي فصلت فيها المحكمة حتى الآن، وأقرت أسباب الطعن وحكمت بالبطلان كل ذلك جدير بأن يضعف مشروعية المجلس وينقص من هيبته في نفوس المواطنين.

أعضاء المجلس لهم مصلحة: 

الأستاذ كمالخالد النائب السابق، والذي أسقط البرلمان مرتين بأحكام قضائية يقول: من أين يأتي احترام أحكام محكمة النقض، ومعظم أعضاء مجلس الشعب أصحاب مصلحة في إهدار هذه الطعون وإهدار التقارير التي تضمنت رأي محكمة النقض التي تولت التحقيق، وبالتالي فإن أعضاء مجلس الشعب خصوم، بل ومن ألد الخصوم لتقارير محكمة النقض التي تكشف عن بطلان انتخابهم وتفضح ما شاب عملية الانتخاب من تزييف لإرادة الناخبين، وعلى الأخص في الانتخابات الأخيرة التي وصل فيها الفحش في التزوير والتزييف إلى أقصى مداه، لذلك فأنا أعتقد أن مال تقارير محكمة النقض هو سلة المهملات في مجلس الشعب.. ونفس الشيء بالنسبة لأحكام دوائر محاكم القضاء الإداري التي صدرت ببطلان الانتخابات في ۱۰۹ دوائر وإعادتها برمتها وهي احكام واجبة النفاذ، وليس على مجلس الشعب إلا أن يمتثل لتنفيذ هذه الأحكام.

ويرى الأستاذ أحمد سيف الإسلامحسن البنا النائب السابق وأمين عام نِقابة المحامين أن تقارير محكمة النقض تحوز الحجية التي تمكنها من حل المجلس أو على الأقل تصحيح الأوضاع وتصعيد المرشحين الذين حُكم لصالحهم بعد التحقيقات التي قامت بها المحكمة لأنها تمثل الحقيقة الكاملة، وأكد سيف الإسلام ضرورة احترام أحكام القضاء حتى يمكن إقامة التوازن بين السلطات.

قرار الحل في يد الرئيس:

ويؤكد الأستاذمصطفى كامل مراد رئيس حزب الأحرار أن قرار حل مجلس الشعب هو المخرج الوحيد من الأزمة السياسية التي يمكن أن تعيشها مصر -خاصة بعد حكم محكمة القضاء الإداري باختصاص المحكمة في نظر قضايا الانتخابات يوم ٣٠ من يوليو الماضي- وكذلك الحكم المتوقع صدوره في هذا الاتجاه من المحكمة الإدارية العليا يوم الأحد 18/8 القادم، والمعروف أن محكمة القضاء الإداري كانت قد حكمت ببطلان الانتخابات في ۱۰۹ دوائر، كما أنه ينبغي عدم تجاهل تقارير محكمة النقض وهي أعلى سلطة قضائية، حتى لا نعطي القدوة السيئة للأفراد لأن يخالفوا أحكام القضاء ويضربوا بها عُرْضَ الحائط، ولكي لا تقع البلاد في أزمة سياسية نحن في غنى عنها، لأن ترك الأمر لمجلس الشعب ومبدئه الخاطئ «المجلس سيد قراره» سيهز الشرعية السياسية لمصر، وبالتالي ينبغي أن يتدخل الرئيس مبارك رئيس الجمهورية بأحد أمرين:

الأول: أن يوجه أعضاء الحزب الوطني داخل مجلس الشعب إلى الالتزام بالدستور والقانون والإعلان بإسقاط عضوية من أدائهم القضاء في صحة عضويتهم. 

الدكتور عاطف البنا: أحكام القضاء الإداري يترتب عليها بطلان جميع الانتخابات التي جرت وبطلان تشكيل مجلس الشعب. 

مصطفى كامل مراد: حل مجلس الشعب هو المخرج الوحيد للأزمة السياسية التي يمكن أن تعيشها مصر

الثاني: أن يصدر رئيس الجمهورية قرارًا بحل المجلس، خاصة بعد ثبوت كثرة أعمال التزوير في الانتخابات وفي مختلف الدوائر، ولكي يثبت للشعب أنه حَكَم بين السلطات، ولا يعنيه الأمر في فوز أي حزب من الأحزاب في الانتخابات لأنهم جميعًا يمثلون مصر، كما أنه بحل المجلس سيوجه لكمة شديدة لكل من تسوِّل له نفسه مخالفة الطبيعة أو يفكر في مخالفة أحكام القضاء أو يستهزئ بها أو يزورها.

الدكتور محمدعُصفور -خبير القانون الدستوري وعضو اللجنة العليا لحزب الوفد- يؤكد: أن الحل الوحيد لهذا المأزق الدستوري الذي صنعته الحكومة هو حل مجلس الشعب، ويضيف: إن القاعدة القانونية تنص على أن «ما بُني على باطل فهو باطل» ومقتضى ذلك أن المجلس المشكَّل تشكيلًا باطلًا يكون ما صدر عنه باطلًا، إلا أن هناك نظرية يأخذ بها القضاء وعلى رأسه المحكمة الدستورية العليا، حرصًا على استقرار الأوضاع القانونية، تقوم على أساس أن ما يصدر عن ذلك المجلس أو تلك الهيئة قبل صدور أحكام تكشف هذا البطلان يؤخذ به، أما ما يصدر بعد صدور أحكام بطلان التشكيل فإنه يعد باطلًا ولا يؤخذ به.

ويؤكد الدكتور عُصفور: أن ما يصدره مجلس الشعب من قوانين بعد صدور أحكام محكمة القضاء الإداري ببطلان انتخاباته تعد باطلة، بل إن مجرد اجتماع المجلس في حد ذاته يعتبر باطلًا...

د. محمد عُصفور: ما يصدره مجلس الشعب من قوانين بعد صدور أحكام محكمة القضاء الإداري تعد باطلة.

الحكومة صامتة!

المسؤولون في الحكومة التزموا الصمت إزاء الموقف الخطير الذي يتعرض له مجلس الشعب وأزمة المشروعية التي تهدد بقاءه، لكن مصادر قريبة الصلة من دوائر السلطة كشفت عن عقد أكثر من اجتماع لتدارس الموقف والبحث عن مخرج للأزمة، وقالت المصادر للمجتمع: إن كل الاحتمالات مطروحة بما في ذلك حل المجلس قبل دورته القائمة التي تبدأ في نوفمبر القادم أو الاكتفاء بحل جزئي مثل إسقاط عضوية من أكد القضاء بطلان انتخابهم وأكدت ذلك أيضًا تحقيقات محكمة النقض لكن أهم ما يواجه الحكومة أنها تستعد في نهاية هذا العام وأوائل العام القادم لإجراء أكبر وأهم عملية انتخابية وهي انتخابات المجالس المحلية على مستوى الجمهورية، والتي أكد القضاء بطلان تشكيلها لعدم دستورية القانون الذي جرى الانتخاب على أساسه.. 

الدكتور أحمدفتحي سرور... رئيس مجلس الشعب قطع الصمت الحكومي بقوله إن المجلس يولي اهتمامًا كبيرًا لتقارير محكمة النقض التي تتضمن أخطاء في العملية الانتخابية وبخاصة إذا كانت هذه الأخطاء جوهرية وتؤثر في إرادة الناخبين.. وقال سرور في تصريحات صحفية إن محكمة النقض ليس في يدها القرار، وإنما القرار بنص الدستور في يد مجلس الشعب أما المحكمة فهي سلطة التحقيق فقط ولا توجد طريقة للخروج من هذه الأزمة غير تعديل الدستور، وتشكيل لجنة القضاة والبرلمانيين لفحص الطعون.. ومقتضى تصريحات الدكتور فتحي سرور أنه ربما يحدث انتقاء لبعض تقارير محكمة النقض لإعادة الانتخابات في بعض الدوائر، فهل يكفي هذا الحل للخروج من أزمة المشروعية وإعادة الهيبة للمؤسسة التشريعية أم أن «الحل» هو الحل؟ 

الرابط المختصر :