; هل كان يعلم؟ | مجلة المجتمع

العنوان هل كان يعلم؟

الكاتب الأستاذ أحمد باقر

تاريخ النشر الثلاثاء 23-مارس-1976

مشاهدات 91

نشر في العدد 292

نشر في الصفحة 43

الثلاثاء 23-مارس-1976

ارتفعت الأصوات في مجلس الشعب المصري تطالب بهدم السد العالي وتكونت لجنة التحقيق في صلاحية السد ومدى فائدته للشعب المصري وهذه الأصوات وغيرها تعتبر موجهة إلى نقد العهد الناصري عن طريق إثارة ما دار في السجون واستحلال حرية الفرد وغيرها من الانتهاكات التي انقسم الناس فيها ما بين مصدق ومكذب كما أنه هناك عدة علامات استفهام تدور حول هذه الأقاويل لماذا لم يتكلم أصحابها في حياة عبد الناصر ولماذا الآن بالذات ولنجب على هذه الأسئلة واحد تلو الآخر.

١- أما من ناحية احتمال الصحة والكذب فلو تتبعنا بدقة بعض هذه الأقاويل نجد أنها متنوعة ومتعددة المصادر فقد شن الشيوعيون حملة في الصحافة المصرية احتجاجا على تعذيب أحد قادتهم حتى الموت كما تكلم بعض القضاة مثل المستشار حريشة في كتابه سنوات عصيبة كما تكلم بعض النسوة أمثال ما ينشر اليوم في الكويت من مذكرات لبرلنتي عبد الحميد واعتماد «زوجة لرجلين أحمد خورشيد وصلاح نصر»، بل وأكثر من ذلك فقد اعترف محمد حسنين هيكل وهو في قمة المدافعين عن العهد السابق اعترف وقال في كتابه بصراحة عن عبد الناصر «الاعتقالات والتجاوزات التي حدثت مع الاعتراض الكامل عليها تأتي على هامش التجربة ومن الطبيعي بالنسبة إلى تجربة سياسية واجتماعية مثل التجربة الناصرية أن تحدث حالات قسر وهذا القسر حدث في كل تجربة شرقية وغربية والقسر الذي حدث في التجربة الناصرية أقل من القسر الذي حدث في تجارب أخرى عربية أو غير عربية» انظر إليه كيف يبرر التجاوزات التي حدثت بأنها أقل من غيرها في بلاد أخرى وهذا قمة الخداع، بل إنه خطأ عظيم في الاستقراء فكل شيء إذن قابل للتبرير إذا اتخذنا هذه القاعدة فليعمل الحاكم ما يشاء من تجاوزات ثم يقيس ما فعله هذا بما فعله ستالين ويقول إنه أقل بكثير يبرئ نفسه؟ بل إن هيكل قد اعترف وعلم بما كان يدور في السجون منذ سنوات طويلة فقد أورد حديثًا في صحيفة أخبار اليوم في عددها ٥٢٢ الصادر في ٦ نوفمبر ١٩٥٤ مع حسن الهضيبي في السجن يقول بالحرف الواحد «في كل يوم من هذه الساعة يسمع حسن الهضيبي والذين معه تسجيلين تخرج أصواتهما مجلجلة من ميكروفون ينقل ما فيهما بأعلى صوته ويدفعه إلى فناء السجن الحربي وأولهما تسجيل للخطبة التي ألقاها عبد الناصر ووجهت إليه الرصاصات الثمانية أثناء إلقائها والثاني تسجيل لأغنية أم كلثوم التي تهنئ فيها الرئيس والتي مطلعها يا جمال يا مثال الوطنية» وفي الحقيقة أن الأمر لم يقتصر على الاستماع فقد وقع كثير من التعذيب تحت هذه الأنغام.

وبعد كل هذه الاعترافات والحقائق والتواتر الذي نقلت فيه الأخبار من أشخاص مختلفين عقيدة ومنهاجًا لم يعد هناك أدنى شك أن ما حدث من تجاوزات كانت حقيقة وليس خيالًا وهميًا يراد فيه تشويه سمعة عبد الناصر وعهده ونسمي هذه النتيجة الحقيقة الأولى.

٢- أما السؤال الثاني وهو لماذا لم يتكلم أصحاب هذه الأقاويل في حياة عبد الناصر فلا شك أن ذلك يعود إلى سببين أولهما الخوف من السجن والتعذيب كما كتب أحد المعلقين عن كتاب توفيق الحكيم «عودة الوعي» وبالطبع فقد خاف الكثيرون أو جبنوا عن المواجهة بسبب الخوف على النفس أو المال أو الوظيفة أو الأعراض، أما السبب الثاني وراء كثرة الأقاويل وتعاظمها في هذه الأيام هو النفاق تلك الخصلة التي يتحلى بها من يريد أن يصل بسرعة في ظل النظام القائم. أما وقد ثبتت صحة الأقاويل في الحقيقة الأولى فلا يهمنا الآن البحث والحكم من هو الصادق الخائف ومن هو الكاذب المنافق.

٣- والآن كيف نحكم على عبد الناصر بعد ذلك: للناس في ذلك قولان أولهما إنه لم يكن عالمًا بتلك التجاوزات والثاني أنه علم ورضي وسكت ويلتمس أصحاب الرأي الأول في ذلك العذر لعبد الناصر ولم يعلموا بالمثل القائل إن كنت تدري فتلك مصيبة وإن كنت لا تدري فالمصيبة أعظم فعلى كلا الحالين لا يمكن إلا أن يلام الرئيس الذي تحدث في حكمه كل هذه التجاوزات سواء كان يعلم بها أو لا يعلم كيف لا وقد وقع فيها الكثير من الشعب منهم المذنب ومنهم البريء ولاكتها العديد من الألسن في مصر وخارج مصر أين ذلك من قول عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- «لو أن دابة تعثرت على شاطئ الفرات لظننت أنني محاسب عليها» فهذا الصحابي الجليل. الذي يمثل حكمه الحكم الإسلامي الحقيقي يحاسب نفسه مرارًا وتكرارًا حتى في أقل وأضعف الرعاية حتى تميز عهده بالعدل وكان صورة مشرفة للحكم الإسلامي إلى الأبد. إذا الحقيقة الثانية أن عبد الناصر ملام على هذه التجاوزات سواء علم أم لم يعلم.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل